الأربعاء، 19 سبتمبر 2012

في انتظار أن يسقط النظام



رمضان متولي
وزير المالية ممتاز السعيد يصرخ … تفاقم عجز الموازنة إلى 170 مليار جنيه وبلغ حوالي 11% من إجمالي الناتج المحلي … وهي بالفعل فجوة كبيرة بين النفقات التي تلتزم بها الدولة وبين مواردها، تستلزم إجراءات واضحة وحاسمة لتخفيض الإنفاق العام من جانب، وزيادة الإيرادات من جانب آخر … مطالب الثورة بالعدالة الاجتماعية لا تنفي ذلك، بل تؤكده وتصر عليه. ولكن هل ينظر الوزير إلى المشكلة من نفس الزاوية التي تطالب بها الثورة؟ في رأيي المتواضع أن الوزير يقف على الجانب الآخر … الجانب المناهض للعدالة الاجتماعية، الذي يرى في الثورة أزمة ومشكلة، وخروجا على الناموس، بل يعتقد أن واجبه هو معاقبة الشعب المصري على ثورته، ومكافأة الفاسدين واللصوص الذين خرج ضدهم الشعب على فسادهم وسرقاتهم واستغلالهم للفقراء.
يظهر موقف الوزير، والحكومة التي ينتمي إليها، بوضوح في الأسلوب الذي ينتهجه ويتبناه لمعالجة مشكلة عجز الموازنة، وهو نفس الأسلوب ونفس المنهج الذي كانت تتبناه حكومات مبارك، بل نفس منهج وأسلوب يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق الذي يعيش "هاربا" الآن في العاصمة البريطانية.
وزير المالية دكتور ممتاز السعيد يسعى إلى حل أزمة تفاقم العجز في الموازنة العامة عن طريق التوسع في الضرائب غير المباشرة، تماما مثل ضريبة المبيعات، وهي الضرائب التي يتحملها المستهلكون وأغلبهم من الفقراء والطبقة الوسطى، متجنبا أي حديث عن ضرائب مباشرة عن أرباح رجال الأعمال ورؤوس الأموال الساخنة التي تضارب في البورصة أو في العقارات أو غيرهما. وقد نشر موقع "الأهرام" في 17 سبتمبر الجاري إحدى الأفكار العبقرية لوزير المالية التي أدلى بها خلال مؤتمر تمويل مشروعات البنية ومشاركة القطاع الخاص بالشرق الأوسط، وهي أن الوزارة تدرس فرض رسم على مكالمات المحمول بواقع "قرش صاغ" عن كل دقيقة يتحمله المشترك وتحصله شركات التليفون المحمول لصالح الخزانة العامة، بهدف زيادة إيرادات الموازنة وتخفيض العجز المالي الذي تضخم بنحو 36 مليار جنيه عما كان مقدرا ليصل إلى 170 مليار جنيه في موازنة العام المالي الحالي!
هذا المنهج في التفكير هو بالضبط منهج أعداء الثورة التي طالبت بالعدالة الاجتماعية، فهذا المطلب يستدعي بالضرورة إعادة النظر في سياسة الضرائب التي انحازت، ومازالت تنحاز، إلى الأثرياء منذ قررت حكومة أحمد نظيف تخفيض الضرائب على أرباح رجال الأعمال بنسبة 50% إلى 20% فقط في عام 2004. هذه الجريمة التي ارتكبت في حق الشعب المصري، ومازالت نافذة وممتدة حتى الآن، ترتب عليها وصف حكومة نظيف عن حق بأنها حكومة رجال الأعمال ومصالح الأثرياء المعادية للغالبية العظمى من أبناء هذا الشعب.
وزير المالية في حكومة جاءت بعد ثورة استشهد فيها زهرة شباب هذا البلد…حكومة شكلها رئيس منتخب ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، التي ملأت الدنيا ضجيجا زاعمة أنها تدافع عن الفقراء والعدالة الاجتماعية، ينفذ نفس السياسات التي وضعها وزراء "مجرمون" في عهد مبارك.
لم يقترب تفكير الوزير من زيادة الحد الأقصى للضريبة على الدخل، رغم أن نسبة 20% هي أقل نسبة ضرائب على الدخل في العالم … لم يفكر وزير المالية في إلغاء دعم الصادرات الذي يستفيد به الأثرياء من التجار والمصدرين، وإنما يعمل على إلغاء الدعم على الوقود، والذي يترتب عليه بالضرورة زيادة أسعار السلع الأساسية كلها وعلى رأسها الغذاء! لم يفكر الوزير في وضع حد أقصى لدخول كبار الموظفين من أجل توفير الموارد لحكومة تشن حاليا حملة من القمع الشامل للعمال والموظفين الذين يضربون عن العمل ويعتصمون للمطالبة بأجور عادلة وحياة كريمة!
الأدهى والأمر أن جميع السياسات التي وضعت أساسها وبرامجها حكومة رجال الأعمال والسماسرة بقيادة أحمد نظيف تسعى حكومة قنديل إلى تنفيذها باعتبارها سياسات ضرورية ولا غنى عنها ولابديل لها…كأن الشعب المصري لم يثر ضد هذه السياسات تحديدا.
المؤتمر الذي أدلى فيه ممتاز السعيد بهذه التصريحات هو نفسه مؤتمر خصخصة المرافق والخدمات تحت عنوان الشراكة مع القطاع الخاص…نفس المشروع الذي بدأته حكومة أحمد نظيف وجاءت الثورة لتقطع عليهم طريق استكماله…وإضرابات العمال والموظفين ربما تشير إلى أن الثورة مستمرة حتى تكمل ما بدأته…أما قمع الأمن لهذه الإضرابات فيعني أن النظام مازال قائما يتشبث بالسلطة في انتظار السقوط. 

السبت، 26 مايو 2012

جماهير تنتصر للثورة، وثوريون يهزمون أنفسهم!


رمضان متولي

لا أستطيع ولا أريد أن أخفي سعادتي ودهشتي من نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، والتي أرى أنها تعزز الثقة في أن الثورة المصرية ثورة عميقة ومستمرة وأن محاولات وأدها واحتوائها على مدى أكثر من عام ونصف العام لم تستطع حتى الآن إطفاء جذوتها وإحباط أمل الشعب المصري في التغيير. بل إن نتائج هذه الجولة أثبتت من وجهة نظري أن إيمان الجماهير وثقتها في الثورة تجاوزت تقديرات وتصورات قاصرة عند العديد من الثوريين، الذين يعزف بعضهم الآن جوقة من الإحباط من نتائج الانتخابات وبعضهم يصب اللعنات على الشعب الذي لا يعرف عنه شيئا.

ووسط جوقة "الندب والتعديد" والإحباط الجنائزية التي تتردد أصداؤها على مواقع التواصل الاجتماعي وفي بعض اللقاءات الإعلامية، ربما يكون مثيرا للدهشة ما تتضمنه السطور السابقة من تفاؤل مقابل معزوفة الإحساس بالمأزق واللاجدوى بسبب نجاح محمد مرسي، مرشح الإخوان المسلمين وهي الجماعة الأكثر تنظيما وجماهيرية في الساحة السياسية المصرية، وأحمد شفيق، مرشح دولة الاستبداد والفساد وجماعات المصالح الذين مازالوا يسيطرون على مراكز السلطة والثروة في هذا البلد منذ عقود! ولكن هذه الدهشة تزول عندما نضع في اعتبارنا جملة من العوامل تفصيلها كما يلي:

أولا: إن محمد مرسي مرشح لتنظيم نعرف جميعا أنه الأكثر عددا والأفضل تنظيما على الساحة السياسية المصرية منذ سنوات عديدة وأن لديه الكثير من الموارد المالية والبشرية تجعلنا نتوقع له أداءا متميزا في أي انتخابات، علاوة على أنه التنظيم صاحب القاعدة الجماهيرية الأوسع في مصر منذ سنوات مستندا إلى الدعاية الدينية وشبكات الخدمات المنتشرة في ربوع مصر من شمالها إلى جنوبها، وذلك بالمقارنة مع الضعف التنظيمي والعددي للمنظمات اليسارية وغياب أي قاعدة جماهيرية مؤثرة لها من ناحية، والإفلاس السياسي والأيديولوجي والتذبذب الذي يميز القوى الليبرالية وغياب أي قاعدة جماهيرية فاعلة لها من ناحية أخرى.

ثانيا: إن المجلس العسكري وقوى الثورة المضادة من أجهزة أمنية وبيروقراطية، وشبكات رجال الأعمال وعصابات الفساد ومراكز القوى وجماعات المصالح الزبونية التي تحلقت من قبل حول الحزب الوطني المنحل استطاعت خلال عام ونصف العام من الانتفاضة التي فجرت ثورة يناير 2011 أن تجمع شتاتها وتلملم أطرافها وما تبقى منها لتخوض معركة أساسية بالنسبة لها بتأييد أحمد شفيق، العسكري المرتبط بقوة بمعسكر الثورة المضادة، وبكل طاقتها وقوتها ووسائلها العديدة، ليس لأنها تخشى الآن من انهيار مصالحها وتبدد مراكز قوتها ونفوذها، بل لأنها تتعجل تحقيق أهدافها في إحباط الروح الثورية والرغبة في التغيير لدى الجماهير حتى لا تستمر في التطور إلى أن تهدد مراكزها ومصالحها مستقبلا في جولة جديدة من زخم الثورة وعنفوانها.

ثالثا: إن كثيرا من القوى التي تنتمي إلى معسكر الثورة كانت تتوقع أداءا قويا للتيار الديني ومعسكر النظام الأمني في انتخابات الرئاسة مما ينبغي ألا يدفعها إلى الشعور بالإحباط بعد نتائج الجولة الأولى التي تصدرها مرشح التيار الديني محمد مرسي وتلاه في الترتيب مرشح النظام الأمني البيروقراطي أحمد شفيق، لكن معزوفة الإحباط والتشاؤم من وجهة نظري مصدرها رهان لم يفصح عنه ولا يقوم على أساس منطقي بإمكانية نجاح مرشح ينتمي إلى معسكر الثورة في انتخابات رئاسية تجري تحت سيطرة المجلس العسكري ويستخدم فيها الدين والمال ومؤسسات الدولة وشبكات المصالح ومراكز القوى والنفوذ للتأثير على نتائجها، وأقول أن هذا الرهان لا يقوم على أساس منطقي سليم لأن أدوات السلطة والثروة (التي تلعب دورا كبيرا في العملية الانتخابية) مازالت في أيدي أعداء الثورة، كما أن التيار الديني الذي يلعب دورا انتهازيا ويتاجر بالثورة حتى يحصل على نصيب من كعكة السلطة مازال هو الأقوى تنظيما ويمتلك من الموارد المالية والبشرية والقاعدة الجماهيرية ما يفوق كثيرا أي فصيل محسوب على معسكر الثورة. ولذلك مثلا كان فصيل من فصائل الثورة يراهن على تقديم عبد المنعم أبو الفتوح، كبديل وسطي يستطيع الفوز في الانتخابات من وجهة نظرهم بأن يجذب كتلة من أصوات التيار الديني ويقترب نوعا ما من أصحاب الميول الليبرالية ويحصل على أصواتهم، وهو رهان فشل إلى حد كبير.

رابعا: إن جانبا مهما من الخدعة الانتخابية، أو الطريق الانتخابي لاحتواء الثورة ووأدها، يقوم على تعزيز الأوهام بأن الرئيس المنتخب يمكن أن ينوب عن الجماهير في تحقيق أهداف الثورة أو يهيئ الظروف المناسبة لتحقيق مطالبها وأهدافها، هذا الوهم لم يساورني على الإطلاق، بل في اعتقادي أن الرئيس القادم، بصرف النظر عن مواقفه وتوجهاته، سيكون إما متواطئا مع المجلس العسكري وأعمدة النظام المعادي للثورة ومطالب الجماهير والتي مازالت تسيطر على السلطة والثروة، وإما أن يكون مجرد واجهة لا حول لها ولا قوة للسياسات والإجراءات والقرارات التي سيتخذها آخرون في أروقة وزارة الدفاع والمعاقل البيروقراطية والمالية الخاصة بالحكام الحقيقيين، وإما أنه سيدخل في أزمات مستمرة معها تنتهي بالتخلص منه سواء عن طريق انقلاب عسكري مباشر أو عن طريق لعبة دستورية أو قانونية تبطل انتخابه. وبالتالي لم أبن أوهاما حول قدرات الرئيس القادم وما يستطيع أن يفعله خدمة للثورة أو ضدها.

كل ما تقدم، مع ذلك، لا يدعو إلى التفاؤل ولا التشاؤم، وإنما يثبت أن "كل شيئ عادي على الضفة الأخرى"، أي الترتيبات والإجراءات التي تتخذها الثورة المضادة لاحتواء الثورة ووأدها قبل أن يشتد عودها لاستكمال المسيرة، وهو أمر لم يتوقف منذ سيطرة المجلس العسكري على السلطة في 11 فبراير 2011. فما مصدر التفاؤل والسعادة إذن في نتائج الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة؟

إذا لم يكن غريبا ولا مفاجئا في ضوء الاعتبارات التي سبق ذكرها تصدر محمد مرسي، مرشح الإخوان المسلمين، وأحمد شفيق، مرشح الدولة الأمنية، نتائج التصويت ليحتلا المركزين الأول والثاني على الترتيب، فإن أداء مرشح آخر ينتمي إلى معسكر الثورة هو حمدين صباحي، والذي جاء في الترتيب الثالث بفارق طفيف، كان مبهرا بكل المقاييس. ويحتاج هذا الأداء لتحليل مختلف لميول الجماهير ومعطيات اللحظة الراهنة.

ينتمي حمدين صباحي إلى التيار الناصري، وله تاريخ طويل في صفوف المعارضة السياسية لنظامي السادات ومبارك، كما أنه مؤسس حزب الكرامة، وهو حزب صغير انشق عن الحزب الناصري منذ سنوات عديدة ولم تكن له قاعدة جماهيرية مؤثرة، بل إن هذا الحزب انضم إلى التحالف الانتخابي الذي نظمته جماعة الإخوان المسلمين ليحظى ببعض المقاعد القليلة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. لذلك لم يكن كثيرون، وأنا منهم، يتوقعون أداءا قويا لحملة حمدين صباحي كمرشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، لافتقاد هذه الحملة للتنظيم والموارد البشرية والمالية الكبيرة والقواعد الجماهيرية ودعم أجهزة النظام وأصحاب المصالح المرتبطة به التي كانت متوفرة في خصومه، وهي كلها عوامل تلعب في الظروف العادية الدور الرئيسي في تحديد نتائج الانتخابات.

ومع ذلك استطاع مرشح بهذا الضعف بمعايير المعارك الانتخابية مقارنة بمنافسيه أن يحقق مراكز متقدمة فاجئت الجميع حتى أطلقت عليه أجهزة الإعلام عن حق بأنه الحصان الأسود في هذه الانتخابات رغم تقدم مرسي وشفيق عليه في نتائج الجولة الأولى وخروجه من سباق الإعادة. والواقع أن حملة المرشح المفاجأة وبرنامجه لم يكونا وراء الأداء المميز له في المعركة الانتخابية، فالحملة كما أشرنا ضعيفة الموارد البشرية والمالية ولا تحظى بمساندة من يسيطرون على مفاصل السلطة والثروة ولا شبكات النفوذ والمصالح في مختلف أنحاء البلاد، أما البرنامج فلم يختلف اختلافا جوهريا ملحوظا عن برامج مرشحين آخرين مثل خالد علي أو عبد المنعم أبو الفتوح، ولا نعتقد أن اتجاهات التصويت في الانتخابات اعتمدت على البرامج بقدر ما اعتمدت على استخدام المرشحين للوسائل القديمة بالإضافة إلى عامل آخر هو الأهم في تفسير أداء حمدين صباحي في الانتخابات.

 إن ضعف الوسائل التقليدية للمعارك الانتخابية في حملة حمدين صباحي، بالإضافة إلى عدم تميز برنامجه تميزا جوهريا عن بقية المنافسين وأن اتجاهات التصويت لا يمكن أن تكون قد اعتمدت على البرامج بأكثر ما اعتمدت على الوسائل التقليدية، يدفعنا إلى محاولة تفسير أداء حمدين صباحي استنادا إلى سبب آخر. وأعتقد أن هذا السبب هو أن قطاعا واسعا من الجماهير، فاق توقعات القوى الثورية، أخذ في البحث عن بديل للوجبة الممضة المطروحة عليه، وهي الاختيار بين التيار الإسلامي الذي كشف عن انتهازيته سريعا، أو قوى الدولة الأمنية التي تستعد بشراسة للانقضاض على الثورة.

ونلاحظ أن المناطق التي أعطت قدرا كبيرا من أصواتها لحمدين صباحي كانت ومازالت معاقلا للنشاط الثوري، فقد حقق حمدين المركز الأول في الأسكندرية بأكثر من 600 ألف صوت بفارق كبير عن محمد مرسي الذي حصل على حوالي 290 ألف صوت وأحمد شفيق الذي حصل على حوالي 200 ألف صوت، وفي الأسكندرية تحديدا حصل حمدين صباحي وحده على أصوات تجاوزت مجموع أصوات مرسي وشفيق بما يقترب من 100 ألف صوت، فيما حصل أبو الفتوح على حوالي 290 ألف صوت وحصل عمرو موسى على حوالي 270 ألف صوت مما يعني أن مجموع أصواتهما أيضا كان أقل من الأصوات التي حصل عليها حمدين صباحي. وقد حقق المرشح المفاجأة المركز الأول في أربع محافظات هي الأسكندرية وكفر الشيخ (مسقط رأسه) وبور سعيد والبحر الأحمر. بينما حقق في محافظة الغربية مركزا متقدما على مرشح الأخوان المسلمين محمد مرسي بفارق كبير، وحقق في محافظة الاسماعيلية مركزا متقدما على شفيق وجاء الثاني في الترتيب أيضا بفارق كبير، وفي الدقهلية حقق مركزا متقدما على محمد مرسي بفارق كبير وكان الثاني في الترتيب بعد شفيق. أما في السويس فقد جاء الثاني في الترتيب بعد محمد مرسي بفارق يقل عن ألف صوت. وتكرر ذلك في عدد من المحافظات الأخرى التي يغلب عليها الطابع المديني وتركز المناطق العمالية والحضرية التي ساهمت مساهمة ملحوظة في الثورة المصرية.

لم يحقق حمدين خسائر كبيرة أمام المرشحين الآخرين إلا في المناطق ذات الطابع الريفي وتلك المحافظات التي ارتبطت أكثر بالدولة الأمنية وتاريخيا بالنفوذ القوي لجماعة الأخوان المسلمين، وتعتبر الأسكندرية اسثناءا من ذلك بكل المقاييس حيث يتمتع التيار الديني (خاصة السلفي) بنفوذ قوي فيها ومع ذلك حصل حمدين على المركز الأول في هذه المحافظة الكبيرة بفارق كبير على منافسيه.

والمعنى الإيجابي الأول في ذلك الذي يعزز من تفاؤلي ويشعرني بالسعادة من نتائج الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية أن هناك تحولا إيجابيا في الوعي اكتسبته الجماهير عبر تجربتها الذاتية خلال الفترة التي أعقبت انتفاضة يناير 2011 وحتى الآن، هذا التحول في الوعي دفع الجماهير إلى البحث عن بديل لرمز الدولة الأمنية وشبكات النفوذ المرتبطة بنظام مبارك وهو أحمد شفيق وعمرو موسى من ناحية وكذلك لرمز التيار الديني الذي كشف عن تخاذله وانتهازيته وتواطئه ضد الثورة خلال الفترة الماضية وهو محمد مرسي وعبد المنعم أبو الفتوح بدرجة أقل.

والمعنى الإيجابي الثاني من وجهة نظري أن الجماهير تجاوزت حتى أحلام الثوريين بأنها نبذت الخطاب الوسطي التوافقي الذي كان يفتش عنه تيارات محسوبة على معسكر الثورة اعتقادا منها بأن الجماهير لم تقترب بعد من منطقة المطالبة بمواقف أكثر وضوحا وصراحة في تأييد الثورة واستمرارها، على الرغم من الجانب الآخر لهذه الصورة الذي يكشف عنه التصويت الكثيف لأحمد شفيق (رغم ما يحيط ذلك من شبهات التزوير) بأن قطاعا من الجماهير أيضا يطالب بالاختيار الواضح للدولة الأمنية في قمع الثورة طلبا للاستقرار بأي ثمن من ناحية وخوفا من التيار الديني.

 إن الصورة التي أصبحت واضحة الآن أن الاستقطاب مازال مستمرا بين الجماهير، وأن قاعدة أوسع مما كنا نتوقع تريد استمرار الثورة حتى وإن لم تستطع القوى الثورية أن تبلغ من الكفاءة والقدرة التنظيمية والسياسية حتى تتواصل معها وتدعمها، وهذه الجماهير تعلمت بتجربتها الذاتية خلال هذه الفترة العصيبة وتجاوزت النخب السياسية التي تسارع إلى التهاوي في دائرة الإحباط الخطرة.

مشكلة الجوقة الجنائزية من وجهة نظري أنها تروج، عن قصد أو بحسن نية، لشعور خطير بالهزيمة قبل الأوان وتتجاهل أن النتائج الحقيقية للانتخابات كان يجب أن تعزز التفاؤل والإحساس بإمكانية الانتصار إذا ما بذل الجهد الكافي واتخذت الخطوات السليمة نحو هذا الهدف. إن الجيوش لا تهزم في المعارك الحربية إلا عندما تتعرض لخسائر كبيرة – لا الإبادة – تجعل الإحباط يهيمن عليها وتيأس من إمكانية كسب المعركة فتهزم نفسيا قبل أن تهزم واقعيا وتفقد القدرة على الاستفادة من فرص استعادة الموقف والثبات. أما الغريب في معركتنا الحالية فهو أن العديد من القوى الثورية تعزف ألحان الجنائز وتعيش حالة الإحباط لأننا لم نكن نتوقع مكاسب من ناحية، ولم نتكبد خسائر في المعركة، بل العكس بالحسابات الواقعية تحققت مكاسب لمعسكر الثورة لم يكن يحلم بها، والخطورة في أن نغمة التشاؤم والإحباط تفوت عليه فرصة الاستفادة منها وتفقد هذه المكاسب معناها الإيجابي بأن الثورة مستمرة وإمكانيات الاستمرار واقعية وتتزايد قوة.

الأحد، 1 أبريل 2012

ترشيح الشاطر: مناورة أم صفقة أم محاولة بائسة لغسيل اليدين وتماسك الجماعة؟


رمضان متولي

لم تفقد جماعة الإخوان المسلمين قدرتها الفائقة على إثارة الدهشة. وكل من يتابع مواقف الجماعة ومناوراتها السياسية يكتشف تلك المرونة الهائلة في اللعب على مختلف المسارات، ويتأكد من أصالة انتهازية الجماعة ونزعتها الإصلاحية حتى في ذروة الأوضاع الثورية. وربما تقدم لنا مراجعة مواقف الجماعة منذ بداية ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 دليلا راجحا على تلك المرونة الانتهازية والنزعة الإصلاحية الضيقة، من إعلانها عدم المشاركة في مظاهرات 25 يناير، إلى اندفاعها بقوة في هذه المظاهرات يوم 28 يناير عندما تطورت المظاهرة إلى انتفاضة قوية ضد نظام مبارك، ثم لقائها مع عمر سليمان الذي أصبح نائبا للرئيس المخلوع للبحث عن مكاسب وفرص الخروج من الأزمة، ثم انسحابها من التفاوض معه عندما أدركت أن سليمان ورئيسه ورموزه أصبحوا أوراقا محروقة وأن الموجة الثورية العارمة لن تتوقف قبل إزاحة مبارك عن السلطة الآن وفورا.

مراحل تحالف الجماعة مع المجلس العسكري بعد ذلك ووقوفها ضد المظاهرات والاعتصامات والإضرابات معروفة، حتى أنها لم تعد إلى الميدان إلا عندما حاول المجلس تهديد مكاسبها المتوقعة عبر وثيقة المبادئ فوق الدستورية التي سعى العسكريون إلى فرضها عبر المجلس الاستشاري. ثم كان نزولها الميدان مرة أخرى في مواجهة جماهير الثورة خلال الذكرى الأولى لانتفاضة يناير 2011 عندما حاولت دون جدوى أن تضفي طابعا احتفاليا عليها بينما كانت الجماهير تطالب بإزاحة المجلس العسكري واستكمال الثورة والقصاص لدماء الشهداء.

وقفت الجماعة طوال الفترة اللاحقة في مواجهة مع جماهير الميادين وأبدت حرصا شديدا على مقاعدها البرلمانية رغم إصرار المجلس العسكري على ألا تكون للبرلمان أي صلاحيات، بل وأصرت على مساندة حكومة كمال الجنزوري رغم المواجهة العنيفة التي جرت أمام مجلس الوزراء بين الأمن والمتظاهرين الذين حاولوا منع الجنزوري من دخول المبنى. واستمر شهر العسل بين الإخوان والمجلس العسكري حتى جاءت مجزرة بورسعيد متوجة عدة أزمات أخرى لتؤكد للإخوان المسلمين أن برلمانهم مجرد ناد رخيص لممارسة الثرثرة السياسية الفارغة، ولا صلاحيات له في سحب الثقة من الحكومة أو تعيين حكومة ائتلافية أو غيره.

وجاء قرار جماعة الإخوان المسلمين الأخير بترشيح المهندس خيرت الشاطر في انتخابات الرئاسة المقبلة ليثير من التساؤلات الكثير مما يتلاءم مع ما عهدنا من مواقف الجماعة التي تتسم بالغموض والمناورة. لست مهتما هنا بمواقف من يسمون بالقوى المدنية التي بدت بائسة في هرولتها إلى المجلس العسكري حتى يتدخل ضد ما وصفوه بالنزعة "الاستحواذية" لدى الإخوان. إنما الأهم بالنسبة لي هو ما يمكن أن ينطوي عليه قرار الإخوان من تطور في علاقتها مع المجلس العسكري وحكومته من ناحية، وفي علاقتها بشعبيتها وجماهير الثورة من ناحية أخرى.

و يمكن تفسير هذا القرار على ثلاثة أوجه رئيسية: أولا، ربما جاء قرارها تصعيدا لصراعها مع المجلس العسكري على اقتسام السلطة إلى مرحلة أعلى. ثانيا، ربما يكون القرار جزءا من صفقة بين الإخوان والمجلس العسكري يتخذ تمريرها شكل المعركة بدلا من شكل التوافق الصريح. وثالثا، ربما كان هذا القرار خطوة بائسة تتخذها جماعة الإخوان متأخرة كعادتها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد تراجع شعبيتها على خلفية مساندتها للمجلس العسكري وحكومة الجنزوري في مواجهة جميع التيارات الثورية التي رفضت بقاء العسكر في السلطة ووقفت ضد تعيين الجنزوري رئيسا للوزراء.

(1)            

تصعيد الصراع مع المجلس العسكري:

لا شك أن علاقة الإخوان المسلمين بالمجلس العسكري شهدت فترات من الشد والجذب تصاعدت حدتها مؤخرا بعد مساعي الإخوان إلى سحب الثقة من حكومة كمال الجنزوري وفشلها في ذلك حتى الآن مع تصريحات لأعضاء المجلس العسكري والحكومة بأن البرلمان لا يملك صلاحية حجب الثقة عن الحكومة أو إقالة الوزراء.

شهر العسل بين جماعة الإخوان المسلمين وبين المجلس العسكري بدأ منذ أن تولى العسكر السلطة بتنحي الرئيس المخلوع عنها في 11 فبراير من العام الماضي، ثم قيام العسكريين بتعيين لجنة لتعديل بعض مواد الدستور دافع عنها الإخوان وحشدوا لها، خصوصا وأن اللجنة ضمت في عضويتها المحامي الإخواني صبحي صالح وكانت برئاسة المستشار طارق البشري، المحسوب على التيار الإسلامي. ووقفت الإخوان موقفها هذا من التعديلات الدستورية رغم معارضة جميع القوى السياسية الأخرى من يسار ويمين ورغم اعتراض شباب الميادين عليها. واستطاعت الجماعة مع السلفيين حشد الجماهير للتصويت بالموافقة على هذه التعديلات، حتى خرج المجلس العسكري في النهاية بإعلان دستوري ساندته أيضا الإخوان رغم اعتراض باقي القوى السياسية عليه. وفي مختلف المعارك التي دارت في الميادين ضد حكومة شفيق، ثم حكومة شرف الأولى والثانية، في المطالبة بمحاكمة مبارك، والقصاص للشهداء وحقوق المصابين، التزم الإخوان بالابتعاد عن الميادين وتأييد المجلس العسكري والزعم بأن المجلس لا يطمع في السلطة. حتى إذا تقدم الدكتور علي السلمي بما عرف بوثيقة المبادئ فوق الدستورية واقتراحات بتشكيل الجمعية التأسيسية حتى نزل الإخوان المسلمون والسلفيون إلى الميادين رافضين لها في جمعة وصفها الناشطون بجمعة "قندهار". وتراجع المجلس العسكري عن الوثيقة وانتهت الأزمة واستمرت مساندة الإخوان للعسكريين حتى أنهم أيدوا حكومة كمال الجنزوري ووصفوا المتظاهرين بالبلطجية، واستدعوا شبابهم لاعتراض المتظاهرين في أول اجتماع لمجلس الشعب رغم أن المتظاهرين كانوا يطالبون بتسليم السلطة للبرلمان وعودة العسكريين إلى الثكنات. وكان قد سبق هذا المشهد خروج الإخوان المسلمين في الذكرى الأولى لانتفاضة 25 يناير للاحتفال واصطدموا مع المتظاهرين الذين كانوا يطالبون العسكريين بالعودة إلى ثكناتهم ومحاكمة من ارتكبوا منهم جرائم ضد الثوار.

بدأ الصدام كما قلنا آنفا عندما حاول الإخوان المسلمون في البرلمان سحب الثقة من حكومة الجنزوري خاصة بعد مجزرة بورسعيد وفشلوا آنذاك في إقالة وزير الداخلية، ثم أعقب ذلك تصريحات من كمال الجنزوري ومن المجلس العسكري بأن البرلمان لا يملك إقالة الحكومة. غير أن الصدام يمتد إلى ماهو أبعد من سحب الثقة من الحكومة. ذلك أن المجلس العسكري يسعى إلى إعادة إنتاج نظام مبارك بحذافيره ويريد نظاما رئاسيا وحكومة تنفيذية لا سلطان للبرلمان عليها حتى يحاصر التيار الديني داخل أروقة البرلمان للثرثرة الفارغة فقط دون أن يكون للأغلبية البرلمانية تأثير حقيقي على الإدارة التنفيذية. وقد بدا ذلك واضحا من قانون الانتخابات الرئاسية الذي قام العسكر على إصداره قبل انعقاد البرلمان بساعات وتضمن العديد من المواد المعيبة وكان أخطرها تحصين قرارات لجنة الانتخابات الرئاسية من الطعن عليها أمام المحاكم مما يعني توفير فرصة للتزوير لتصعيد رئيس يرضى عنه العسكريون.

 إلى جانب ذلك، رغبة العسكريين، وربما إصرارهم، على أن تخرج الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور بدستور رئاسي يمنح صلاحيات واسعة للرئيس بينما يسعى الإخوان المسلمون إلى دستور أقرب إلى النظام البرلماني يجعل اختيار رئيس الوزراء لزاما من حزب الأغلبية في البرلمان ويحصر صلاحيات الرئيس في شئون الدفاع والأمن القومي والموافقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية ويجعل حتى اختصاص الشئون الخارجية بالمشاركة بين الرئيس ورئيس الوزراء. ورغم إقرار جماعة الإخوان المسلمين بمنح القوات المسلحة ومصالحها الاقتصادية وميزانيتها وضعا خاصا في ترتيبات الدستور المرتقب، لم يرض المجلس العسكري عن ذلك مما يتضح من الخلافات الشديدة حول تشكيل الجمعية التأسيسية وما يتردد من ضغوط يمارسها المجلس على بعض الجهات لسحب ممثليها منها. وكل ما يردده الليبراليون وغيرهم عن ضرورة أن يكون الدستور توافقيا، وعدم مشروعية مشاركة البرلمان في وضع الدستور وغيره ماهو إلا لغو فارغ لإثارة الغبار حول تدخل المجلس العسكري في تشكيل الجمعية ومحاولته السيطرة على صياغة الدستور الجديد بما يضمن النتائج التي يريدها.

على خلفية هذا الصراع حول اقتسام كعكة السلطة بين العسكريين والتيار الديني، قامت جماعة الإخوان فعلا بتمرير قانون انتخابات الرئاسة رغم المادة المعيبة فيه التي تتيح فرصة للتزوير، على الأقل عند إعلان النتائج النهائية، دون أن يستطيع أحد الطعن فيها أمام أي محكمة. وفي مقابل ذلك، حاولت الجماعة أن تجعل صلاحيات الرئيس محدودة في الدستور الجديد لكنها ووجهت بضغوط المجلس العسكري وانسحاب العديد ممن تم انتخابهم في الجمعية التأسيسية بدعوى عدم مراعاتها "للتوافق الوطني". في نفس الوقت، اكتشفت الجماعة أن محاولتها حجب الثقة عن الجنزوري أو كسب صلاحيات محددة للبرلمان تجعله أكثر قليلا من مجرد مجلس للثرثرة السياسية الفارغة تواجه بإصرار المجلس العسكري على التمسك بهذه الحكومة وعلى أن البرلمان لا يملك حق إقالتها، بل والتهديد بحل البرلمان إذا استمرت الجماعة في إجراءات إقالة الحكومة. ولأنها تدرك أن ذلك قد ينسحب أيضا على الرئيس القادم إذا جاء بالصلاحيات التي يريدها العسكريون، قامت الجماعة بالعدول عن موقفها السابق بعدم المنافسة على منصب الرئيس وعدم تأييد أي مرشح ينتمي إلى التيار الإسلامي، ودفعت بمرشح من كوادرها هو المهندس خيرت الشاطر إما للضغط على المجلس العسكري للتراجع عن محاولة عزلها داخل أروقة برلمان بلا صلاحيات، أو للاستحواذ على منصب الرئيس الذي قد يمتلك صلاحيات تنفيذية واسعة في الدستور إذا نجحت محاولات المجلس العسكري في تغيير تشكيل الجمعية التأسيسية والتأثير على نصوص هذا الدستور.

(2)

تمرير صفقة في صورة معركة:

جماعة الإخوان المسلمين تجيد عقد الصفقات مع السلطة المتنفذة، وكان ذلك ديدنها في عهد مبارك وما بعد مبارك. وفي اتخاذ الإخوان المسلمين قرارا بترشيح خيرت الشاطر في انتخابات الرئاسة المقبلة العديد من المبررات التي تشير إلى احتمال وجود صفقة ما بين العسكريين والجماعة. يتضح ذلك من قراءة خريطة المرشحين لمنصب الرئيس من التيار الديني من ناحية ومن المحسوبين على نظام مبارك، الذين يميل إليهم المجلس العسكري بالطبع، من ناحية أخرى، خاصة أن باقي المرشحين لا يتمتعون بفرص كبيرة في الفوز بمنصب الرئيس.

لدينا من التيار الإسلامي الدكتور محمد سليم العوا، والشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح. والأخير تحديدا كان عضوا قياديا في جماعة الأخوان المسلمين وكان من أسباب خروجه من الجماعة إصراره على ترشيح نفسه لمنصب الرئاسة رغم موقف الجماعة السابق الذي يرفض ترشيح أي من أعضائها للمنصب. ومن الواضح أن المجلس العسكري لا يرغب، أو لا يثق، في فوز أي مرشح من التيار الديني بمقعد الرئيس ويفضل أحد المرشحين الذين عاشوا وتربوا وكانوا أضلاعا أساسية في نظام مبارك، مثل عمرو موسى، أو أحمد شفيق أو عمر سليمان أو غيره من الذين خرجوا من عباءة القوات المسلحة. من ناحية أخرى، هناك العديد من الأنباء التي تشي بأن هناك داخل جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة شباب وقيادات كثر يرفضون موقف الجماعة الرسمي الرافض لتأييد عبد المنعم أبو الفتوح، كما أعرب المرشح الأخواني نفسه عن ثقته في الحصول على تأييد عدد كبير من شباب وقيادات الجماعة له في الانتخابات، مما قد يقوي مركزه في مواجهة المرشحين الذين يميل العسكريون إلى مساندتهم.

هناك أسئلة مشروعة في هذا الصدد لم تقدم الجماعة عنها أي إجابات عند إعلانها ترشيح خيرت الشاطر. إذا كانت الجماعة قد قررت العدول عن موقفها السابق وخوض انتخابات الرئاسة فلماذا لم تعلن عن تأييدها لأحد كوادرها السابقين وهو الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الذي يحظى بقبول أيضا من العديد من القوى السياسية الأخرى والذي أعرب في مناسبات عدة عن احترامه وتقديره لجماعة الأخوان، بل واعتزازها بانتمائه إليها؟ وإذا كان قرارها في ذلك يرتبط بتوافق ما تتوقعه وتسعى إليه مع قوى سياسية أخرى تنتمي إلى التيار الديني، فلماذا لم يعلنوا تأييدهم للدكتور سليم العوا الذي يحظى بتأييد حزب الوسط، أو الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل الذي يحظى بتأييد واسع من التيار السلفي؟ ألم يكن في ذلك خيارا أفضل بالنسبة لهم بدلا من الدفع بمنافس جديد إلى حلبة الانتخابات الرئاسية والسعي بعد ذلك إلى إقناع بعض القوى الإسلامية مثل حزب النور إلى دعم المرشح الإخواني؟

لم يتضمن قرار الجماعة إجابة على هذه الأسئلة، وكل ما قدمته من مبررات في دفع الشاطر إلى حلبة المنافسة على مقعد الرئاسة لا يتعارض مع تأييد أحد هؤلاء المرشحين الذين ينتمون للتيار الإسلامي، مما قد يوحي بأن الدفع بالمهندس خيرت الشاطر له هدف آخر هو تفتيت أصوات التيار الديني لإتاحة فرصة أكبر للمرشحين الذين يرضى عنهم المجلس العسكري، خاصة أن الجماعة ترغب بالتأكيد في احتواء شبابها وقياداتها الذين يرغبون في التصويت لصالح مرشح إسلامي، وكانت الكفة تميل لصالح عبد المنعم أبو الفتوح في غياب مرشح إخواني آخر. ومما قد يرجح أيضا احتمال وجود هذه الصفقة أن المجلس العسكري ربما يسعى إلى التوفيق بين القوى التي أعلنت انسحابها من الجمعية التأسيسية وبين حزب الحرية والعدالة للخروج من مأزق لجنة صياغة الدستور، أو حتى يتوقف عن الضغط على بعض أعضاء الجمعية من الليبراليين وممثلي بعض الجهات من أجل إعلان انسحابهم منها.

إذا كانت هناك صفقة من هذا النوع، فإن جماعة الإخوان قررت إخراجها على هذه الصورة التي تبدو كأنها معركة ضد المجلس العسكري والحكومة، وبذلك تحاول إعادة تماسكها الداخلي عبر تأييد مرشح ينتمي إلى الجماعة وتجميل صورتها التي جرحت بعد تحالفها الطويل مع العسكريين. وفي هذه الحالة، ربما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.

(3)

محاولة بائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه:

ربما لا يكون القرار انعكاسا لصفقة بين الجماعة وبين المجلس العسكري ولا جزءا من تصعيد الصراع فيما بينهما، بل مناورة من الإخوان لاستعادة التماسك في صفوف الجماعة من ناحية وإنقاذ شعبيتها التي تدهورت خلال الفترة الماضية من ناحية أخرى. والقراءة المتأنية لبيان الجماعة بشأن ترشيح أحد أعضائها في انتخابات الرئاسة يكشف عن سعيها لأن تغسل يديها من جميع الإخفاقات والجرائم التي ارتكبت في حق الشعب المصري خلال الفترة التي أعقبت تنحي الرئيس المخلوع وحتى الآن. حيث يحاول البيان تصوير المعارك التي دارت حول التعديلات الدستورية والمبادئ الحاكمة "والدستور أولا" ونظام الانتخابات وغيرها على أنها معارك مفتعلة هدفها إعاقة تكوين المؤسسات الدستورية والجدول الزمني لانتقال السلطة، متناسية أنها في كل هذه المعارك الوهمية كانت تنحاز إلى موقف المجلس العسكري الذي صنع كل هذه الارتباكات من أجل خلق معارك ثانوية وفق خطته لإجهاض الثورة والالتفاف على مطالبها الحقيقية، وكانت جماعة الإخوان المسلمين أهم القوى المساندة له في ذلك فيما عدا مسألة المبادئ الحاكمة للدستور التي سعى المجلس من خلالها باللعب مع القوى الليبرالية لتحجيم نصيب الجماعة في كعكة السلطة في المرحلة التالية، وكانت هذه هي معركة الجماعة والسلفيين على وجه الخصوص فيما طرح الثوار شعار "الثورة أولا، والفقراء أولا" في مواجهة شعار الليبراليين "الدستور أولا" وشعار الجماعة "الالتزام بخطة المجلس العسكري التي وردت في اسىتفتاء مارس 2011."

وفي نفس البيان، تحدثت الجماعة عن عدم تجاوب السلطة التنفيذية مع مجلس الشعب ومحاولتها صنع الأزمات وتعويق أداء البرلمان وعدم استجابتها لمطالب الشعب التي قامت من أجلها الثورة، في محاولة جديدة لتبرئة الجماعة وحزبها من الجرائم التي ارتكبت في حق هذا الشعب، ناسية أن الجماعة أدانت رسميا في أكثر من مرة خروج الشعب في مظاهرات واحتجاجات واسعة لرفض تلك الحكومة بمجرد الإعلان عن تكليفها من قبل المجلس العسكري وكانت جماعة الأخوان وحزبها تؤيدها وتعضدتها بل وتمتدحها أحيانا مع النواب المنتمين إلى حزب النور في البرلمان.

ويستمر البيان في محاولة تبرئة الجماعة من أوزار الفترة الانتقالية وكأنها لم تكتشف إلا الآن أن السلطة التنفيذية المتمثلة في المجلس العسكري وحكوماته المتعاقبة إنما كانت تسعى منذ البداية إلى إجهاض الثورة والالتفاف عليها، وأننا "وصلنا إلى ما يمكن أن يعد إهدارا لمقدرات البلاد ويضاعف من خطورة عدم الاستقرار، الذي تمثل في الانفلات الأمني والأزمات الاقتصادية والمعيشية المفتعلة، الخ."  

هكذا تعود الجماعة مرة أخرى لترتدي قناع النضال وتزعم في بيانها الذي جاء متأخرا دهرا أنه "أصبح الاستمرار في هذا الأمر والسكوت عنه في رأي الأخوان تقصيرا وخطيئة في حق الوطن وتضييعا للأمانة التي حملهم إياها الشعب الذي انتخبهم بإرادته الحرة، تسأل عنها أمام الله ثم أمام الشعب والتاريخ." هل تذكرون شيئا بهذا المعنى في شعارات شباب الثورة في الميادين وعلى صفحات التواصل الاجتماعي كان موجها ضد جماعة الإخوان المسلمين بسبب تحالفهم مع العسكريين على تعليب الثورة داخل أروقة برلمان منزوع الصلاحيات وبسبب تأييدهم لحكومات تكونت من فلول نظام مبارك وبسبب إدانتهم لمظاهرات واحتجاجات العمال واتهامهم للمتظاهرين بأنهم معادون للثورة ومأجورون ومخربون؟! هل لم يكتشف الأخوان إلا اليوم مسألة الدفع بمرشح رئاسي أو أكثر من بقايا نظام مبارك ودعمهم من فلول الحزب المنحل وأعداء الثورة لمحاولة إنتاج النظام السابق مرة أخرى؟ ألم يكتشف الإخوان بعد أن النظام مازال قائما وأنه لم يصبح نظاما "سابقا" بعد؟ وهم أصحاب المقولة الزائفة "الثورة على الثورة" في محاولتهم تشويه ما دعا إليه الشباب بجمعة "ثورة الغضب الثانية"، ورغم ذلك مازالوا يتحدثون في بيانهم بأن مجلسي الشعب والشورى هما الإنجاز الأهم للثورة الذي تم حتى وقتنا هذا. برلمان بلا صلاحيات هو الإنجاز الأهم للثورة من وجهة نظرهم القاصرة، وهو لا يعدو في الحقيقة إلا أن يكون إنجازا للإخوان يحاولون ببيانهم الهزيل ألا يدفعوا تكلفة كونه كذلك محاولة لتعليب الثورة وسحب الشرعية من الميادين.

نعم قد يكون قرار الإخوان المسلمين بطرح خيرت الشاطر مرشحا للرئاسة مصحوبا بهذا البيان وتلك المبررات محاولة لاستعادة تماسكها وغسيل يديها من جرائم محاولات إجهاض الثورة، وإخفاقها وفشلها في الوفاء بعهودها للجماهير التي انتخبت أعضاءها. لكنها محاولة بائسة ومتأخرة لأن مواقف الجماعة ودعمها لسيناريو وإجراءات إجهاض الثورة سجلت بدماء الثوار في الميادين وبدفاع الأخوان المستميت عن رموز الثورة المضادة الذين قادوا البلاد إلى هذا المنعطف.

(4)

نقطة اللاعودة:

لقد وصلت جماعة الإخوان في موقفها المعادي لثورة الميادين والمصانع إلى نقطة اللاعودة، ولم يعد بإمكانها إلا أن تستمر في مناوراتها وتفاهماتها مع المجلس العسكري حول اقتسام كعكة السلطة. أما الثورة فما زال أمامها الكثير حتى تطرح نفسها بقوة على ساحة الصراع، وهي تمر حاليا بمراحل من المد والجزر، وتتعرض للقمع تارة وللاحتواء تارة أخرى، لكنها بالتأكيد مازالت في مراحل بناء القوة، وأملنا جميعا في استمرارها حتى تقتص لدماء شهدائها وتحقق أهدافها، وآنذاك لن يكون لأخوان ولا عسكر مكان عندما تنتصر إرادة الثوار.

الاثنين، 6 فبراير 2012

قطار الثورة يفضح أعداءها تحت القبة


رمضان متولي

يتحرك قطار الثورة سريعا متعجلا، بقوة دفع لا يستطيع مواكبتها إلا الثوار الحقيقيون، أصحاب المبادئ الثورية من المخلصين الذين يعدون أنفسهم للتضحية والفداء حتى بحياتهم من أجل انتصار الثورة.

يتحرك قطار الثورة ويفرز الانتهازيين الذين يركبون موجتها ويعتلون صهوتها بخطاب زائف سواء كان خطابا دينيا يستخدمه أصحابه للترويج لأنفسهم وخداع البسطاء ممن يحلمون بالعدالة والنزاهة والحياة الكريمة، أو بخطاب أمني صاخب يخفي وراءه مصالح طبقة انتهازية تريد استمرار نظام القمع والفساد الذي استفادت منه عبر عقود، بل تريد أن تتربع عليه وتحل محل رموزه السابقين الساقطين.

وبينما يخوض الثوار معاركهم دفاعا عن حقوقهم وعن أنفسهم في مواجهة من تربصوا بهم وقتلوهم غيلة وغدرا، وتعرضوا لهم بالأكاذيب والتشويه مع تهديد ووعيد وانتقام حين تسنح الفرصة، يقف هؤلاء الانتهازيون والفاشيون الذين تسلقوا قطار الثورة حتى وصل بهم إلى محطة البرلمان من التيار الديني وآخرين لإهانة الثوار والمتظاهرين ووصمهم بتهمة البلطجة، بل وبلغ الاتهام حدا وقحا عندما اتهم أحدهم الثوار بالعمالة "لأمريكا" وهو يدافع عن نظام غارق حتى الآذان في التبعية والعمالة لأمريكا!

هؤلاء الانتهازيون والفاشيون يحاولون تضليل الرأي العام بشأن موقفهم الحقيقي، ويحاولون دفع الجماهير لكراهية الثورة وتحريضهم على الثوار، بل وتحريض أجهزة الأمن وتشجيعها على مواصلة ارتكاب الجرائم ضد الثوار والمتظاهرين بدعوى الدفاع عن وزارة الداخلية وعن مؤسسات الدولة. يفعلون ذلك وهم يعرفون حق المعرفة أن قوة أساسية من قوى الثورة المضادة مازالت تسيطر على مفاصل جهاز الشرطة ووزارة الداخلية، وأن هذا الجهاز يكره الثورة ويتربص بالشعب المصري للانتقام منه ومعاقبة ثواره الذين انتصروا عليه في معركة الثورة الأولى. ولا نحتاج دليلا على ذلك أكثر من تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها هذا البرلمان نفسه للكشف عما جرى في مجزرة بورسعيد الدنيئة وأكد قيام عناصر من جهاز الشرطة ووزارة الداخلية بالمشاركة في المؤامرة بالفعل أو بالتواطؤ، ومازالت التحقيقات تجرى مع قياداتها في هذا الشأن.

ومع ذلك مازال هؤلاء الذين يزعمون الحديث بلسان الشعب يصرون على الوقوف بجانب القوى المعادية للثورة في أجهزة الدولة، وعلى رأسها المجلس العسكري بعد أن أصبحوا ذراعه داخل البرلمان. ويتلهفون على حصد ثمار تغيير لم يزرعوه ولم تنضج ثماره بعد حتى يسمن من يريد منهم ولا أقول حتى يسد رمق الجائعين للخبز والحرية، لأنهم أثبتوا أنهم لا يعبأون بحاجة الجوعى إلى الخبز ولا حاجة المقموعين والمستعبدين إلى الحرية قدر اهتمامهم بمكاسب هزيلة حصلوا عليها عبر امتطاء صهوة الثورة في غفلة من الزمن.

لكن خيول الثورة من أنصار الحرية للمقهورين والخبز للجياع والعدالة للمستغلين والمهمشين تسير في طريقها بكل حيوية الشباب وعنفوان الأمل في قلوبهم الغضة، تنفض عن كاهلها العفي عقود القهر والإذلال والظلم والجوع والتهميش. ولن يستطيع هؤلاء المتسلقون والمتلهفون على المغانم أن يقفوا عقبة في طريق قطار الثورة الجامح، ولعل مواقفهم المخزية، وعجزهم عن تقديم البدائل الحقيقية لنظام شاخ وتعفن، أن تكشفهم أمام فقراء شعبنا في الأحياء الفقيرة المهملة وفي أعماق القرى التي ترزح تحت أطنان الإهمال والبؤس، فيعرفون من خدعوهم بالدجل وتاجروا بأرواحهم المعذبة وإيمانهم ورغبتهم في الاستقرار حتى يتربعوا على مقاعدهم الوثيرة في أروقة مجلس الشعب منزوع القوة والصلاحية للمساومة على مستقبل الثورة وتطلعات الشعب.

تشدق هؤلاء الراقصون على دماء الشهداء وآلام الجرحى بقول زائف حول تطبيق القانون، متناسين عمدا أن قوانين هذا النظام القمعية قام على صياغتها وطبخها نظام ساقط وفاسد وحقير تمت مواجهته بأكبر وأعظم فعل لا يقره أي قانون في العالم هو "الثورة" التي لا يستطيع هؤلاء "النواب" أن يتحدثوا بلسانها ولا أن يعبروا عن إرادتها ولا أن يتحملوا كلفتها، بل ويرغبون أن يقفوا عقبة في سبيل استمرارها حتى انتصارها وتحقيق أهدافها.

لا ينطبق ذلك طبعا على كل أعضاء البرلمان، الذين أسموه زورا "برلمان الثورة"، فمن بينهم من يؤيد الثورة عند حدود الإصلاح، وهو تناقض وضعوا أنفسهم فيه ولا يعرفون سبيلا إلى حله، ومن بينهم من يحاولون أن يسبغوا عليها طابع الانتفاضة الملونة ذات الزهور والأوشحة حتى تقف عند حدود تغيير الطبقة السياسية دون أن تقترب من أعماق المجتمع الذي تعاني أغلبيته من الجوع والأمراض والظلم والاستغلال.

قطار الثورة لن يرحم من يقف عقبة في سبيل بلوغه محطة النهاية، ولن يعبأ بمن يترددون بين اللحاق بالثورة أو الوقوف عند محاولة إصلاح لا يملكون مقوماته ولا القدرة على إنفاذه، وسوف ينفض هذا القطار عن نفسه جميع الألوان الزائفة والأوشحة التافهة حتى تكتمل الثورة وتحقق أهدافها في عدالة اجتماعية مفقودة بسبب انحياز النظام الفاسد لطبقة رجال الأعمال وسياسات السوق المتوحشة وإرث الفساد السرطاني، وفي حرية وديمقراطية حقيقية تقوم على المساواة وحق التعبير والتنظيم والتظاهر والإضراب دون تزييف ولا التفاف عبر قوانين فاسدة صيغت على طريقة فتحي سرور، وفي كرامة إنسانية في مواجهة مؤسسات قمعية أهانت الإنسان المصري وأذلته وانتهكت جسده وعرضه، بل وأهدرت حقه في الحياة غدرا وغيلة.

سوف يسير هذا القطار حتى يستكمل مشواره رغم أنف الانتهازيين والفاشيين ومن يروجون الأكاذيب لتشويه الثورة وتجريمها باسم الثورة وباسم الشعب. وعلى من لعبت برؤوسهم أوهام الإصلاح من داخل البرلمان أن يراجعوا أنفسهم وأن يتدبروا أمرهم، إما أن يلحقوا بقطار الثورة ويتمسكوا بأهدافها ويتترسوا بأخلاقها ومبادئها، أو يفقدوا ما تبقى لهم من مصداقية عند من أعطوا لهم أصواتهم في صناديق الانتخاب، فالشرعية الحقيقية ليست لبرلمان عاجز حتى عن مساءلة الحكومة في زمن الثورة، بل الشرعية للميادين التي أسقطت بقدرتها وتضحيات أبنائها رأس النظام وبعض رموزه ومازالت أمامها مهمة اسقاط النظام واستكمال الثورة.  

الأربعاء، 28 ديسمبر 2011

الثورة المصرية وخطر الفاشية


خرجت رموز الجماعة الإسلامية والسلفيين مؤخرا بتصريحات كشفت عن دورهم الحقيقي والمنتظر في الثورة المصرية التي مازالت حلقاتها تدور منذ انطلاقها في 25 يناير الماضي. فوراء العبارات المنافقة والجوفاء التي امتدحوا بها ثورة 25 يناير التي أخرجتهم من السجون وسمحت لهم بحرية الحركة والتنظيم السياسي، كانت أحزابهم وتنظيماتهم تقف دائما في مواجهة أي تحرك جماهيري يسعى إلى استكمال الثورة وإلى مقاومة خطط المجلس العسكري التي ترمي إلى إجهاضها وترميم نظام مبارك بإدانات صريحة لهذه التحركات جاءت على ألسنة رموزهم مثل عاصم عبد الماجد أو عبد المنعم الشحات والتي تواكبت مع ميل جماعة الأخوان المسلمين التاريخي إلى الانتهازية السياسية والبحث عن نصيب في كعكة السلطة وخوفها من استمرار الحركة الثورية حتى لا تهدد مصالح قياداتها الاقتصادية والسياسية. ثم جاءت التصريحات الأخيرة لعاصم عبد الماجد وصفوت عبد الغني التي هاجما فيها حركة الاشتراكيين الثوريين وحاولا التحريض ضدها مستغلين في ذلك تصريحات لسامح نجيب، أحد قيادات الحركة، أكد فيها على ضرورة إسقاط دولة مبارك وبناء دولة جديدة تنحاز لقيم العدالة الاجتماعية والديمقراطية وكرامة الإنسان، لتؤكد الجماعة الإسلامية والتيار الديني السلفي عموما على أنهما جماعتان فاشيتان مستعدتان للتعاون مع العسكريين في الانقضاض على الثورة وضرب الحركة الجماهيرية عبر الهجوم على مناضلين شاركوا فيها وآمنوا بفكرة الثورة منذ عشرات السنين. ثم جاءت المبادرة في الهجوم المباشر على حركة الاشتراكيين الثوريين من قيادي أخواني هو المحامي جمال تاج الدين الذي تقدم ببلاغ للنائب العام أحيل إلى نيابة أمن الدولة ضد سامح نجيب واثنين غيره من خارج الحركة يتهمهم فيه بمحاولة إسقاط الدولة وتخريب مصر، قبل أن يقوم بسحب البلاغ في اليوم التالي!

تواكب ذلك مع حملة أعلامية منظمة عبر قنوات تلفزيونية وصحف خاصة ورسمية تتحدث عن مؤامرة لإسقاط الدولة وأيادي خارجية وداخلية عابثة وغيرها لتشويه الثورة المصرية وإخافة الجماهير بل وتحريضهم عليها وعلى الثوار، ثم خروج مظاهرات في ميادين روكسي والعباسية لتأييد الحكم العسكري والتحريض ضد ثوار "ميدان التحرير". لم تتطور هذه المبادرات إلى أعمال عنيفة ضد الثورة والثوار لأن الفاشية مازالت في مرحلة جنينية، غير أن مخاطر هذا التطور قائمة بسبب حالة الانسداد السياسي التي تواجه الثورة ومخاطر تعميق الأزمة الاقتصادية التي يرجع السبب الرئيسي ورائها إلى سيثطرة المجلس العسكري على مقادير البلاد.

الفاشية ومناورات إجهاض الثورة

ويعلمنا تاريخ الثورات أن الفاشية هي إحدى البدائل التي تلجأ إليها الثورة المضادة إذا فشلت قيادات النظام في إجهاض الثورة بوسائل أقل عنفا، سواء عن طريق الاحتواء أو الانقلاب العسكري. وتلجأ قيادات النظام في هذه الحالة إلى تشجيع حركات جماهيرية تنتمي إلى الطبقة الوسطى والمهمشين واستخدام هذه الحركات في مواجهة الثورة والثوار تحت ذريعة تحقيق الاستقرار ومواجهة مخاطر الفوضى والخروج من الأزمة الاقتصادية والسياسية. وقد بلغت ذروة العنف الذي مارسته الفاشية في صعود هتلر إلى السلطة في ألمانيا في أوائل القرن الماضي واستثارة عواطف الجماهير بخطاب ديماجوجي ضد الثورة وممارسة العنف المنهجي الذي وصل إلى إحراق ملايين اليهود الألمان في أفران الغاز. ولا يجب أن ننسى في هذا السياق تصريحات اللواء عبد المنعم كاطو، مستشار الشئون المعنوية بالقوات المسلحة، التي قال فيها إن المتظاهرين مخربين يجب إحراقهم في أفران هتلر!

الخطاب الديماجوجي الذي استخدمه هتلر كان قوميا عنصريا (شوفينية العنصر الآري)، والخطاب الديماجوجي الذي يستخدمه قيادات الحركات الإسلامية حاليا خطاب ديني عنصري أيضا، لكن جوهرهما واحد رغم هذا الاختلاف، فهذا النوع من الخطاب لا يستند إلى الحجة المنطقية والإقناع المنهجي وإنما يعتمد على استثارة العواطف القومية أو الدينية واستغلال مشاعر الخوف من المجهول والرغبة في الاستقرار والأمان من أجل دفع الجماهير إلى استخدام العنف ضد الثورة والثوار بدعوى أنهم السبب في الأزمة الاقتصادية والسياسية بهدف إجهاض الثورة وهزيمتها وتحطيم آمال الثوريين في تحقيق أهدافها لتسهيل إقامة ديكتاتورية عسكرية وبوليسية تحرس ما تبقى من النظام وترمم أركانه. ولا يتناقض ذلك مع إجراء انتخابات برلمانية لتكوين برلمان ضعيف أو بلا صلاحيات، فقد وصل هتلر نفسه إلى السلطة في ألمانيا عبر صندوق الانتخابات ثم انقض على الديمقراطية ومارس أشرس ألوان العنف ضد الثورة والثوار وضد المجتمع الألماني ككل.  

بوادر الفاشية في مصر ومناورة المجلس العسكري

بدأت الفاشية في مصر تطل برأسها في نفس الوقت الذي بدأت فيه مناوارات المجلس العسكري التي ترمي إلى إجهاض الثورة. وقد ظهرت بوادرها في الخطاب الذي استخدمه الإسلاميون عند الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مارس الماضي عندما قاموا بحشد الجماهير للموافقة على هذه التعديلات بخطاب ديني وتحت دعوى أن المادة الثانية في الدستور التي تتحدث عن مبادئ الشريعة الإسلامية مهددة بالإلغاء رغم أنها لم تكن ضمن المواد المطروحة للاستفتاء. ثم استغلال حاجة الجماهير إلى تحقيق الاستقرار والأمان بعد أيام الثورة الأولى في ترويج خطاب زائف بأن الاستفتاء على التعديلات الدستورية يوفر ممرا آمنا نحو الاستقرار وآلية سريعة لانتقال السلطة إلى مؤسسات مدنية، وهو الأمر الذي اتضح زيفه بعد ذلك حيث كانت التعديلات تقضي بتسليم المجلس العسكري للسلطة في فترة أقصاها ستة أشهر ومر عام كامل حتى الآن ومازال المجلس العسكري قابضا على السلطة التشريعية والتنفيذية في البلاد.

 وكان الاستفتاء نفسه مناورة من مناورات المجلس العسكري لتحقيق ثلاثة أهداف: أولا، إحداث الشقاق بين التيارات السياسية وبناء جدار من عدم الثقة بينها وبين الحركة الجماهيرية وعزل القوى الثورية عن ترتيبات العملية السياسية عن طريق صندوق الانتخابات أملا في إحباط حركة الجماهير وإضعافها من جانب وإشاعة الخوف بين التيارات والقوى السياسية والاجتماعية من جانب آخر حتى يقبل الجميع وصايته على تنظيم المرحلة الانتقالية وإدارتها.  وثانيا، إظهار تأثير التيارات الدينية على الجماهير لإثارة مخاوف الليبراليين والأقباط وحلفاء النظام في الخارج لدفعهم إلى تأييد المجلس العسكري خوفا من هيمنة الإسلاميين على السلطة في مصر بينما يستخدم المجلس نفسه هذه القوى في مواجهة الأخرى من ناحية ويتجنب أي ضغوط من جانب حلفاء النظام في الخارج لتحقيق إصلاحات ديمقراطية شكلية لاستيعاب الثورة مع إبقاء جوهر النظام الموالي للامبريالية العالمية دون تغيير، وذلك كله بهدف الحفاظ على مصالحه وسلطته وإعادة إنتاج الديكتاتورية العسكرية البوليسية في مصر. وثالثا، تشجيع معركة جانبية حول "الانتخابات أولا" أم "الدستور أولا" لتغييب القوى الثورية ودفعها بعيدا عن المعركة الرئيسية للثورة والتي تمثلت في تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة والحرية. وقد نجحت هذه المناورة جزئيا في تحقيق الهدفين الأول والثاني، ولكنها فشلت في تغييب القوى الثورية عن معركتها الحقيقية بعد أن طرحت هذه القوى شعار "الثورة أولا" و"الفقراء أولا" ولم تنجرف في المعركة الوهمية التي انشغل بها الإسلاميون والليبراليون حول الانتخابات والدستور.

وبينما كان المجلس العسكري يواصل دوره في ترتيبات السلطة، ويصنع معارك وهمية جديدة للقوى السياسية حول قانون الأحزاب السياسية، وقانون الانتخابات البرلمانية والقائمة النسبية والفردي، واستخدام فزاعات الانفلات الأمني لمحاولة تبرير إعادة بناء الشرطة وعدم اتخاذ أي إجراءات نحو إصلاحها، واستخدام فزاعات الانهيار الاقتصادي لشيطنة الإضرابات العمالية ومظاهرات المعلمين والأطباء وغيرهم والالتفاف على مطالبهم، كانت الثورة تواصل معاركها، ويتظاهر الملايين في الميادين المختلفة للمطالبة بحل الحكومات التي ينتمي وزراؤها إلى نظام مبارك وحزبه، وحقوق الشهداء والمصابين في الثورة، والإفراج عن المعتقلين والسجناء من الثوار الذين حاكمهم الضباط أمام محاكم عسكرية، وقانون للعزل السياسي لأعضاء الحزب الوطني، ومحاكمة مبارك ورجاله وقيادات الداخلية والفاسدين في نظامه، وعزل القيادات الفاسدة في الجامعات والشركات والبنوك، وحل جهاز أمن الدولة ومحاكمة ضباطه، ومحاكمة الضباط الذين تورطوا في قتل وإصابة وتعذيب المتظاهرين، وحل المحليات وعزل المحافظين وتطهير أجهزة الدولة، واستصدار أحكام قضائية بحل الحزب الوطني والمحليات واتحاد النقابات العمالية الرسمي، وأحكام أخرى باسترداد الشركات العامة التي تمت خصخصتها عبر علاقات الفساد، والمطالبة بالحد الأدنى والحد الأقصى للأجور، وتحديد جدول زمني واضح ومحدد لانتقال السلطة إلى مؤسسات مدنية،  الخ الخ.

استجاب المجلس العسكري لبعض هذه المطالب في محاولة احتواء للثورة، وفي كل مرة يستجيب فيها كان يجري ذلك بعد تكلفة باهظة يتحملها الثوار من التشويه والقمع، وفي كل مرة كان يستجيب لمطلب أو اثنين ويلتف على المطالب الأخرى، ويحدث ذلك دائما قبيل تنظيم مظاهرة مليونية للضغط من أجل تحقيق مطالب الثورة. وفي كل مرة كان يسقط شهداء ومصابون أو يعتقل بعض المتظاهرين ويزج بهم إلى القضاء العسكري تحت التهمة الجاهزة والغامضة: "بلطجي".

وبينما كانت الجماهير تخوض كل هذه المعارك وتحقق بعض المكاسب للثورة وتخفق في تحقيق بعضها، كان الإسلاميون يرفضون النزول إلى الميادين ويطالبون الجماهير بالتريث والصبر إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية! وبدأ خطابهم يتبدل تدريجيا من مساندة المطالب المشروعة للمتظاهرين والمضربين إلى تأييد المجلس العسكري باعتباره حامي الثورة وراعي عملية انتقال السلطة! وارتبط موقف الإسلاميين في ذلك بصفقة عقدوها مع المجلس العسكري في رأي العديد من المتابعين منذ تعيين لجنة التعديلات الدستورية برئاسة المستشار طارق البشري المعروف بميوله الإسلامية، وعضوية المحامي الأخواني صبحي صالح فيها. وبغض النظر عن حقيقة الصفقة من عدمها، كان الإسلاميون يتجنبون أي صدام أو اعتراض على سياسة المجلس العسكري بعد ادراكهم أن تيار الإسلام السياسي سوف يحقق فوزا كبيرا في الانتخابات البرلمانية وأن دخولهم في صدام مع العسكريين قد يهدد تنظيم هذه الانتخابات من الأساس ويهدد وصولهم إلى مقاعد المجلس التشريعي. حتى عندما قام المجلس العسكري بقمع مظاهرات الأقباط والمساندين لهم من المسلمين في أحداث ماسبيرو في سبتمبر الماضي، لم يتخذ الأخوان المسلمون ولا التيار الإسلامي موقفا مؤيدا للمظاهرات بل أدانوا المتظاهرين في تواطؤ مكشوف مع المجلس العسكري في استخدام العنف الشديد ضدهم. وكانت مظاهرات ماسبيرو قد خرجت تنديدا بهدم الكنائس وحرقها واستخدام العنف ضد المعتصمين في أحداث كنيسة الماريناب في أسوان وعدم تقديم مرتكبي الجرائم الطائفية ضد الأقباط للمحاكمة، وخلال قمع الجيش لمظاهرات ماسبيرو سقط شهداء كثيرون برصاص الجيش وبعض البلطجية وتحت عجلات المدرعات واعتقل المجلس العسكري العشرات منهم، واستخدم التلفزيون الرسمي تحريضا طائفيا ضد المتظاهرين. وكان موقف الإسلاميين في هذه المجزرة تكرارا لموقفهم من قمع مظاهرة العباسية التي استخدم فيها عددا كبيرا من "البلطجية" في الهجوم على المتظاهرين وفض المسيرة التي كانت تعتزم الوصول إلى وزارة الدفاع والاعتصام أمامها. حيث أدان الإسلاميون هذه المسيرة وساندوا المجلس العسكري في قمعها.

وثيقة السلمي و (جمعة قندهار)

لم يظهر الشقاق بين الإسلاميين والمجلس العسكري رغم كل المعارك التي  كان يخوضها الثوار في الميادين لتحقيق المطالب سابقة الذكر إلا عندما بدأ العسكريون تطبيق الخطوة الثانية من خطة إجهاض الثورة، وهي استخدام القوى الليبرالية في مواجهة الإسلاميين لترتيب الجمعية التأسيسية لوضع الدستور المقبل بما يضمن هيمنة العسكريين على الدستور وعلى المؤسسات المدنية. بدأ الليبراليون يتخوفون من هيمنة الإسلاميين على البرلمان وبالتالي على تشكيل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور وبدأت المعركة حول مدنية الدولة، وكان المجلس العسكري قد اكتشف أن استيعاب الإسلاميين ومغازلتهم لم يمنع خروج المظاهرات والإضرابات ضده فبدأ بعض قياداته يتحدثون عن أن التيار الإسلامي ليس له مكانة خاصة عند المجلس العسكري، ثم دفع في اتجاه وضع وثيقة المبادئ الحاكمة للدستور القادم بمساندة الليبراليين.

كان الأخوان المسلمون قد حاولوا استيعاب مخاوف الليبراليين بالتأكيد على أنهم مع مدنية الدولة، ومسارعتهم إلى تكوين تحالف ناقش فكرة مبادئ استرشادية لوضع الدستور، وقدموا وثيقة بهذه المبادئ إلى المجلس العسكري. لكن الوثيقة التي قدمها على السلمي، نائب رئيس الوزراء آنذاك، تضمنت بنودا أخرى تعطي المجلس الأعلى سلطات أعلى من سلطات البرلمان المنتخب وتضع شروطا على تشكيل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور وتعطي للمجلس العسكري حق الاعتراض على بنوده والمطالبة بتعديلها وحق حل الجمعية نفسها وتشكيل جمعية أخرى إذا أخفقت في الاتفاق على مواد الدستور خلال فترة معينة.

هنا بدأ التيار الإسلامي يشعر بالخطر وبأن البساط يسحب من تحت قدميه وبأن المكاسب التي كانوا يتوقعونها بالهيمنة على البرلمان ومن ثم الهيمنة على تشكيل الجمعية التأسيسية والدستور مهددة فخرجوا في مظاهرة مليونية فيما عرف إعلاميا بجمعة قندهار، هيمن عليها الخطاب الإسلامي المتشدد ورفعت خلالها أعلام السعودية وشعارات إسلامية إسلامية، وكأنهم يستعرضون قوتهم في مواجهة المجلس العسكري والليبراليين. وكانت هذه هي المظاهرة الوحيدة التي خرج فيها التيار الإسلامي في مواجهة المجلس العسكري منذ تشكيل لجنة التعديلات الدستورية والاستفتاء عليها في مارس الماضي. وبعدها ترك الإسلاميون الميدان ولم يعودوا إليه استعدادا للانتخابات. ومع ذلك استمرت تصريحات بعض قيادات المجلس العسكري بأن البرلمان المقبل سيكون برلمانا بلا صلاحيات وإن كانوا تراجعوا عن إلزامية وثيقة السلمي وأكدوا على أن مبادئها استرشادية فقط. ولم تعزل حكومة عصام شرف الثانية ومن بينها الدكتور على السلمي إلا بعد المواجهات العنيفة التي شهدها شارع محمد محمود بعد محاولة الشرطة فض اعتصام أسر الشهداء بالقوة وانتهى الأمر إلى مواجهات استمرت عدة أيام وأقيلت حكومة شرف الثانية على أثرها.

معركة مجلس الوزراء والتصعيد الفاشي

حتى وقت قريب كان هجوم الفاشية مقتصرا على الخطاب الناعم إلا في حالتي مسيرة العباسية وأحداث ماسبيرو، وحتى في هاتين الحالتين لم يبلغ الإسلاميون حد التحريض على المتظاهرين وعلى الثوار مكتفين بتأييد قمع المجلس العسكري لهم أو التماس العذر له في ممارسة القمع. وكان الخطاب التحريضي مقصورا على بضع مئات من جماعة "آسفين ياريس" أو ما عرف بعد ذلك باسم "ائتلاف الأغلبية الصامتة" الذين نظموا مظاهرات صغيرة في ميدان العباسية وروكسي للتحريض على "ثوار ميدان التحرير"، بالإضافة إلى قنوات التلفزيون الرسمي وبعض قنوات القطاع الخاص التي كانت تبث الخوف بين الجماهير حول أداء الاقتصاد والانفلات الأمني وتحاول أن تنسب ذلك كله إلى المظاهرات والاعتصامات والإضرابات بوجه عام، أي ضد وسائل الفعل الثوري التي تلجأ إليها الجماهير للمطالبة بحقوقها وباستكمال الثورة. إلى أن انتهت معركة شارع محمد محمود وجاءت معركة اعتصام مجلس الوزراء.

وضعت معركة محمد محمود أوزارها مخلفة مايقرب من خمسين شهيدا ومئات الجرحى خلال عدة أيام من المواجهات انتهت إلى إقالة حكومة عصام شرف الثانية وبيان من المجلس العسكري أعاد فيه نبرة التحذير من مخططات ومؤامرات خارجية وداخلية تهدف إلى إسقاط الدولة وأصر على بقاء العسكريين في السلطة وتكليف الدكتور كمال الجنزوري برئاسة الوزراة. كان تكليف الجنزوري بتشكيل الوزارة صدمة أخرى للثوار دفعتهم إلى الاعتصام أمام مجلس الوزراء لمنع وزارته من دخول المبنى والاحتجاج على استمرار تجاهل مطالب الثورة من قبل المجلس العسكري وإصراره على استكمال خطة إجهاض الثورة واسترداد نظام مبارك بمؤسساته ورموزه أيضا. في نفس الوقت كان المجلس العسكري يعد مرة أخرى للهجوم على المعتصمين وذلك بعد حملة تشويه وتخويف للجماهير من استمرار الاعتصامات وتأثيرها على الاقتصاد والأمن. وتفجرت أحداث مجلس الوزراء كما يعرف الجميع بعد اختطاف "عبودي"، أحد شباب الألتراس المشاركين في الثورة، وتعذيبه تعذيبا قاسيا كاد يقضي عليه قبل إطلاق سراحه وإرساله إلى المستشفى في حالة إعياء شديد.

هاجمت الشرطة العسكرية وقوات تأمين المبنى المعتصمين بكل الوسائل، الحجارة والمولوتوف والرصاص الحي والخرطوش والعصي وخلافه من أجل فض الاعتصام وتفريق المتظاهرين، وانضمت قوات من الأمن المركزي من شارع الشيخ ريحان مدعومة بأفراد يرتدون ملابس مدنية للهجوم على المعتصمين. وانتهت المعارك إلى استشهاد 18 من المعتصمين، وارتكبت خلالها انتهاكات جسيمة في حق السيدات وأصيب مئات من المعتصمين. وظهر التشدد في خطاب المجلس العسكري وميله نحو الهجوم على الثورة والثوار خلال مؤتمر عقده المجلس وعرض خلاله فيديو تعرض للمونتاج يزعم أن الثوار مجموعة من البلطجية المأجورين أرادوا حرق المباني الحكومية، ولم يتعرض لحقيقة أن أفرادا من الجيش كانوا يعتلون مبان حكومية ويقذفون المتظاهرين من فوقها بالحجارة والمولوتوف والزجاج، وطبعا أنكر إنكارا تاما استخدام قوات الجيش للرصاص ضد المعتصمين والمتظاهرين.

وتزامنا مع ذلك بدأت حملة تصعيد فاشية انتقلت من مجرد الخطاب الإعلامي الهادف إلى تشويه الثورة والثوار إلى التحرك لمنع اعتصام النواب الذين فازوا في انتخابات مجلس الشعب في المرحلتين الأولى والثانية في دار القضاء العالي ضد العنف الذي مارسته الشرطة العسكرية، حيث اتجه العشرات من المتظاهرين يؤيدون المجلس العسكري إلى دار القضاء العالي لمنع الاعتصام، مما دفع النواب إلى الاتجاه إلى مقر نقابة الصحفيين للاعتصام به. عقب ذلك مباشرة تم تنظيم مظاهرة أكبر نسبيا في ميدان العباسية لتأييد المجلس العسكري في مواجهة متظاهري ميدان التحرير، تزامنت مع خروج العديد من المتظاهرين فيما عرف بجمعة رد الشرف تضمنت مسيرة نسائية احتجاجا على إهانة جنود وضباط الجيش للنساء المعتصمات وتعرية إحداهن أثناء محاولة فض الاعتصام وتعذيب واختطاف أخريات. اللافت أن المظاهرة التي اتجهت إلى دار القضاء العالي تحدث فيها البعض عن رفضهم للديمقراطية ومطالبة المجلس العسكري بإعلان الأحكام العرفية! وفي مظاهرة العباسية كان المتظاهرون يطالبون بمنع المظاهرات والاعتصامات في ميدان التحرير وأيدوا المجلس العسكري في فضها.

فيديو إسقاط الدولة والنفاق الإعلامي

تزامنا مع ذلك، انتشر فيديو على موقع الفيسبوك تضمن جزءا من ندوة عقدها مركز الدراسات الاشتراكية ليبرز تصريحات القيادي في حركة الاشتراكيين الثوريين حول إسقاط الدولة مجتزءا هذه التصريحات من سياقها لتبدأ حملة تشهير واسعة النطاق وتحريض فاشي على شباب انخرطوا في النضال منذ عقود ضد الديكتاتورية والفساد والاستغلال والإهمال والقمع والتفريط في أموال الشعب المصري. وخرجت حملة إعلامية عبر قنوات تلفزيون الدولة وقنوات خاصة وكذلك جرائد رسمية وخاصة للحديث عن مؤامرة تخريبية وتفزيع المجتمع من أفكار وآراء الاشتراكيين الثوريين وكأن مسألة هدم دولة الفساد والاستبداد والإهمال والقمع والاستغلال وبناء دولة العدل والمساواة والحرية والكفاءة ليست ضرورة أساسية حتى تنتصر الثورة المصرية! وكأن المصريين لا يطالبون بتطهير وزارة مثل وزارة الداخلية وإعادة هيكلتها وتغيير سياساتها ووضعها تحت رقابة شعبية وقضائية مستمرة حتى تعمل علىى حماية المجتمع ومصالح الناس بدلا من حماية الديكتاتورية والفساد، وكأن الثورة يمكن أن تحقق أهدافها في العدل والحرية والمساواة دون تطهير وتغيير وإعادة هيكلة ورقابة شعبية على جميع مؤسسات الدولة التي ورثناها فاسدة مستبدة مهملة ومستغلة وقمعية عن نظام مبارك.

 إن الثورة لا تنتصر إلا إذا أقامت دولتها وأسقطت دولة أعدائها، إلا إذا أنشأت مؤسسات بديلة للرقابة والإدارة وطهرت المؤسسات القائمة على الفساد والإهمال والقهر، وهذه المهمة جزء لا يتجزأ من الثورة. ويكفي دليلا على ذلك رفض مؤسسات الدولة استرداد الشركات العامة التي صدرت أحكام قضائية بردها إلى المال العام بعدما تبين حجم الفساد الصارخ في خصخصتها، لتثبت الدولة أنها غير أمينة على المال العام ولا على مصالح الشعب المصري. ويكفي دليلا على ذلك أيضا رفض المجلس العسكري جميع الخطط والاقتراحات التي قدمت من أجل إعادة هيكلة وزارة الداخلية وتطهيرها ووضعها تحت رقابة شعبية وقضائية صارمة لتحويل جهاز الشرطة إلى جهاز يخدم الشعب لا جهاز يقمعه. ويكفي دليلا على ذلك مانشهده من محاكمات هزلية لرموز النظام الذي قامت الثورة لإسقاطه بينما يحاكم الثوار والمتظاهرون أمام محاكم عسكرية سريعة وظالمة، كل ذلك يكشف عن عداء الدولة للثورة وموقفها المناهض لها والمتربص بها.

ومع ذلك ذهبت أجهزة الإعلام المنافقة مداها في حملة تشويه الثورة والثوار، وإثارة الفزع لاستعداء الجماهير عليهم، من فزع حول ما يسمى بالانفلات الأمني وفزع حول الأزمة الاقتصادية التي تعيشها بلادنا حاليا، وكأن الثورة هي التي دفعت أجهزة الأمن إلى إهمال أمن المجتمع، مع أن هذه الأجهزة لم تضبط يوما مهتمة بأمن المجتمع ولا أمن المواطن وكانت مصدر التهديد الأساسي لهذا المواطن بالتعذيب والاعتقال وفرض الإتاوات وتلفيق الاتهامات. وكأن سياسات النظام لم تكن السبب في أزمة اقتصادية ممتدة عانى منها ملايين الشباب الذين لم يجدوا عملا وملايين الأسر الفقيرة التي لا تجد قوت يومها بسبب ارتفاع الأسعار والبطالة والفقر، بينما كانت حفنة من الفاسدين ورجال الأعمال مصريين وأجانب ترفل في النعيم على حساب موارد هذا البلد ودماء أبنائه.

الفاشية – آلة القتل المنهجي:

لكن تكلفة الفاشية السياسية والاجتماعية رهيبة لو تعلمون. فبعد صعود هتلر إلى قمة السلطة في ألمانيا رغم أن حزبه لم يحصل على أغلبية في البرلمان، بدأ في تأسيس ديكتاتورية عسكرية وبيروقراطية معتمدا على الإرهاب والقمع الذي مارسته فرق "القمصان السود" التي سيطرت على الشرطة والأجهزة الأمنية، واعتمد كذلك على فرق شبه عسكرية أطلق عليها هتلر "قوات العاصفة" استخدمت لإرهاب المناوئين له سياسيا وكل أشكال المعارضة في البرلمان قبل أن يقضي عليها بنفسه عندما تجاوزت الخطوط التي وضعت لها. ثم أسس جهاز الأمن السري الشهير بالجستابو الذي هيمن على كل أجهزة الحكم المحلي وحكم ألمانيا بالإرهاب وأنشأ وأدار معسكرات الاعتقال لكل المعارضين للحزب النازي، وكان جهازا أعنف من جهاز أمن الدولة في مصر ولا يخضع لأي رقابة قضائية واختفى في معسكراته وسجونه الآلاف من المعتقلين السياسيين واليهود الألمان، وقام هتلر بالقبض على كل معارضيه وإلغاء الأحزاب كلها ما عدا الحزب النازي بعد أن قام بتطهير وإعدام كل المنافسين له داخل الحزب النازي نفسه، وأسس محاكم تابعة له حتى تحكم بما يريد، خاصة على الشيوعيين وقيادات الحركة العمالية الذين أراد إعدامهم، وكان على قضاة هذه المحاكم أن يؤدوا قسم الولاء للحزب النازي، وقام بحل النقابات العمالية وأسس جبهة عمالية تابعة للحزب ليسيطر من خلالها على حركة العمال، ثم استصدر مرسوما جعله الفوهرر، أو حاكما مطلقا على ألمانيا. وخلال الأشهر الأولى من عام 1943 شن الجستابو حملة اعتقالات واغتيالات واسعة شملت الآلاف من أبناء الشعب الألماني، حيث أعدم العديد من قيادات الحركة الطلابية في أواخر فبراير  ودمر حركة معارضة سياسية كبيرة في أبريل من نفس العام. وخلال الشهور اللاحقة استمرت حملات الجستابو مما جعل أي شكل من المعارضة المنظمة للحزب النازي مستحيلة، وشاعت الاعتقالات والاعدامات واستخدام إرهاب الدولة المنظم ضد كل طوائف الشعب الألماني.  وقدر حجم ضحايا آلة القمع النازية بالملايين منهم ستة ملايين يهودي حرقوا في أفران الغاز، 2.5 مليون بولندي، نصف مليون من الغجر، 400 ألف سجين روسي، بالإضافة إلى 100 ألف إنسان من ذوي الإعاقات البدنية والنفسية قتلوا بدماء باردة لاعتبارهم من جنس أدنى وعشرات الآلاف من القوى السياسية خاصة الاشتراكيين والشيوعيين والقيادات النقابية الذين تم اغتيالهم بطريقة ممنهجة. ليست الفاشية إذن مجرد ديكتاتورية عسكرية وبوليسية كأي ديكتاتورية من هذا النوع، بل إنها ديكتاتورية عسكرية وبوليسية مدعومة بحركة جماهيرية واسعة ومستعدة لممارسة العنف المنظم والمنهجي ضد التنظيمات والأحزاب الثورية، بل والإصلاحية، وكذلك ضد النقابات والروابط والجمعيات وكافة أشكال التعبير الديمقراطي بما في ذلك الإعلام والتظاهر والإضراب وغيرها من وسائل التعبير عن الرأي، لتفرض على المجتمع نظاما يشبه نظام الثكنات العسكرية، وفي سبيل ذلك تستخدم الخطاب العنصري والقتل على الهوية من أجل تحقيق أهدافها.

ثورة في المخاض وجنين الفاشية

الحملة الفاشية بدأت تحشد حولها مظاهرات تضم شرائح من فقراء الطبقة الوسطى والمهمشين للتحريض ليس فقط ضد الثورة وإنما أيضا ضد أي صوت يعلو بالنقد لأداء السلطة، بعد أن ظهرت مظاهرات روكسي والعباسية ثم تلك المظاهرات الصغيرة التي تجمعت أمام جريدة الفجر ضد عادل حمودة وعدد آخر من الإعلاميين الآخرين، مع وهجوم متواصل على الإعلام حتى لا يتعرض بالنقد، حتى وإن كان خجولا، للمجلس العسكري وممارسات السلطة، علاوة على عدد من القنوات التلفزيونية التابعة للتيار السلفي التي تشن هجوما منظما على الثورة والثوار، وفي حالة الهجوم على الاشتراكيين الثوريين كان التيار الإسلامي صاحب المبادرة، بخطابه الديماجوجي ورغبته في الحفاظ على مكاسبه في السلطة التي مازالت على كف عفريت، وقدم البلاغ الذي تم سحبه لاحقا إلى النائب العام.

ومع ذلك فإن الفاشية في مصر مازالت في طورها الجنيني، وهي كذلك لأن الثورة المصرية مازالت في مراحلها الأولى ولم تبلغ بعد مرحلة من التنظيم والقوة على المستوى القومي يجعلها قادرة على تهديد مصالح الطبقة الحاكمة وسلطتها تهديدا يجعل من الفاشية بديلا أقل خطرا من انتصار نهائي وكامل للثورة. كما لم تبلغ حدة الأزمة الاقتصادية في مصر حاليا مستوى يقترب من عنف هذه الأزمة في ألمانيا أوائل القرن الماضي عندما تجاوزت نسبة البطالة 30 بالمئة من إجمالي القوى العاملة، وتدهورت الصناعة بنسبة مماثلة تقريبا، علاوة على أن مستوى تنظيم النقابات العمالية والأحزاب والجماهير الثورية في ألمانيا آنذاك كان أفضل كثيرا من حيث الحجم والقدرات من مستوى تنظيمات العمال وحركات وجماهير الثورة في مصر حاليا.  كل ذلك يجعل لجوء الطبقة الحاكمة في مصر إلى دعم الفاشيين كبديل أقل خطرا غير متوقع في المدى القريب. لكن الأزمة الاقتصادية مازالت تتفاعل وينتظر أن تزداد عمقا وعنفا، وقيادة المجلس العسكري للمرحلة الانتقالية وعجزه عن تقديم أي إصلاحات أو اتخاذ أي سياسات تستوعب المطالب المتزايدة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا قادت البلاد إلى حالة انسداد وأزمة سياسية مستحكمة.

ويتصاعد خطر الفاشية حسب توازنات وتقلبات العلاقة بين القوى الاجتماعية المتصارعة في مسار الثورة، وتأتي الفاشية كحلقة أخيرة في دورة هذا الصراع السياسي التي تبدأ بأزمة شديدة الخطورة للمجتمع الرأسمالي، وتصاعد المد الثوري خاصة بين صفوف العمال الذي يجذب إليه تعاطفا واسعا من شرائح فقراء الطبقة الوسطى في الريف والحضر ممن يطمحون إلى التغيير، ويؤدي ذلك كله إلى ارتباك عنيف في أوساط الطبقة الحاكمة وكبار الرأسماليين التي تلجأ إلى المناورة والخداع بهدف تجنب المد الثوري، وفي  حالة عجز قوى الثورة عن الاستمرار بها وقيادتها إلى النصر مما يترتب عليه إرهاق جماهير الثورة واستنزافها دون خروج من حالة الانسداد السياسي تتزايد حالة الارتباك واللامبالاة في صفوف هذه الجماهير، ومع تزايد حدة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية يسود الإحباط بين شرائح فقراء الطبقة الوسطى الحضرية والريفية وتسيطر عليها حالة من الاضطراب الشديد والميل إلى العنف والبحث عن معجزة، وتتخذ مواقف معادية ضد التنظيمات الثورية وجماهير الثورة خاصة العمالية التي خذلت توقعاتها وطموحاتها، وهنا تستطيع الأحزاب والتنظيمات الفاشية جذب هذه الشرائح الاجتماعية إليها وتحقيق انتصارها.

الثورة المصرية مازالت إذن في مراحلها الأولى، ولكنها قد تتطور بسرعة خلال الأشهر المقبلة لتتخذ مسارا أقوى وأعلى تنظيما، ولذلك فإن مخاطر الفاشية حقيقية وإن لم تصبح آنية، وسوف تحتاج جماهير الثورة المصرية والحركات والتنظيمات الثورية إلى مضاعفة جهدها من أجل تطوير قدراتها التنظيمية والسياسية إما لتجنب خطر تصاعد الفاشية في مصر إلى مرحلة أعلى أو على الأقل لامتلاك القدرات اللازمة لمواجهتها عند انتقالها إلى طور جديد.

الثلاثاء، 22 نوفمبر 2011

دولة النظام ضد الثورة


رمضان متولي

خرجت جماهير الشعب المصري بالملايين في ثورة 25 يناير قبل أن تنضج القوى الثورية، وقبل أن تنمو هذه القوى إلى درجة من التنظيم والوعي السياسي والارتباط العضوي بالجماهير تمكنها من قيادة الثورة والمثابرة على تعرجاتها والمناورة في منعطفاتها والمبادرة في لحظاتها الحاسمة حتى تتمكن الثورة من الاستيلاء على السلطة وتحقيق أهدافها.   

بهذا المعنى تحديدا كانت الثورة المصرية ثورة غير ناضجة، لم تكتمل عناصرها الذاتية حتى وإن كانت شروطها الموضوعية متحققة منذ زمن بعيد، ولذا لم تحقق أهدافها حتى الآن. بل الأخطر من ذلك أن ضعفها البنيوي الناتج عن غياب القيادة الثورية الحاسمة والمتمرسة والقادرة بامتلاكها استراتيجية واضحة حول أهدافها والمؤسسات والعناصر التي تخوض النضال لتنفيذ هذه الاستراتيجية سمح للمجلس العسكري، وهو الجزء الأكثر قوة وأحكم تنظيما في نظام مبارك، بالاستحواذ على السلطة والمناورة لاحتواء الثورة وإضعافها تمهيدا لوأدها وهي لم تزل بعد في مرحلة التكوين.

وإذا نظرنا إلى ما تحقق من أهداف الثورة كما ظهرت في شعاراتها، وفي خروج الملايين في ميادين مصر المختلفة للتعبير عنها، لن نجد إلا اليسير مما يتحقق عبر انتفاضة عفوية بسيطة، تفتقد إلى القيادة والتنظيم والوعي السياسي رغم بطولة الثوار وفداحة الثمن من شهداء وجرحى وسجناء في زنازين العسكر.

لم تحقق الثورة المصرية حتى الآن، رغم عنفوانها وزخمها، إلا إسقاط رأس النظام وبعض من أفراد عصابته وعصابة نجله جمال مبارك التي استبدت بالبلاد وحولت مصر إلى غنيمة لها تنهب ثرواتها وتستحوذ على أركان السلطة فيها لتنشر فيها الفساد، وتحقق المنافع الشخصية من خلالها على حساب الجماهير العريضة من أبناء الطبقة العاملة والفلاحين وصغار الموظفين وفقراء المدن والمهمشين في الأحياء الشعبية.

وبعد نزع هذه القشرة الخبيثة التي تمثل رأس النظام حاولت نخبة العسكر وقمة الجهاز البيروقراطي في الدولة وبعض النخب الإسلامية والليبرالية استيعاب الطاقة الثورية للجماهير وامتصاصها عبر ترويج فكرة زائفة بأن إسقاط الديكتاتور وحاشيته يرادف إسقاط النظام وأن الثورة حققت أهدافها، ولخص أحد الجنرالات الموقف بعبارة مخاتلة تزعم أن الثورة خرجت لإسقاط النظام لا لإسقاط دولته.

ولعل المواجهة التي تدور رحاها الآن في ميدان التحرير تكشف عن طبيعة هذه الدولة التي أشرف على بنائها الديكتاتور المخلوع عبر ثلاثين عاما من حكمه البغيض. هذه المواجهة التي يخوضها أبناء الشعب المصري بكل بسالة وفداء تفضح ما يميز هذه الدولة ممثلة في أجهزتها الأمنية والبيروقراطية من خسة وفساد وإخفاق واستبداد وترهل وانحطاط ما يجعلها فاقدة لأدنى قدر من المصداقية في أن تكون أمينة على أهداف الثورة ومطالبها، بل إنها بلغت من الغباء والسخف ما جعلها عاجزة حتى عن إدراك طبيعة هذه الثورة واستحقاقاتها.

استحوذ جنرالات المجلس العسكري على السلطة من الديكتاتور المخلوع في محاولة لإنقاذ النظام والالتفاف على مطالب الجماهير الثائرة. غير أنهم سرعان ما اكتشفوا أن الجماهير لم تقنع بالمراوغة والخداع والخطاب الأجوف المنمق، وهم يعرفون حق المعرفة أن مطالب الثورة واستحقاقاتها تتعارض مع مصالحهم وارتباطاتهم في داخل مصر وخارجها باعتبارهم جزءا حيويا وركنا أساسيا في النظام الذي خرجت الثورة من أجل إسقاطه. وهكذا بدأ هؤلاء الجنرالات يعتمدون على نفس أساليب الديكتاتور المخلوع في قمع الجماهير وترويج الأكاذيب وتشويه الحركة الثورية.

لكن الجماهير الثائرة سرعان ما اكتشفت عبر تجربتها النضالية أن مناورات الفترة الماضية والخطابات الزائفة للمجلس العسكري كانت تهدف إلى كسب الوقت من أجل إعادة بناء أجهزة القمع وخاصة جهاز الأمن المركزي، وهو الجيش الحقيقي الذي يعتمد عليه النظام في مصر والذي أعد لمواجهة شعب مصر لا مواجهة أعدائها. أمد المجلس العسكري هذا الجهاز بأسلحة ومعدات وذخائر جديدة بل وبمزيد من الأفراد، ليس لمواجهة الانفلات الأمني والبلطجة، وإنما من أجل بث الرعب وروح الهزيمة مرة أخرى في صفوف الجماهير. بل وسعى المجلس العسكري خلال هذه الفترة عبر أجهزة الإعلام الرسمية إلى تشكيل بيئة معادية حول الثورة والثوار عبر التواطؤ على الفوضى الأمنية في البلاد واستخدام فزاعة الانهيار الاقتصادي الذي تسببت فيه سياساته نفسها بتركيز إعلامي على انهيار البورصة وتراجع احتياطي النقد الأجنبي، ونسبة كل ذلك ضمنيا إلى الثورة والثوار الذين لم يسلموا كذلك من محاكمات عسكرية جائرة وضعت الآلاف منهم في السجون، ومن تشويه إعلامي واتهامات كاذبة تحاول وصمهم بكل ما ينفر الناس منهم.

إن قلب أي دولة هو أجهزتها الأمنية، وهي الأجهزة التي تتكشف فيها أكثر ما تتكشف إرادة الطبقة الحاكمة والبيروقراطية التي تخدم مصالحها – أي إرادة النظام الحاكم وسياساته. وقد رأينا بالتجربة المريرة مدى التصاق الدولة بالنظام، الذي مازال قائما، واكتشفنا خبث محاولة الفصل بينهما وكأن نظام الفساد والاستبداد والاستغلال والإهمال والقهر والتضليل كان يدير البلاد ويحكمها بدولة طاهرة اليد صادقة النية تتمتع بالكفاءة والاحتراف! وكأن مؤسسات الدولة وأجهزتها لا تسيطر عليها بيروقراطية أمنية وإدارية عاشت وترعرعت ونمت ثرواتها وتعاظم نفوذها عبر الفساد والاستبداد وإهمال احتياجات الشعب وحقوقه!

اكتشف الشباب الثائر عبر محطات مختلفة خلال الأشهر التي أعقبت سقوط الديكتاتور أن التطهير لم يقترب من أجهزة الدولة، وأن وزارة الداخلية وغيرها من الوزارات والمصالح الحكومية مازالت على فسادها واستبدادها واحتقارها لجماهير الشعب المصري الذي ينفق عليها، وأن المجلس العسكري جزء من النظام الذي أرادت الثورة إسقاطه ولن يكون أمينا على أهداف هذه الثورة ولا ملبيا لمطالبها.

إن الثورة حتى تحقق أهدافها وتفرض مطالبها تحتاج إلى دولة جديدة تنشؤها وفقا لاحتياجاتها ومطالبها وبالمعايير التي ترتضيها. لقد نجحت اللجان الشعبية من قبل في تحقيق الأمن للشارع في مواجهة الترويع الذي كان يشيعه جهاز الشرطة خلال الأيام الأخيرة من حكم الديكتاتور، وبنفس الطريقة يستطيع هذا الشعب الراقي العظيم أن يبني مؤسسات جديدة يكون هدفها تحقيق مطالب الثورة وتعبئة الجماهير خلف أهدافها وتيسير حياة الناس في مواجهة من يتآمرون على ثورته ويحاولون إهدارها وإحباطها وتفريغها من مضمونها الاجتماعي والديمقراطي.

إن المجلس العسكري ليس لديه ما يقدمه للثورة إلا القمع، لأنه يرفض أهدافها من الأساس لتعارضها مع مصالحه ومصالح الطبقة التي يمثلها ويحميها، وهذا يفسر ما يفعله الآن وما فعله خلال الفترة الماضية. فرغم الترويع والتخويف من أزمة اقتصادية وشيكه وتراجع احتياطي مصر من النقد الأجنبي وجدناه لا يتردد في استيراد مزيد من قنابل الغاز وإعادة تسليح عصابات الأمن المركزي وإمدادها بالمعدات الجديدة بهدف إلحاق هزيمة عنيفة بالحركة الثورية. إن المجلس يهدف الآن إلى انتهاز أي فرصة من أجل قتل حالة الزخم الثوري وكسر الروح المعنوية عند الشباب الثائر حتى يتمكن من ترميم ما تهدم من نظام الديكتاتور المخلوع وإحكام السيطرة على البلاد.

لكن خطة المجلس العسكري يقاومها صمود الشباب البطولي في مواجهة الأجهزة القمعية والإعلام الزائف وتخاذل وانتهازية القوى السياسية الإسلامية والليبرالية وغيرها، ممن لا يهتمون إلا بالانتخابات البرلمانية والرئاسية متجاهلين ضرورة تطهير أجهزة الدولة ومؤسساتها ووضعها تحت رقابة شعبية صارمة ومحاسبة من يستهترون بأرواح الشباب ويهدرون حقوق الشعب فيها قبل البحث عن نصيب في كعكة السلطة. صمود هؤلاء الأبطال يعزز الأمل في أن حالة الزخم الثوري التي أسقطت الديكتاتور في ثمانية عشر يوما تستطيع أن تواصل حتى تحدث تغييرا حقيقيا يشفي غليل الجرحى ويزكي الدماء الطاهرة التي ضحى بها أبطالنا الذين استشهدوا في الميدان.