الثلاثاء، 18 سبتمبر 2018

رأسمالية الزومبي – كريس هارمان – الفصل العاشر: رأس المال العالمي في العصر الجديد – ترجمة رمضان متولي


 الفصل العاشر

رأس المال العالمي في العصر الجديد
التدفق عبر الحدود
إن عقود الوهم الكبير كانت عقودا تدفق فيها رأس المال خارج الحدود القومية في التجارة والاستثمار والإنتاج. وبحلول عام 2007، كان تدفق التجارة الدولية أكبر من حجم التجارة الدولية في عام 1950 بثلاثين مرة، بينما كان حجم الناتج أكبر من نظيره بثمان مرات فقط.(1) وحلقت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر: فزادت من 37 مليار دولار في عام 1982 إلى 1200 مليار دولار في عام 2006(2)؛ وارتفع المخزون التراكمي من الاستثمار الأجنبي المباشر من 4 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي في عام 1950 (أي ما يقل عن نصف أرقام عام 1913) إلى 36 بالمئة في عام 2007.(3) كما انطلقت كذلك عملية التنظيم المباشر للإنتاج عبر الحدود الوطنية بصورة يندر أن نجد مثلها في الماضي، وأصبحت الشركات متعددة الجنسية النموذج المقبول عامة للمؤسسة الرأسمالية الكبيرة.(4)
أما حركة التمويل عبر الحدود القومية، التي انخفضت انخفاضا حادا منذ أزمة ثلاثينيات القرن العشرين، فقد حققت الآن نموا صاروخيا، مع تخلي الحكومات عن ضوابط أسعار الصرف كجزء من عملية أوسع لإزالة القيود. ومع منتصف ثمانينيات القرن العشرين كان الاتجاه بين "المصرفيين هو تصميم استراتيجيات جديدة، وصلت بالنسبة لمعظمهم" إلى "تأسيس تواجد كبير في المراكز المالية الرئيسية مثل لندن ونيويورك وطوكيو، وبعض المراكز الثانوية كذلك."(5) فكان تكاثر وانتشار عمليات الاندماج بين البنوك. وقامت مؤسسة هونج كونج وشنغهاي المصرفية القديمة الراسخة بالاستحواذ على واحد من "الخمسة الكبار" في البنوك البريطانية، ونقلت مقرها الرئيسي إلى لندن وانطلقت من هناك للاستحواذ على بنوك في عدد من البلدان. واستحوذ البنكان الإسبانيان الكبيران، بنك بيلباو فيزكايا وبنك سانتاندير، على حصة كبيرة جدا من النظام المصرفي في كثير من بلدان أمريكا اللاتينية، حتى أنهما وحدهما يملكان ما يقرب من ثلث الأصول في أكبر 20 بنكا(6) ثم تفرعت أعمالهما إلى أنماط أخرى من النشاط، مثل أنشطة "بنوك الاستثمار والتأمين، وتحديدا المشاركة في إدارة صناديق المعاشات"، بالاستحواذ على "حصة الأقلية في بعض المؤسسات غير المالية، وبشكل أساسي في قطاعات ينشط فيها كثيرا مستثمرون آخرون من إسبانيا (مثل قطاعي الاتصالات والطاقة)"(7).
عملية التركز (Concentration) في الأنشطة الصناعية عبر الحدود الوطنية كانت تسير على التوازي. فالشركات الضخمة التي برزت في البلدان الصناعية القديمة خلال الفترة السابقة، غالبا تحت رعاية الدولة، أصبحت الآن قادرة لا على السيطرة على أسواقها الوطنية فحسب وإنما أيضا على اقتناص أجزاء واسعة من السوق العالمية. ولا تستطيع الشركات المنافسة لها أن تستمر إلا إذا توجهت نحو تعبئة الموارد على نطاق عالمي، أي إذا أصبحت هي أيضا متعددة الجنسية، لا فقط فيما يتعلق بالتجارة وإنما كذلك فيما يتعلق بالإنتاج. وقد أصبحت أكثر الشركات نجاحا في كثير من الصناعات الرئيسية هي تلك التي لديها استراتيجيات عالمية في التطوير والإنتاج والتسويق، تقوم على الاستحواذ على شركات في بلاد أخرى  أو الاندماج أو تأسيس تحالفات استراتيجية معها.
في صناعة السيارات، أقامت شركات السيارات اليابانية مراكز إنتاج لها في الولايات المتحدة، تنتج عددا من السيارات يتجاوز إنتاج ثالثة أكبر الشركات الأمريكية، أي شركة كرايسلر؛ وبدأت شركة رينو الفرنسية المؤممة سلسلة من عمليات الاستحواذ في الولايات المتحدة بادئة بشركة أميركان موتورز الصغيرة ورابعة الشركات الأمريكية في القطاع؛ واستحوذت شركة فولفو على إنتاج سيارات النقل الثقيل من شركة جنرال موتورز في الولايات المتحدة؛ وقامت شركتا فورد وفولكس فاجن بدمج مصنعيهما في البرازيل لإنتاج السيارات؛ وشيدت شركة نيسان مصنعا للتجميع في شمال شرق انجلترا لتنتج مئات الآلاف من السيارات سنويا، بينما قامت هوندا بشراء حصة بنسبة 20 بالمئة في شركة روفر. وفي صناعة الإطارات، جعلت الشركة الفرنسية ميشيلان من نفسها أكبر شركة لإنتاج الإطارات في العالم عبر الاستحواذ على شركة يونيرويال جودريتش في الولايات المتحدة عام 1988. واستمرت هذه العملية خلال تسعينيات القرن العشرين وبداية العقد الأول من الألفية الجديدة. فاستحوذت شركة مرسيدس بنز على شركة كرايسلر (قبل أن تبيعها مرة أخرى في عام 2007)؛ وشكلت شركة رينو "تحالفا" مع شركة نيسان (بأن اشترت 44.5 بالمئة منها، بينما اشترت نيسان 15 بالمئة من رينو) وأصبح للتحالف رئيس تنفيذي مشترك؛ واشترت شركة جنرال موتورز شركة ساب، وحصلت على حصص بنسبة 20 بالمئة في شركة سوزوكي، وشركة سوبارو وشركة فيات، واستحوذت على 42 بالمئة من شركة دايو؛ واستحوذت مجموعة تاتا الهندية على شركة كورس للصلب الأنجلو-هولندية (والتي تشكلت عبر استحواذ سابق على شركة بريتيش ستيل بعد خصخصتها)؛ وكانت نصف صادرات الصين التي تنمو سريعا تنتجها شركات تملك الشركات الغربية متعددة الجنسية على الأقل جزءا منها؛ شركة AVIC 1 الصينية كانت تورد دفة التوجيه لطائرة الأحلام 787 التي تنتجها شركة بوينج وتقدم عروضا لشراء ستة مصانع تابعة لشركة إيرباص ومطروحة في المزاد في أوروبا؛ وشركة إيروفلوت الروسية قدمت عرضا لشراء شركة الطيران الإيطالية أليتاليا. وهذه مجرد عينة عشوائية من موجة عمليات الاستحواذ واتفاقيات التعاون العالمية التي كانت تنشر عنها جريدة الفايننشال تايمز يوميا.
إذا كانت الشركة الرأسمالية النموذجية في عقود أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن العشرين هي تلك التي تلعب دورا مسيطرا في اقتصاد قومي محدد، ففي بداية القرن الحادي والعشرين أصبحت هذه الشركة النموذجية هي تلك التي تعمل في عدد أو أكثر من البلدان – ولا تقوم بمجرد بيع منتجاتها خارج بلدها الأم وإنما كذلك الإنتاج في الخارج. وكانت أكبرها تستخدم موارد اقتصادية أكثر كثيرا من دول عديدة. "إن 29 من أكبر 100 كيان اقتصادي في العالم شركات عابرة للقومية"،(8) حسب تقرير صدر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية- الأونكتاد. ولم تكن عملية تفرع الشركات الوطنية إلى الخارج وتمددها في بقية العالم قاصرة على البلدان الصناعية المتقدمة. بل تأثرت بها بلدان العالم الثالث والبلدان حديثة التصنيع التي سبق أن اتجهت عملية دولنة الصناعة فيها (تحول الصناعة إلى ملكية وسيطرة الدولة – المترجم) لأن تتجاوز عملية الدولنة في الغرب، كما رأينا في الفصل السابع. وقد زادت عملية التفرع والامتداد للخارج في حدتها مع كل إعادة هيكلة للصناعة تحدث في كل أزمة وقعت في تلك السنوات عندما قامت الشركات بتخفيض إنتاجها، وإغلاق المصانع والاندماج مع شركات أخرى.
أساطير وحقائق
بحلول تسعينيات القرن العشرين عمدت هذه العملية برمتها تحت اسم "العولمة". وقد وضعت في حزمة واحدة مع الليبرالية الجديدة كتمثيل لمرحلة كاملة جديدة للرأسمالية – كانت بالنسبة للمتحمسين لها مرحلة تختلف تمام الاختلاف عن أي مرحلة سابقة. فكانوا لا يعتقدون فقط أن العالم ينبغي أن ينظم بما يلائم حرية تدفق رأس المال دون أي تدخل من الحكومات، وإنما أن ذلك قد تحقق فعلا.
نحن نعيش، كما يقولون، في عصر رأس المال متعدد الجنسية (أو أحيانا عابر القومية)، عصر تنقل فيه الشركات إنتاجها إن شاءت إلى أي مكان يمكن الإنتاج فيه بأرخص التكاليف. إنه عالم الإنتاج "عديم الوزن"، كما تردد بإصرار بعض الأصوات النافذة، حيث تزيد أهمية برمجيات الكمبيوتر والإنترنت على "صناعات طرق المعادن على النمط القديم"، وحيث الحركية المطلقة لرأس المال باعدت تماما بينه وبين الاعتماد على الدول. كان هذا جزءا لا يتجزأ من النموذج الاقتصادي الجديد الذي يفترض أنه أطلق دينامية جديدة في أعقاب فشل الكينزية، وتوجيه الدولة، و"الاشتراكية" على النمط السوفييتي. وأعلن كينيث كلارك، أحد وزراء بريطانيا عن حزب المحافظين، أن "جنسية الشركات تصبح غير ذات شأن على نحو متزايد".(10) كما أعلنت مجلة بيزنيس ويك أن هذا عصر "الشركات التي بلا دولة".(11)
كثيرون ممن رفضوا نظرية العولمة السائدة تقبلوا رغم ذلك كثيرا من افتراضاتها. هكذا كتبت فيفيان فورستر عن "العالم الجديد تماما الذي تسيطر عليه السيبرنطيقا والأتمتة والتكنولوجيات الثورية بدون أي صلات حقيقية مع ’عالم العمل’"(12)؛ وتحدثت ناعومي كلاين عن "نظام من المصانع المتنقلة التي تستخدم عمالا رحلا"(13)؛ وتحدث جون هولواي عن رأس مال يمتلك القدرة على "أن ينتقل من جهة من العالم إلى الجهة الأخرى خلال ثوان"(14).
إن صورة النظام العالمي الذي لم تعد تلعب فيه الدولة دورا مركزيا كان لها نتيجة طبيعية تلازمها، هي فكرة أن الحروب التي سادت معظم سنوات القرن العشرين أصبحت شأنا من شئون الماضي. وقد أعلن جورج بوش الأب بعد انهيار الكتلة الشرقية وانتصار الولايات المتحدة في الحرب الأولى ضد العراق، أن العالم على مشارف "نظام عالمي جديد".(15) وأعطى فرانسيس فوكوياما هذا الكلام مسحة أكاديمية براقة بإعلانه عن "نهاية التاريخ".
بل أن مفكرين ارتبطوا طويلا باليسار وصلوا إلى استنتاج بأن رأس المال في المرحلة الجديدة لم يعد بحاجة إلى الدولة، وقد أدار ظهره للحرب نتيجة ذلك. وكتب نايجل هاريس عن "ضعف الاندفاع نحو الحرب" لأنه "مع فك الارتباط قليلا بين الدول ورأس المال، تضعف الضغوط نحو الحرب العالمية قليلا."(16) وقد ذهب كل من لاش ويوري أبعد كثيرا من ذلك ولم يتضمن كلامهما ذكرا للإنفاق العسكري عند تحليلهما لعالم "ما بعد الحديث لرأسمالية لا تخضع لتنظيم".(17)
غاب عن كل هذه الأفكار القطعية المختلفة عن العولمة أي إدراك حقيقي لكيف كانت العلاقات بين رؤوس الأموال والدول تتطور من الناحية الفعلية. لأن رؤوس الأموال لم تكن أكثر رغبة أو قدرة على قطع علاقاتها بالدول مما كانت عليه في زمن الحرب العالمية الأولى. ربما أصبحت هذه العلاقات أكثر تعقيدا، ولكنها احتفظت بأهميتها الحاسمة.  
ينبغي أن يكون ذلك أكثر وضوحا في حالة رأس المال الإنتاجي. فهو لا يستطيع ببساطة أن يكون على نفس الدرجة من القدرة على الانتقال والحركة كما تزعم نظرية العولمة. وما زالت المصانع والآلات، والمناجم والموانئ والمكاتب وغيرها تستغرق أعواما في بنائها، تماما كما كانت في المرحلة السابقة من الرأسمالية، ولا يمكن التقاطها ونقلها ببساطة إلى مكان آخر. تستطيع الشركات أحيانا أن تنقل الآلات والمعدات. لكن هذه العملية عادة عملية مرهقة، وقبل أن تستطيع العمل في مكان آخر، تضطر الشركة إلى توظيف أو تدريب ما يكفي من القوى العاملة الماهرة. وفي سياق ذلك، لا تضطر فقط إلى شطب قيمة الاستثمار في المباني القديمة، وإنما كذلك لا تحصل على عائد على الاستثمار في الآلات. كما أن عددا قليلا جدا من العمليات الإنتاجية تتسم بالاكتفاء ذاتيا والاستقلال الكامل. فعمليات الإنتاج، كما رأينا في الفصل الرابع، تمتد جذورها في مجمعات للإنتاج وتعتمد على مدخلات من خارجها وحلقات اتصال بشبكات التوزيع. فإذا أقدمت شركة على تأسيس مصنع للسيارات، عليها أن تتأكد من وجود مصادر آمنة للصواميل والمسامير، والصلب بالجودة المناسبة، وقوة عمل بالمستوى المناسب من التدريب، وإمدادات كافية من الكهرباء والماء، ونظام مالي جدير بالثقة، ومصرفيين متعاونين، وشبكة من الطرق والسكك الحديدية قادرة على نقل منتجاتها النهائية. وعليها أن تقنع أشخاصا آخرين، أو شركات أخرى أو حكومات بتوفير هذه الأشياء، ويمكن أن تستغرق عملية جمعهم شهورا أو حتى سنوات من التفاوض، بما تتضمنه من المحاولة والخطأ علاوة على التخطيط المستقبلي. ولذلك تفضل الشركات عادة عند إعادة الهيكلة طريقة "التدرج" – بالانتقال قطعة قطعة من المصنع القديم إلى مصنع جديد، والاحتفاظ بشبكات التوزيع والإمداد القديمة دون مساس، والتقليل إلى الحد الأدنى من أثر الانتقال على "المجمع" الذي يحيط بها. ولذلك استغرقت فورد عامين تقريبا في تنفيذ قرارها في عام 2000 بإغلاق مصنع تجميع لها في داجنهام ونقل الإنتاج إلى مكان آخر في أوروبا. وعندما أعلنت شركة كادبوري شويبس "ترشيد" نشاطها العالمي بما في ذلك إغلاق بعضه في يونيو 2007، قالت إنها تتوقع أن يستغرق ذلك ثلاث سنوات للتنفيذ.
وحتى مع رأس المال في صورته النقدية، لا توجد حرية حركة خالصة. فكما تلاحظ سوزان دو برونهوف:
"رغم أن تدفقات مالية ضخمة من رأس المال الجوال تطوف يوميا حول العالم، لا توجد سوق واحدة عالمية لرأس المال. فلا يوجد سعر عالمي واحد للفائدة، كما لا توجد أسعار عالمية واحدة للبضائع المنتجة…والأصول المالية مقومة بعملات مختلفة، وهي عملات لا تمثل "بدائل محكمة" لبعضها والأخرى.(18)
ديك برايان طرح فكرة شبيهة:
"إن قطاع التمويل الدولي يقدم صورة واضحة عن مركزية الجنسية في التراكم العالمي. فقد وفر الجمع بين تكنولوجيا الأقمار الصناعية والكمبيوتر… وجميع الشروط التقنية المسبقة "لسوق تنافسية كاملة" ونيوكلاسيكية للتدفقات المالية حتى تحقق التعادل في معدلات العائد، متجاوزة للحدود الوطنية. ومع ذلك … يحتفظ قطاع التمويل بخصائص وطنية. فلا ينتقل بصورة منتظمة من مكان لآخر بما يؤدي إلى التعادل بين الادخار والاستثمار.  إن نظاما ماليا عالميا يتكون من عملات تحدد وطنيا يشير إلى أن العولمة لا يمكن أن تكون خالية من البعد القومي."(19)
في كل عام تنشر منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (اليونكتاد) قائمة بأكبر مئة شركة متعددة الجنسية و"مؤشر عبور القومية" الخاص بها – أي نسبة مبيعاتها وأصولها واستثماراتها التي تقع خارج "بلدها الأم". وأحيانا ما يدعى أن هذه الأرقام تكشف عن مدى ضآلة اعتماد الشركات متعددة الجنسية على قاعدة قومية. وفي الحقيقة، يمكن النظر في هذه الأرقام بطريقة أخرى. ففي عام 2003، كانت أكبر خمسين شركة متعددة الجنسية ماتزال تعتمد على قاعدتها الوطنية فيما يزيد على نصف أعمالها. كما أن أعلى عشرين شركة في نسب مبيعاتها بالخارج كانت معظمها تنتمي إلى اقتصاد صغير مفتوح، مثل كندا واستراليا وسويسرا، أو أعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل فنلندا وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا والسويد، التي توجه مبيعاتها إلى الدول المجاورة القريبة. ولم تظهر أي من الشركات الأمريكية متعددة الجنسية في قائمة أكثر الشركات العالمية تعولما.(20)
متوسط عبور القومية عند كبرى الشركات العابرة للقومية في العالم في 2003:
أكبر مئة شركة عابرة للقومية            55.8%
أكبر خمسين شركة عابرة للقومية        47.8%
شركات قاعدتها في:
الولايات المتحدة                        45.8%                                                
المملكة المتحدة                         69.2%
اليابان                                  42.8%
فرنسا                                  59.5%
ألمانيا                                   49.0%
بلدان أوروبية صغيرة                   72.2%
إن انتشار عمليات الاندماج عابرة الحدود لم يعن أنها تمثل الشكل الوحيد أو حتى السائد في إعادة الهيكلة. بل إن هذه العمليات لا تمثل إلا ربع إجمالي عمليات الاندماج (21) – وكثير منها لم تكن ناجحة.(22) كما أن نسبة صغيرة فقط من الاستثمار العالمي كانت عابرة للحدود القومية. ويكشف تيم كوشلين أن مخزون الاستثمارات الأجنبية المباشرة الأمريكي يمثل "حصة صغيرة نسبيا من إجمالي الاستثمار في الولايات المتحدة"، رغم أنه حقق "نموا كبيرا" من "32 مليار دولار في عام 1960 إلى 2063 مليار دولار في عام 2004"، حيث بلغ معدل تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر للخارج إلى إجمالي الاستثمار 7.3 بالمئة فقط.(23) كان هذا المعدل أعلى في مجال الصناعة التحويلية وقد بلغ 20.7 بالمئة – "لكنه كان منخفضا عن النسبة التي سجلت في عام 1994 وبلغت 35.4 بالمئة".(24) ويخلص من ذلك إلى: " أن عملية الاستثمار رغم أنها أصبحت عالمية على نحو متزايد… مازال تراكم رأس المال ظاهرة وطنية في جوهرها."(25) وأكثر من ذلك أن أرقام الاستثمار الأجنبي المباشر أعطت انطباعا مبالغا فيه حول إمكانية نقل القدرات الإنتاجية فضلا عن نقل ملكيتها. وقد أثبتت أرقام منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (اليونكتاد) ملاحظة أشار إليها ريكاردو بيلوفيور في نهاية تسعينيات القرن العشرين. فقد تضمن الاستثمار الأجنبي في معظمه شراء مؤسسات قائمة، لا إنشاء مؤسسات جديدة، بحيث أن:
"تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في الصناعة يهيمن عليها عمليات الاندماج والاستحواذ... بدلا من إنشاء قدرات إنتاجية جديدة: كما أن قسما كبيرا من الاستثمار الأجنبي المباشر استثمار غير إنتاجي، في مجالات التمويل والمضاربات."(26)
ركزت معظم الشركات متعددة الجنسية استثماراتها في بلد صناعي متقدم محدد وفي البلدان المجاورة له، ثم اعتمدت على حجم الاستثمار نفسه، وعلى الأبحاث والتطوير والإنتاج هناك، حتى تحصل على ميزة على جميع منافسيها. والاستثمار الأجنبي الذي حدث فعلا لم يكن بالضرورة "عالميا" في طابعه. "فكان 66 بالمئة من إنتاج الفروع الخارجية للشركات الأمريكية" يباع "محليا"، بمعنى أنه يباع داخل حدود البلد المحدد الذي يوجد به مقر أحد الفروع."(27)
كان ذلك اتجاها يقطع مع الأساس الوطني الغالب في الإنتاج دون أن يتحول، رغم ذلك، إلى الصورة النمطية عن الإنتاج المعولم. فقد تسعى شركة متعددة الجنسية إلى التغلب على عقبات التصدير إلى بلد معين عبر إقامة مصانع لها داخل حدودها – على نهج يسميه كل من رويجروك وفان لولدر عملية العولمة الموقعية glocalization .(28) وحتى إذا انطلقت "بمصانع المفكات"المخصصة فقط لتجميع المكونات المستوردة من البلد الأم للشركة المتعددة الجنسية، فإنها تنتهي إلى التوجه نحو الشركات المحلية للحصول على المكونات. وتحقق الشركة المتعددة الجنسية ربحا بسبب أن الشركات المحلية تتحول فعليا إلى أطراف تابعة لها، تمدها بالموارد وتقاتل من أجل مصالحها ضد المنافسين المحليين والإقليميين. بل إنها قد ترحب بإجراءات حمائية تتخذها الدولة التي تعمل بداخلها لأن ذلك سوف يحمي مبيعاتها من المنافسين العالميين.
أخفق منظرو العولمة في إدراك هذه التطورات. ومع ذلك فإنهم حاولوا في الأغلب تدعيم حجتهم عبر الإشارة إلى استثمارات مثل استثمارات شركات السيارات اليابانية في الولايات المتحدة وبريطانيا، والتي كانت تحديدا تتوافق مع هذه المسارات. وبنفس الطريقة، شددوا على "الإنتاج المرن" الذي يتميز به، مثلا، جزء من صناعة االملابس الإيطالية، وأساليب الإنتاج "الفوري" التي تصدرت في اليابان كنموذج للعولمة، رغم أنهما، كما يلاحظ مايكل مان بحق، يتعلقان بإنتاج محلي أو إقليمي لا بإنتاج معولم.(29)
إن عملية "التعهيد" عبر البحار التي تقوم بها شركات البلدان المتقدمة في أجزاء معينة من عمليات الإنتاج لديها أصبحت ظاهرة هامة، لكنها مازالت أضعف بكثير من الاعتقاد الشائع عنها. ففي بداية العقد الأول من الألفية، بلغت نسبة "المدخلات الأولية" (شاملة المواد الخام) 17.3 بالمئة من إجمالي الناتج بالولايات المتحدة.(30) وقدر كوشلين أن "التعهيد" بلغت نسبته "أقل من 4.8 بالمئة تقريبا من إجمالي المشتروات المحلية بالولايات المتحدة وأقل من 9 بالمئة تقريبا من الاستهلاك الواضح من السلع الصناعية."(31) وكشفت دراسة أخرى أن الانخفاض في "جداول أجور التوظيف بالصناعة" في بداية العقد الأول من الألفية لم "يتسبب فيه تدفق للواردات سواء من السلع أو الخدمات" وإنما كانت:
"بالأساس نتيجة لعدم كفاية النمو في الطلب المحلي مع وجود نمو قوي في الإنتاجية…وبقدر ما تسببت التجارة في تخفيض الوظائف في الصناعة، كان ضعف صادرات الولايات المتحدة بعد عام 2000، وليس الواردات، هو المسئول عن ذلك."(32)  
البنى المختلفة لرأس المال العالمي
إن النظريات الرائجة عن العولمة لم تبالغ في تقديرها لمدى قابلية رأس المال للحركة فحسب، وإنما أيضا قدمت صورة بها الكثير من التشوه لما تتضمنه هذه القابلية للحركة. وقد أوضح ألان روجمان أن من بين الشركات متعددة الجنسية الكبيرة:
"قليل جدا من الشركات "عالمية"، لديها استراتيجية "عالمية"، تعرف بالقدرة على بيع نفس المنتجات أو الخدمات في أنحاء العالم. بل إن جميع الشركات الخمسمائة الكبرى تقريبا تقوم على أساس إقليمي داخل أقاليمها الوطنية في "الثلاثي" أمريكا الشمالية، الاتحاد الأوروبي أو آسيا."(33)
إن نصف أكثر الشركات عولمة  في بداية العقد الأول من الألفية كانت لا تزال تعمل في أسواقها الإقليمية الوطنية – ومن بينها شركات فيفيندي، وبيرنو ريكار، ومؤسسة تومبسون، وستورا إنسو وأكزو نوبل، وفولفو، وشركة ABB، وفيليبس. وست شركات فقط من الشركات متعددة الجنسية تعمل بطريقة تشبه التوازن عبر ثلاث قارات على الأقل – وهي نستلة وهولسيم وروش ويونيليفر ودياجيو وشركة التبغ البريطانية الأمريكية.(34) ومعظم الشركات المملوكة لأجانب وتعمل في بلدان الاتحاد الأوروبي تنتمي إلى بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي، حيث كان الشكل المهيمن للملكية متعددة الجنسية "إقليميا"، وليس عالميا، مع "مسئولية الشركات التي تسيطر عليها الولايات المتحدة عن 4.5 بالمئة فقط من إجمالي القيمة المضافة في أوروبا."(35)
وقد خلص تشورتارياس وبلاجيديس في 2004 إلى أن:
"معظم الزيادة في تدفقات التجارة الدولية تنحصر فيما بين الكتل التجارية الثلاث المتطورة من الاقتصاد العالمي (الولايات المتحدة الأمريكية  والاتحاد الأوروبي و آسيا-اليابان). ويستمر جزء كبير من العالم مستبعدا من الازدهار التجاري. إن الواقع الناشئ هو عملية من الاندماج الإقليمي (أي أقلمة) لمجموعات أو كتل محددة من البلدان أكثر منها زيادة عالمية في تدفق التجارة العابرة للحدود وتداخل العملية الإنتاجية."(36)
 ورأى الاثنان أن "التجارة لم تبلغ بعد حد الانتشار على نطاق أوسع من البلاد، حتى بالمقارنة مع الماضي. ويكفي أن نتذكر أن واردات البلاد المتقدمة من البلاد النامية مازالت تبلغ نحو 2 بالمئة فقط من مجموع إجمالي الناتج المحلي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)."(37) وكان الاستثناء الوحيد هو شرق آسيا، التي ستصبح أكثر أهمية بعد إجرائهما الدراسة مع نهاية القرن – فبحلول عام 2005 كانت صادرات الصين قد توسعت حتى بلغت أكثر من 7 بالمئة من إجمالي التجارة العالمية.
كان تدفق الاستثمارات كذلك يتركز داخل "الثلاثي" أمريكا الشمالية وأوروبا واليابان. فخلال الفترة من عام 2002 وعام 2004 بلغ متوسط تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الاتحاد الأوربي نحو 300 مليار دولار سنويا. وبلغ إجمالي التدفقات في بقية العالم – أي "البلدان النامية" – 180 مليارا فقط، حصلت الصين (بما فيها هونج كونج) منها على الخمسين، وحصلت البرازيل والمكسيك على الخمس. كما أن نحو 89 بالمئة من المخزون التراكمي لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عالميا في عام 2004 كان في اقتصاد البلدان المتقدمة (نفس النسبة تقريبا في عام 1990)، وكان ثلثا هذه النسبة في أوروبا.(38)
لم يكن النمط السائد نمطا لتدفق سلس لرأس المال على امتداد عالمي متناغم. بل كان نمطا "متعرجا وعرا" يتركز في بعض البلدان والأقاليم، بطريقة لم تكن تدركها النظرة الفجة عن العولمة تماما، ولا التفسيرات التي أكدت على التكتلات الإقليمية، ولا تلك التي مازالت تتحدث فقط من منظور الاقتصادات القومية. إن المادة الإمبريقية يمكن النظر إليها بطرق مختلفة – تماما كما يمكن النظر إلى زجاجة باعتبارها نصف ممتلئة أو نصف فارغة. لكن واقع الرأسمالية يكمن في أنها لا يمكن اختزالها إلى وجه واحد من هذه الأوجه.
إن الشركات المختلفة تعمل على مستويات مختلفة. فبعض الشركات، وهي الغالبية من الناحية العددية البسيطة، مازالت تعمل داخل اقتصادات وطنية وتمد من داخلها أذرعا لها لترى ما يمكن أن تربحه من خلال البيع والشراء مع جيرانها. وشركات أخرى، عددها أقل ولكنها أقوى كثيرا، عملت على أساس إقليمي على نحو متزايد وتمددت خارجيا حتى تقتنص ما تستطيع في مناطق أخرى من العالم. وأقلية صغيرة من الشركات رأت أن مستقبلها في ظروف عولمية حقيقية. وحيث أن رؤوس الأموال في كل مستوى من هذه المستويات الثلاث كانت تبيع وتشتري، وتتحرك من أجل توسيع أسواقها، وتبحث عن مدخلات أرخص للإنتاج ومناطق أكثر ربحا للاستثمار، فقد أثر كل منها في الآخر وكذلك ارتطم كل منها بالآخر. لم تكن حصيلة ذلك نموذجا جديدا من نوع ما، وإنما كانت نموذجا سريع التغير والتحول باستمرار، يختل ويفسد كلما بدا على وشك تحقيق بعض الثبات. "فكل ما هو صلب" قد "ذاب في الهواء" كما قال ماركس – ولكن ليس بالطريقة التي تتبناها النظرية الفجة في العولمة. لأن رفيقة رأس المال القديمة، أي الدولة، كانت تتدخل في هذه العملية عند كل نقطة فاصلة.
الدول ورؤوس الأموال في عصر "العولمة"
إن جميع الدول الرأسمالية المتقدمة مازالت تحافظ على مستويات تاريخية عالية جدا من إنفاق الدولة، لم يجر تجاوزها تاريخيا إلا في زمن الحرب الشاملة. ورغم أن قطاع الشركات يشكو كثيرا من حجم الضرائب، فإنه لا يطرح العودة جديا إلى مستوى الإنفاق منذ قرن مضى. وسبب ذلك أن رؤوس الأموال اليوم، أبعد من أنها لا تحتاج إلى الدول، بل تحتاجها بنفس درجة احتياجها لها من قبل إن لم يكن أكثر.
فأولا تحتاجها لأن استمرار تركز رؤوس الأموال في مواقع جغرافية معينة يتطلب مرافق لا تتوفر تلقائيا من خلال نشاط السوق: مثل الشرطة، والنظام القضائي، وإطار يحد من غش بعض رؤوس الأموال من قبل أخرى، وتنظيم يضمن الحد الأدنى على الأقل لنظام الائتمان، وتوفير عملة تتسم بالاستقرار بهذا القدر أو ذاك. وبالإضافة إلى ذلك، تحتاج رؤوس الأموال أيضا بعض الوظائف التي تقوم بها الدولة خلال فترة الاقتصاد الموجه من الدولة: مثل تنظيم سوق العمل، وضمان إعادة إنتاج الجيل التالي من قوة العمل، وتوفير البنية الأساسية للنقل والاتصالات والمياه والكهرباء، وطرح العقود العسكرية. حتى الشركات متعددة الجنسية الكبيرة، التي يقع نصف إنتاجها ومبيعاتها أو أكثر في الخارج، مازالت تعتمد على نشاطها في مقرها الوطني في تحقيق أرباحها الأساسية، وبالتالي تعتمد على ما تستطيع الدولة أن تقدمه لها.  
علاوة على هذه الوظائف، تستمر أي دولة بتقديم دعم هائل لعملية التراكم المحلي لرؤوس أموالها – كان ذلك صحيحا منذ زمن طويل قبل التوجه الأخير نحو الكينزية. وبالتالي لعب البنتاجون دورا رئيسيا في إحياء صناعة الرقائق الإلكترونية الأمريكية في أواخر ثمانينيات القرن العشرين عبر ممارسة الضغوط على الشركات للاندماج فيما بينها وللاستثمار والابتكار(39) – وتلقى في ذلك تأييدا قويا من القطاع الصناعي:
أوضح هاك وورث من شركة سيركاس لوجيك: "أن وجود نوع من الرؤية المركزية ضروري في الاقتصاد العالمي اليوم." ووافقه كوريجان من شركة إل إس أي لوجيك قائلا: "من الضروري أن يكون لدى أحدهم استراتيجية صناعية لهذا البلد."(40)
كانت نتيجة تلك الاستراتيجية أن أكبر شركة لصناعة أشباه الموصلات في العالم بحلول نهاية تسعينيات القرن العشرين لم تكن شركة إن إي سي (اليابانية) وإنما شركة إنتل (الأمريكية)، مع حلول شركتي موتورولا وتكساس إنسترامنتس (وهما أمريكيتان) في المركزين الثالث والخامس. كما نجحت الدولة في الولايات المتحدة في تحقيق ترشيد مماثل لصناعة الطيران الأمريكية، والذي  توج باندماج شركتي بوينج وماكدونل دوجلاس في شركة واحدة سيطرت على 60 بالمئة من مبيعات الطائرات المدنية عالميا، وضخت إنتاجا من الطائرات العسكرية بلغ في ضخامته ضعف إنتاج صناعة الطيران الأوروبية كلها. وكما قالت جريدة نيويورك تايمز "إن إدارة الرئيس كلينتون نجحت بقدر كبير في تحويل العقود العسكرية الأمريكية إلى أدوات تجعل الاقتصاد أكثر تنافسية عالميا."(41)
إن تدويل نشاط الشركات يؤدي إلى زيادة اعتمادها على دعم الدولة، وليس العكس، من ناحية شديدة الأهمية. فالشركات تحتاج إلى حماية لمصالحها العالمية. وتصبح مجموعة كبيرة من الأمور أكثر أهمية بالنسبة لها مما كانت في العقود الأولى التي أعقبت الحرب: مثل إجراء المفاوضات التجارية لدخول أسواق جديدة، وأسعار الصرف بين العملات، وتخصيص العقود من قبل الحكومات الأجنبية، والحماية ضد مصادرة الأصول الأجنبية، والدفاع عن حقوق الملكية الفكرية، والإلزام بسداد الديون الخارجية. ولا توجد دولة عالمية تتولى القيام بهذه المهام. ولذلك أصبحت قدرة أي دولة قومية على إجبار الدول الأخرى على احترام مصالح رؤوس الأموال المنتمية إليها أكثر أهمية، وليست أقل.
إن تعويم أسعار الصرف بين العملات الرئيسية يعني أن قدرة أي حكومة على التأثير على قيمة عملتها الخاصة قد يكون لها تأثير هائل على القدرة التنافسية عالميا للشركات التي تعمل داخل حدودها. وقد اتضح ذلك، على سبيل المثال، في "اتفاق بلازا" لعام 1985، عندما أقنعت الولايات المتحدة حكومات أوروبا واليابان بالتعاون معها في زيادة قيمة الين أمام الدولار. وفي أعقاب ذلك حققت مبيعات الشركات الأمريكية عالميا "أسرع معدلات نمو لها خلال فترة ما بعد الحرب، لتنطلق محلقة بمعدل سنوي بلغ 10.6 بالمئة بين عامي 1985 و 1990."(42) كما اتضح مرة أخرى عندما أعطى القرار السياسي للحكومة التي وصلت إلى السلطة في أعقاب الانتفاضة الأرجنتينية في ديسمبر 2001 بتخفيض العملة بنسبة 75 بالمئة دفعة هائلة لرؤوس الأموال الزراعية والصناعية التي تعمل داخل البلاد.(43)
إن تغيرا في أسعار الصرف يغير كمية القيمة العالمية التي تحصل عليها شركة تعمل داخل اقتصاد وطني ما مقابل العمل الذي استخدمته في إنتاج السلع. وكما يشرح ديك برايان:
"إن سعر الصرف أحد المحددات الهامة في توزيع فائض القيمة بين رؤوس الأموال… ولأن الدول القومية تضطلع بمسئولية التناسب العالمي لعملاتها، فإن العولمة … لا تتعلق بتقويض البعد القومي لعملية التراكم. في الواقع، إن العولمة لا تعني حتى أن البعد القومي يظل "عالقا" في عملية من التحلل البطئ. فالتراكم على المستوى العالمي يعيد فعليا إنتاج البعد القومي، وإن كل يفعل ذلك بطرق مختلفة عن العهود السابقة."(44)
ومرة أخرى، تتضح نفس الأهمية المركزية للدول في مفاوضات التجارة الدولية التي تجرى من خلال منظمة التجارة العالمية. حيث تجتمع الدولة كممثلة لرؤوس الأموال التي تتجمع داخل حدودها. ولإن الشركات المختلفة لديها مصالح مختلفة، سوف تتطلع إلى الدول التي تملك تأثيرا عليها لتحقيق هذه المصالح. ينطبق ذلك تماما على الشركات التي تسعى إلى تحقيق هيمنة عالمية عبر التجارة الحرة مثلما ينطبق على تلك الشركات التي تميل نحو الحمائية. فكلها تعتمد على دولتـ"ـها" في إقناع دول أخرى حتى تتركها تحقق مآربها. لذلك فإن دولة الولايات المتحدة سلاح جوهري لشركات مثل مايكروسوفت وجلاكسوسميث كلاين أو مونسانتو في الحصول على مدفوعات الإتاوة الضخمة التي تأتيها من اعتراف العالم بحقوق الملكية الفكرية لصالحها. وبنفس الطريقة فإن السلطة المالية التي تمارسها من خلال صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تضمن القروض الخارجية التي تقدمها البنوك الأمريكية – كما تساعد الشركات الصناعية التي تتخذ مقرها في الولايات المتحدة على التربح من الأزمات التي تواجه دولا أصغر، كما حدث عندما سيطرت كل من شركة فورد وشركة جنرال موتورز على اثنتين من شركات السيارات الكورية في فترة الأزمة الآسيوية.(45)
كما أن الاندماجات الدولية لا تبرهن على تدهور أهمية الدول. فأحد جوانب جدوى هذه الاندماجات أن تصبح الشركة متعددة الجنسية قادرة على مد نفوذها من دولتها الأم إلى دول أخرى. وتقوم الشركات الأمريكية واليابانية بالاستثمار في بلدان أوروبا الغربية حتى تكون قادرة على "اجتياز" الحدود الوطنية وبالتالي التأثير على سياسات هذه الدول والمجموعة الأوربية من الداخل؛ ومن هنا يأتي مشهد الشركات الأمريكية متعددة الجنسية في أوائل تسعينيات القرن الماضي، مثل شركتا فورد وجنرال موتورز، وهي تمارس ضغوطا على الحكومات الأوروبية لتتخذ إجراءات تحد من استيراد السيارات اليابانية؛ ومن هنا يأتي كذلك مشهد الشركات اليابانية وهي تتفاوض مع الدولة البريطانية للحصول على دعم لإقامة مصانع لتجميع السيارات. إن الشركة العملاقة لا تقطع علاقتها مع الدولة، بل إنها تكثر من عدد الدول – وشبكات الرأسمالية الوطنية – التي ترتبط بعلاقات معها.
يتضح استمرار أهمية تلك العلاقات أكثر ما يتضح أثناء الأزمات الاقتصادية والمالية. لأن الدول وحدها هي من تستطيع تعبئة الموارد اللازمة لمنع إفلاس بنك أو شركة عملاقة – ومنعها أن تجر معها نحو الانهيار مجمعات مالية أو صناعية كاملة. إن تاريخ هذه الأزمات منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين هو تاريخ قيام الدول بإنقاذ الشركات المأزومة أو ممارسة ضغوط على بعض الشركات للقيام "بعمليات للإنقاذ" حتى تحافظ على تعويم الشركات الأخرى. ولأن مرحلة العولمة هي مرحلة من اندلاع أزمات أكبر كثيرا من أزمات عقود ما بعد الحرب، فإن اعتماد الشركات على الحكومات في "عمليات الإنقاذ" تلك يزيد كثيرا عما سبق. وكما سنرى في الفصل القادم، كشفت عملية تحويل أزمة الائتمان لعام 2007 إلى الأزمة المصرفية الكبرى في عام 2008 إلى أي مدى أصبح هذا الاعتماد كبيرا.  
إن الخلاصة العامة يجب أن تكون أن الشركات، سواء متعددة الجنسية أو شركات أخرى، لا تعتبر وجود دولة تدافع عن مصالحها فكرة تجاوزها الزمن تقوم على الحنين إلى الماضي، بل ضرورة عاجلة تنبع من موقفها التنافسي القائم حاليا.
لم يكن النظام الذي أعقب رأسمالية الدولة التي سادت في منتصف القرن العشرين نوعا من رأسمالية بلا دولة، بل كان نظاما تعتمد فيه رؤوس الأموال على دولـ"ـتها" قدر اعتمادها من قبل، ولكنها تسعى إلى الانتشار خارجها لإقامة علاقات مع رؤوس أموال ترتبط بدول أخرى. وفي سياق هذه العملية، أصبح النظام ككل أكثر فوضوية. فليس الوضع كما لو أن شركات منفردة لديها مطالب بسيطة تطرحها ببساطة على دول منفردة. لأن شركة تعمل على نطاق دولي، فإن أحد أقسامها قد يقيم علاقات مع دولة بعينها ومجموعات رأس المال المرتبطة بها، بينما أقسام أخرى لنفس الشركة ربما تقوم بإقامة علاقات أخرى مع دول أخرى ومجموعات رأس المال بها. كما أن أجهزة دولة معينة ربما تفقد كثيرا من تناغمها عندما تحاول أجزاء منها أن تلبي مطالب رؤوس أموال مختلفة تتنافس فيما بينها. إن الخطط العالمية والإقليمية والوطنية، وكذلك الخطط المحلية في حالة الدول الكبيرة (لتجمعات جغرافية معينة لرؤوس الأموال المحلية)، تصطدم مع بعضها الأخرى، فينتج عن ذلك احتكاك – وفي بعض الأحيان شروخ عميقة – داخل البنية السياسية-الاقتصادية الوطنية. وهذا ما حدث خلال الأزمة طويلة الأمد داخل الحزب التقليدي للطبقة الحاكمة في بريطانيا، أي حزب المحافظين، على مدى تسعينيات القرن العشرين والعقد الأول من الألفية: فكانت نزاعاته تعكس صداما بين من اعتبروا أن مستقبل الرأسمالية البريطانية مرتبط بالولايات المتحدة ومن رأوا أن مستقبلها يعتمد على الاندماج في أوروبا (وهو الصدام نفسه الذي يعكس وضع الرأسمالية البريطانية في أن غالبية تجارتها مع أوروبا بينما نصف استثماراتها الخارجية في الولايات المتحدة).
إن أولئك الذين يعتبرون الدول القومية أثرا من آثار الماضي غالبا يتحدثون عن ظهور "طبقة رأسمالية عالمية" سيكون لها كأمر مرتبط بها "دولة رأسمالية عالمية"(46). وهؤلاء يعجزون عن الإدراك الحقيقي لفكرة ماركس القائلة بأنه عندما "لا تعود المسألة مسألة مشاركة في الأرباح، وإنما اقتسام الخسائر … تتحول الأخوة العملية للطبقة الرأسمالية إلى معركة بين أخوة أعداء"، نتيجتها "تحسمها القوة والخداع."(47) وعندما يتعلق الأمر باستخدام القوة، فإن الدولة القومية أداة جاهزة للاستخدام. إن الصراع بين الدول، بدرجة تزيد أو تقل، نتيجة حتمية عندما تصبح المنافسة الاقتصادية مسألة حياة أو موت بالنسبة للشركات العملاقة. وهذه حقيقة قائمة في الحاضر كما كانت قائمة في عصر لينين وبوخارين، حتى وإن كان وضع الارتباط الداخلي بين دوائر التراكم الرأسمالي قوميا وإقليميا وعالميا يؤثر على كيفية استخدام هذه الأداة.
ومازالت هذه الممارسة للضغوط بواسطة دول على دول أخرى تتطلب تعبئة "لهيئات كبيرة من الرجال المسلحين"، يدعمها إنفاق هائل على المعدات العسكرية – بالتوازي مع تلك الوسائل "غير العنيفة" مثل المساعدة الاقتصادية، والحظر التجاري، وعرض علاقات تجارية مميزة، والرشوة الفجة. في كثير من الأحيان قد يكون هذا الدور خاملا لا نشطا. فالقوة التي تحافظ على درجة معينة من التأثير والنفوذ قد لا تنشأ الحاجة لاستخدامها طالما أن أحدا لا يجرؤ على تحديها – كما هو الحال بالنسبة لخطر التدمير المتبادل والمؤكد بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الذي منع تقدم أي منهما في مناطق نفوذ الأخرى في أوروبا أثناء الحرب الباردة. مرة أخرى، قد تلعب القوة دورا غير مباشر بدلا من الدور المباشر مثل تهديد الولايات المتحدة الضمني لقوى أوروبا الغربية واليابان بعدم مساعدتها عسكريا أثناء سنوات الحرب الباردة إلا إذا امتثلت للأهداف الأمريكية. غير أن عنف الدولة ظل عاملا ضروريا في خلفية المشهد في تلك الحالات. وفي ذلك تكمن استمرارية الإمبريالية التي حللها كل من لينين وبوخارين. وحتى في الوقت الراهن، فإن حكام روسيا والصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية – وفي هذا الشأن أيضا حكام بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة – يعتبرون أن امتلاك الأسلحة النووية هو خط الدفاع الأخير النهائي ضد أعدائهم.
ليس التفاعل بين القوى العظمى ذلك التوافق السلمي بين الأمم الذي يحلم به بعض حواريي الليبرالية الجديدة وحرية التجارة. فهناك مصالح متناقضة، مع وجود القوة العسكرية لتتعامل معها كسلاح وملاذ أخير. غير أن فرقا يظل قائما بين الوضع الحالي والعقود الأربعة الأولى من القرن العشرين. فالأوضاع خلال تلك العقود انتهت إلى حروب ألحقت الدمار بعقر ديار القوى العظمى. وقد أدت التوترات منذ عام 1945 ألى تراكم أكوام هائلة من الأسلحة التي من الممكن إطلاقها ضد مراكز القوى العظمى. لكن الحروب الساخنة كانت تخاض خارجها، وعادة في مناطق العالم الثالث.
أحد أسباب ذلك كان أثر "الردع"، أي الخوف من أن شن الحرب على أي قوة نووية سوف يؤدي إلى تدمير الاقتصاد المحلي بأكمله وكذلك معظم الشعب. سبب آخر كان التداخل ذاته فيما بين الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة الذي يمثل ضغطا على الدول لاستخدام القوة خارج حدودها الخاصة. فقليل جدا من الرأسماليين يريدون من دولتهم الوطنية أن تدمر أجزاء ضخمة من ممتلكاتهم في دول أخرى – ومعظم هذه الممتلكات تكون في بلدان رأسمالية متقدمة أخرى.
لا يستبعد ذلك اندلاع الحرب استبعادا كاملا. فقد كان الاقتصاد الرأسمالي على درجة عالية من التدويل في عام 1914، لكن ذلك لم يمنع من اندلاع حرب شاملة. ومرة أخرى في عام 1941، لم يمنع وجود مصانع فورد ومنافذ كوكاكولا في ألمانيا إعلان الولايات المتحدة الحرب بعد واقعة ميناء بيرل هاربور. غير أن ذلك يجعل لدى الدول حافزا على تجنب هذه الصراعات إذا استطاعت – وأن تسوي الخلافات بينها في مناطق أخرى من العالم أقل تصنيعا. ومن هنا، كانت السنوات منذ عام 1945 تتسم باندلاع حرب بعد أخرى، ولكن بعيدا عن أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية واليابان. وكانت الحروب في أغلب الحالات "حروبا بالوكالة" بين أنظمة محلية تدين بهذا القدر أو ذاك بولاء لقوى عظمى معينة، وإن كانت غير تابعة لها تبعية كاملة.
كان ذلك هو المنطق الذي دفع الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن العشرين إلى تقديم دعم ضمني للعراق في حربه الطويلة ضد إيران وإلى إمداد المجاهدين الذين يحاربون الاحتلال الروسي لأفغانستان بالأسلحة الحديثة. وقد تحقق منطق شبيه في البلقان في تسعينيات القرن العشرين عندما أدت محاولة النمسا الحصول على مكاسب من استقلال سلوفينيا عن يوغسلافيا إلى تشجيع ألمانيا استقلال الكروات ثم تشجيع الولايات المتحدة استقلال البوسنيين، حتى وإن كانت نتيجة ذلك حتما اندلاع صراع عرقي مرير.
كانت أشد المعاناة سوءا  نتيجة حروب الوكالة ربما في أفريقيا. فخلال العقد ونصف العقد الأخير من الحرب الباردة دعمت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي أطرافا متصارعة في الحروب والحروب الأهلية كجزء من مساعيهما للفوز بمزايا استراتيجية على بعضهما الآخر. وفي تسعينيات القرن الماضي تنافست الولايات المتحدة وفرنسا على النفوذ في إفريقيا الوسطى. فقد دعمتا أطرافا متصارعة في الحرب ومعها الحرب الأهلية التي اندلعت في المناطق الحدودية من تنزانيا ورواندا وبوروندي والكونغو زائير. وقد ساعدتا في إطلاق كارثة نتج عنها إجمالا ثلاثة أو أربعة ملايين قتيل. في هذه المواقع برزت جيوش تعمل لحسابها الخاص وكان قوادها يقلدون القوى الإمبريالية الكبرى على مستوى صغير وذلك بشن الحروب من أجل تحقيق الثراء لأنفسهم. وكانت الامبريالية تعني تشجيع الحكام المحليين للانخراط في أشد الحروب والحروب الأهلية دموية – ثم في بعض الأحوال إرسال قوات غربية حتى تفرض " السلام" عندما تبلغ الفوضى درجة تهدد بالإضرار بالمصالح الغربية. إن التناقضات التي تنشأ عن العداءات الإمبريالية البينية عند الدول الرأسمالية المتقدمة بهذه الطريقة تأتي بأعنف صور الدمار في المناطق الأفقر من العالم.
من حقبة الأزمة الجديدة إلى الإمبريالية الجديدة
كان نمط الإمبريالية القديم يتمثل في تحالفات من دول ذات مستويات متقاربة من القدرات العسكرية أو الاقتصادية تدخل في مواجهة مع بعضها الأخرى. أما اليوم فهناك تفاوت كبير حتى بين الدول الأكبر عندما يتعلق الأمر بقدرتها على دفع مصالح رؤوس الأموال المحلية القائمة داخلها. في قمة هذه التراتبية هي الدولة التي تمتلك القدرة الأعظم على تحقيق مأربها، أي الولايات المتحدة. وفي أدناها الدول شديدة الضعف، التي تأمل في أن تستطيع أن تحصل على مزايا من الدول التي تعلوها. أما الدول التي تقع في الوسط فإنها تتنقل بين التشاحن مع بعضها البعض حول موقعها في النظام التراتبي العالمي أو تشكيل أحلاف مؤقتة أملا في فرض تنازلات على الدول التي تعلوها في هذه التراتبية.
إن هذه التراتبية لا يمكن أن تكون مستقرة. فالتفاوت في معدلات النمو الاقتصادي (أو الانكماش أحيانا) في حقبة من الأزمات المتكررة يعني أن ميزان القوى بين مختلف الدول يتغير دائما، ما يؤدي إلى التنافس على إظهار القوة بين تلك الدول التي تريد أن تتقدم إلى مكانة أعلى في هذه التراتبية وتلك التي تريد أن تبقي عليها في مواضعها. تتورط الدول الضعيفة في صراعات مع جيرانها، ما يجر إليها الدول القوية التي تتحالف معها، بينما الدول القوية تجد في التدخل الرمزي في الدول الضعيفة "المارقة" سبيلا للحصول على ميزة على دول قوية أخرى.
ويأتي أكبر مصدر لعدم الاستقرار من مساعي الولايات المتحدة إلى تعزيز موقعها في صدارة النظام التراتبي العالمي بصورة دائمة. وقد بدا هذا الموقع حصينا ومنيعا في نهاية الحرب العالمية الثانية. غير أن الولايات المتحدة في العقود التالية خشيت من تحديات متعاقبة من دول أخرى كانت تنمو بوتيرة أسرع كثيرا من نموها. فكان ينظر إلى روسيا كتهديد اقتصادي (وكذلك عسكري) في خمسينيات القرن الماضي، وإن بدا ذلك حاليا ضربا من العبث، وكانت اليابان هي التهديد في ثمانينيات القرن العشرين، ومؤخرا أصبحت الصين مصدر الخطر. إن إصرار الولايات المتحدة على عدم خسارة موقعها يفسر هذا المستوى الهائل في إنفاقها على السلاح والحروب التي أشعلتها في الجنوب العالمي.
وقد بدأ حجم المشكلات التي واجهتها يضربها في الداخل أولا في أواخر ستينيات القرن العشرين عندما اكتشفت الطبقة الحاكمة الأمريكية أنها لا تستطيع أن تتحمل التكلفة المتصاعدة لمحاولة تحقيق نصر شامل في فييتنام. أصبح تاريخ الرأسمالية الأمريكية مذاك وإلى حد كبير تاريخا لمحاولات استعادة موقعها القديم، في خضم عالم يتسم بتكرار الأزمات الاقتصادية وتدهور عام في معدلات التراكم. وتضمنت هذه المحاولات مراحل متبادلة من تخفيض الإنفاق على السلاح كنسبة من إجمالي الناتج في محاولة لتخفيف الصعوبات الاقتصادية (من أواخر ستينيات القرن العشرين حتى أواخر السبعينيات، ومن أواخر الثمانينيات وحتى عام 2000)، إلى زيادة الإنفاق العسكري اعتقادا بأن ذلك قد يعزز القوة العالمية للولايات المتحدة وكذلك أداء شركات أمريكية بعينها (في أوائل ومنتصف ثمانينيات القرن العشرين، ومن عام 2000 حتى عام 2008). وفي جميع هذه المراحل حققت دولة الولايات المتحدة بعض المكاسب لصالح رؤوس الأموال التي تعمل داخلها. لكن هذه المكاسب لم تكن كافية في أي مرحلة من المراحل لتعويض تدهورها النسبي على المدى الطويل تعويضا كاملا.  
ربما كان ينتظر من نهاية التحدي العسكري من الاتحاد السوفييتي والتحدي الاقتصادي من اليابان أن يستعيد ثقة الطبقة الحاكمة للولايات المتحدة في قوتها العالمية في تسعينيات القرن العشرين. لكن القلق كان يساور استراتيجييها بشأن المستقبل. كان منطقهم أن غياب الخوف من الاتحاد السوفييتي الذي يجعل القوى الأوروبية تلتزم الصف، يرجح أن تقاوم هذه القوى مطالب الولايات المتحدة أكثر مما في الماضي – كما تبين من خلال المفاوضات شديدة الصعوبة في جلسات منظمة التجارة العالمية. وفي الشرق كان نمو الاقتصاد الصيني يحتل مكان التحدي السابق من قبل اليابان. وقد عبر هنري كيسنجر كتابة عام 1994 عما يساوره من قلق، قائلا:
"إن موقف الولايات المتحدة من الناحية الفعلية ليس أفضل من موقفها في بداية الحرب الباردة من حيث قدرتها على أن تقوم منفردة بإملاء الأجندة العالمية… سوف تواجه الولايات المتحدة منافسة اقتصادية من نوع لم تشهده أبدا خلال الحرب الباردة… فالصين في سبيلها لأن تبلغ مكانة القوة العظمى… وسوف يقترب إجمالي الناتج القومي للصين من مستوى الناتج القومي للولايات المتحدة بحلول نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. وقبل ذلك بفترة طويلة سوف تلقي الصين بظلها على آسيا."(48)
وأكثر من ذلك أن خمسة وعشرين عاما من زيادة تدويل عمليات التمويل والاستثمار والتجارة والإنتاج جعلت الولايات المتحدة عرضة لتأثير أحداث تقع وراء حدودها. وتحتاج شركاتها الكبرى متعددة الجنسية إلى نوع من السياسة تمكن قوة الدولة الأمريكية من السيطرة على هذه الأحداث. وبالفعل، مع اقتراب انتهاء إدارة كلينتون كانت هناك تحركات باتجاه سياسة خارجية أكثر شراسة أعدت لتحقيق ذلك، مع الاندفاع في توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) داخل أوروبا الشرقية، غير أن ذلك لم يكن كافيا بالنسبة لمجموعة من السياسيين الجمهوريين ورجال الأعمال والأكاديميين – في مشروع المحافظين الجدد سيء السمعة، "مشروع القرن الأمريكي الجديد"، الذي تشكل في أواخر تسعينيات القرن الماضي.  وكانت نقطة انطلاقهم هي الإصرار على أن السبيل إلى وقف "تدهور القوة الأمريكية" هو العودة إلى سياسة "ريجانية" تقوم على زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري، وبناء نظام دفاع صاروخي، وتحرك للتعامل مع "التهديدات" الآتية من "الديكتاتوريات" في الصين وصربيا والعراق وإيران وكوريا الشمالية.(49) "بعد أن قادت الغرب إلى الانتصار في الحرب الباردة، تواجه أمريكا فرصة وتحديا. ونحن الآن أمام خطر تبديد هذه الفرصة والإخفاق في مواجهة التحدي."(50)
انتصار الجمهوريين في انتخابات عام 2000، ثم حالة الذعر القومي التي تسبب فيها تدمير برجي مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر منحا المحافظين فرصة لتطبيق سياستهم.         
وقد بلغت هذه السياسة في الممارسة حد زيادة بناء القوة العسكرية للولايات المتحدة – ثم استخدامها لتأكيد وتدعيم هيمنتها العالمية ضد جميع القادمين الجدد. وكان الهدف من زيادة الإنفاق على السلاح وتخفيض الضرائب تخفيضا هائلا لصالح الأغنياء إخراج الولايات المتحدة من الركود الاقتصادي، تماما كما فعلت سياسة "الكينزية العسكرية" لريجان قبل ذلك بعشرين عاما. فزيادة الإنفاق على السلاح سوف تؤدي إلى الانتعاش من الركود، وتعزيز المنح العسكرية لتمويل التقدم التقني في شركات الكمبيوتر والبرمجيات والطيران، وإلى زيادة القدرة على إملاء السياسات على طبقات حاكمة أخرى – وكل ذلك تسدده زيادة أكبر في تدفقات الاستثمار إلى الولايات المتحدة إذ تقوم باستعراض قوتها الفائقة. كان الهدف أن تحقق الولايات المتحدة ما هو أكثر من التعويض عن خسارتها ريادتها السابقة في المنافسة في السوق عبر استخدام الأداة الوحيدة التي تملكها ولا تملكها القوى الأخرى – أي القوة العسكرية الكاسحة. وكان ذلك بمثابة نسخة محدثة من منطق الإمبريالية الذي وصفه بوخارين في أوائل عشرينيات القرن الماضي، مع فارق أن الدول الرأسمالية المنافسة لن يتم إجبارها على الرضوخ عن طريق شن حروب مباشرة ضدها، وإنما عن طريق الكشف عن قدرة الولايات المتحدة على ممارسة السلطة العالمية من خلال حروب تشنها هي والدول التابعة لها في جنوب العالم.
ومن هنا يأتي الهجوم على أفغانستان ثم، بعد ثمانية عشر شهرا، على العراق. كان "المحافظون الجدد" يعتقدون أن لديهم فرصة محكمة لاستعراض مدى القوة العسكرية الخالصة للولايات المتحدة ولزيادة سيطرتها على المادة الأولية رقم واحد في العالم، وهي النفط. وهذا ما سيضعف القدرة التفاوضية لدى دول أوروبا الغربية واليابان والصين، لأنها ستكون على الأقل جزئيا معتمدة على الولايات المتحدة في إمداداتها النفطية. وقام ذلك على افتراض أنها ستكسب الحرب عبر قليل من زيادة استعراض القوة الجوية الأمريكية بتكلفة قليلة جدا. وبدا أن ذلك سبيلا ناجعا إلى تحقيق الأهداف المشتركة عند من يديرون الشركات الأمريكية، وصوت الديمقراطيون في الكونجرس تأييدا للحرب.
وقد كانت مقامرة، أصبح واضحا بحلول ربيع 2004 أنها تسير إلى الفشل على نحو خطير. حققت الولايات المتحدة السيطرة على كابول وبغداد بسهولة ويسر. لكن قواتها على الأرض لم تكن قادرة على منع تصاعد المقاومة في العراق – وتنامي النفوذ الإيراني هناك. وخلال عامين آخرين، واجهت كذلك مقاومة كبيرة من حركة طالبان التي استعادت نشاطها في أفغانستان.
في بداية الأمر، بدا أن التحول نحو الكينزية العسكرية ناجح من الناحية الاقتصادية. وبصورة غير متوقعة، حدث انتعاش سريع من ركود عامي 2001-2002: "بلغ متوسط الإنفاق العسكري رسميا من عام 2001-2005 نسبة 42 بالمئة من إجمالي الاستثمار الخاص في غير أغراض السكن" و "الأرقام الرسمية… تستبعد الكثير مما ينبغي ضمه إلى الإنفاق العسكري."(51) كل ذلك وفر أسواقا، في المدى القصير، لقطاعات من الصناعة الأمريكية. غير أن المستوى المرتفع للإنفاق العسكري سرعان ما كشف عن نفس الآثار السلبية التي كشف عنها قبل ذلك أثناء حرب فييتنام وأثناء إدارة ريجان. فقد أدى إلى زيادة الطلب في الاقتصاد دون زيادة القدرة التنافسية العالمية إجمالا وهكذا تسبب في تضخم العجز التجاري وكذلك عجز الموازنة. وبحلول عام 2006، كان التزامن بين الارتفاع الكبير في التكاليف العسكرية ومخاطر الهزيمة في العراق يثير قلق قطاعات هامة من الطبقة الحاكمة. وأعرب تقرير صدر عام 2006 عن مجموعة دراسة العراق، التي ترأسها كل من جيمس بيكر القيادي الكبير في الحزب الجمهوري ولي هاميلتون وهو كذلك قيادي كبير في الحزب الديمقراطي، عن شديد الأسى لنزيف "الدم والثروة" مع تقدير للتكاليف التي تكبدتها رأسمالية الولايات المتحدة في مغامرة العراق بلغ في ضخامته نحو 1000 مليار جنيه استرليني (تعادل ناتج سبعة أشهر من الاقتصاد البريطاني).(52)
في نفس الوقت كانت دول أخرى – ورؤوس الأموال التي تنتمي إليها – قادرة على انتهاز فرصة الضعف الملحوظ للولايات المتحدة لتعزيز مواقعها الخاصة. فرفضت أهم دول غرب أوروبا وهما فرنسا وألمانيا تأييد حرب العراق في عام 2003 على خلاف موقفهما في حرب العراق في عام 1991. وقد رأت الدولة الفرنسية بخاصة في إضعاف نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط فرصة لدفع مصالح رأس المال الفرنسي في مناطق تصطدم فيها مصالحه مع مصالح رأس المال الأمريكي. وكانت الصين قادرة على الاستفادة من تورط الولايات المتحدة في العراق وفي أفغانستان في توسيع نفوذها الخاص، خاصة في إفريقيا وفي أمريكا اللاتينية. جرى ذلك بالتزامن مع نمو العلاقات التجارية حيث تطلعت إلى واردات المعادن من أفريقيا والواردات الزراعية من البرازيل والأرجنتين وتشيلي. وسرعان ما شرعت روسيا كذلك في تحريك عضلاتها التي ضعفت نوعا ما، بعد أن سمحت لها الزيادة في إيرادات النفط بأن تنتعش من الانهيار الاقتصادي في العقود السابقة وأن تمارس ضغوطا على بعض الجمهوريات السوفيتية السابقة الأخرى؛ وانتهزت إيران فرصة الانتكاسات الأمريكية لتعزيز قدراتها في العراق ولبنان؛ وشكلت مجموعة البريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا) تحالفا مؤقتا لدفع مصالحها التجارية المشتركة في مواجهة كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ما أدى إلى شلل جولة الدوحة للمفاوضات التجارية والتي كانت الشركات الأمريكية تأمل منها في الحصول على فرص أسهل للدخول في الأسواق الخارجية. واكتشفت الولايات المتحدة عندما شنت ثلاث من الدول التابعة لها حروبا من أجل أهداف تدعمها – إسرائيل في لبنان 2006، إثيوبيا في الصومال 2007، وجورجيا ضد أوسيتيا في 2008 – أنها لم تكن في وضع يجعلها قادرة على حماية هذه الدول من مواجهة الهزيمة.
المحللون الذين كانوا منذ فترة طويلة سابقة يصرون على أن انهيار الاتحاد السوفييتي خلف "عالما أحادي القطب" فيه قوة عظمى واحدة، بدأوا يتحدثون عن "تعدد الأقطاب"، فيه الولايات المتحدة لا تستطيع بلوغ مآربها إلا عبر تقديم تنازلات لقوى أخرى. بعضهم اعتقد أن ذلك يعني عالما أكثر سلمية. غير أن تعددية الأقطاب تعني عالما من الدول ورؤوس الأموال المرتبطة بها لديها مصالح مختلفة ومستعدة لفرضها على الأخرى عندما تحين لها الفرصة. إنها التعددية القطبية التي تتعزز فيها العوامل الضاغطة في الإمبريالية القديمة في نفس اللحظة التي يصبح فيها نجاحها أكثر صعوبة. وباختصار، إنه عالم محاصر بالعديد من الضغوط المتناقضة ومضطر، لذلك، على أن يشهد أزمة سياسية عنيفة بعد أخرى. وقد أصبح ذلك واضحا عندما مهد الوهم الاقتصادي العظيم الطريق أمام أزمة إقتصادية عظيمة.                                                                               

الأربعاء، 17 مايو 2017

رأسمالية الزومبي، كريس هارمان - الجزء الثالث "عصر جديد من الاضطراب العالمي"، الفصل التاسع "سنوات الوهم" - ترجمة رمضان متولي

الجزء الثالث
عصر جديد من الاضطراب العالمي

الفصل التاسع
سنوات الوهم
الدعاية الترويجية الجديدة
"كان انحسار تقلبات الاقتصاد الكلي واحدا من أكثر الملامح إثارة للدهشة في المشهد الاقتصادي على مدى ما يقرب من عشرين عاما ماضية،" هكذا أعلن بن برنانكه في عام 2004.(1) وهو الرأي الذي كان تبناه زمنا طويلا معظم الاقتصاديين والسياسيين من التيار السائد:
"تلقى أنصار النموذج الجديد تأييدا حذرا من وزير الخزانة بالولايات المتحدة لاري سومرز ورئيس الاحتياطي الفيدرالي ألان جرينسبان… وقد قال جرينسبان إن أداء الاقتصاد مؤخرا ليس أداء عابرا."(2)
وتحدثوا عن أطول فترة متصلة من النمو الاقتصادي الأمريكي لمدة أربعة عقود وأدنى مستوى من البطالة لثلاثين عاما. وكان يفترض فيها أنها فترة جديدة من التوسع الرأسمالي غير التضخمي لم يسبق لها مثيل، عمدت نظرية "الاعتدال العظيم"(The Great Moderation) أو "النموذج الاقتصادي الجديد". أما الكساد والبطالة والتضخم فقد جرى تجاوزها افتراضا.
وكان تفسير ذلك عند برنانكه يكمن في تعاظم قدرة الدول والبنوك المركزية على إدارة عرض النقود مقارنة بقدرتها في سبعينيات القرن العشرين. وكان يكمن عند آخرين في التكنولوجيا الجديدة التي ارتبطت بالمعالجات الدقيقة (microprocessors): 
"إن اقتصادا جديدا قد نشأ عن طفرة في الابتكار والاختراع، تصدرها اختراع المعالج الدقيق…ما فتح جميع قطاعات الاقتصاد على زيادة الانتاجية…إن النموذج الاقتصادي الجديد قدم لنا أفضل العوالم – منتجات ابتكارية، وظائف جديدة، أرباحا عالية، وأسهما محلقة، وتضخما منخفضا."(3)
وقد أجريت مقابلة بين التقدم الذي أحرزته ما تسمى "رأسمالية الأنجلو-ساكسون"، الذي يفترض أنه اعتمد على إطلاق "الحرية الاقتصادية" و"ريادة الأعمال"، ومعدلات النمو البطيئة في أوروبا والكساد في اليابان. وتباهى حزب العمال الجديد في بريطانيا بأنه يقتفي أثر نموذج الولايات المتحدة. وكانت عبارة "لاعودة إلى دورة الرخاء والأزمة" لازمة تتكرر في كل خطاب لعرض الموازنة يقدمه وزير المالية جوردون براون (الذي أصبح فيما بعد رئيسا للوزراء).
تلقى هذا الحماس ضربة أخمدته مؤقتا عندما امتدت الأزمة الآسيوية في 1997 إلى نحو 40 بالمئة من مساحة العالم. وتصدرت الفايننشال تايمز عناوين حول "الانهيار الاقتصادي" و "بناء على الرمال"، بينما بثت البي بي سي حلقات خاصة من برنامج نيوزنايت تحت عنوان "هل تنهار الرأسمالية؟". لكن حالة الذعر لم تدم طويلا. فخلال بضعة شهور كان النموذج الجديد يحلق عاليا مرة أخرى: وأصر كل من باتريك مينفورد، المستشار الاقتصادي السابق لمرجريت تاتشر، ومجناد ديزاي، المستشار الاقتصادي السابق لجوردون براون، في سجالات لهما في أواخر عام 1998، أن كل ما حدث كان عاصفة عابرة لا أهمية لها، وأن جميع المشاكل قد جرى حلها عبر تدخل سريع من الاحتياطي الفيدرالي للولايات المتحدة.(4) تجددت حالة الذعر الوجيزة مرة أخرى في صيف عام 2001 عندما دخلت الولايات المتحدة في ركود. وقالت مجلة الإيكونومست "إن الاقتصاد العالمي يبدأ بصورة ملحوظة في أن يبدو هشا على نحو خطير." وقالت الفايننشال تايمز إن "الصناعيين والمصرفيين لم يكلفوا أنفسهم خلال اجتماعهم السنوي على ضفاف بحيرة كومو عناء إخفاء سيطرة التشاؤم عليهم."(5) ولكن سرعان ما تدخلت حالة فقدان الذاكرة المؤقت (amnesia) مرة أخرى وكان المعلقون الاقتصاديون يصفون الصدمة الاقتصادية التي مرت عليها أشهر قليلة بــ "الركود الذي انتهى قبل أن يبدأ"(6) – وذلك رغم، أو ربما بسبب، فقدان سدس العمال في قطاع الصناعة وظائفهم في الولايات المتحدة. وأدت عودة النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة إلى موجة من التفاؤل أكبر كثيرا من السابقة. واستطاع صندوق النقد الدولي أن يعلن سنة بعد أخرى تصورا عن مستقبل من النمو الاقتصادي السريع. وهكذا، في أبريل 2007، ورد في بيان صحفي نمطي لصندوق النقد الدولي حول أحدث تقاريره العالمية أن "الاقتصاد العالمي يمضي في مسار مواصلة النمو القوي." عدد قليل من اقتصاديي التيار السائد كانوا متشككين في ذلك، لكن محاذيرهم لم تكن تناقش إذا نوقشت إلا بهدف وحيد هو نبذها.
وكانت الرسالة في عمومها أن الرأسمالية تنطلق من قوة إلى قوة بأرقام قياسية مفترضة عن نمو الاقتصاد العالمي. حتى من يتشككون في تلك الدعاوى بالنسبة للبلدان المتقدمة، كانوا غالبا يقبلون طبعة معدلة من ذلك التفاؤل عندما يتعلق الأمر بالنظام ككل. فلم يمر يوم واحد دون أن تشير وسائل الإعلام إلى "العملاقين الجديدين"، الصين والهند، ثم سرعان ما بدأت عبارات الإطراء تتدفق على بلدان أخرى ضمت إليهما في عنوان جديد كتب بالبنط الأحمر هو "BRICS" – وهي البرازيل وروسيا وجنوب إفريقيا. فحتى إذا دخلت الدول الصناعية القديمة في مشاكل اقتصادية، سوف تحافظ هذه المراكز الجديدة للنمو الرأسمالي على استقرار النظام العالمي. واعتبرت العيوب التي رصدت في النظام العالمي "بقعا على صفحة الشمس" تماما كما اعتاد أنصار ستالين أن يتحدثوا عن "أخطائه العارضة".
مشكلات خفية:
كان في الأمر علامات تثير القلق عند أولئك المعلقين الذين لديهم استعداد للبحث الأمين والأعمق قليلا من المظاهر المباشرة. وبينما كان صندوق النقد الدولي مثلا متهللا طربا بشأن التوقعات الاقتصادية، قدم بحث بتفويض من البنك الدولي صورة مختلفة نوعا ما. ظهر فيها النمو الاقتصادي بالنسبة للعالم ككل منخفضا كثيرا لا عن مستوى ما كان عليه خلال الرخاء الطويل فحسب، وإنما كذلك عن مستوى الخمس عشرة سنة التالية لنهايته:

ولم يكن بالإمكان الحصول على نتيجة مغايرة، كما يبدو في رسم توضيحي لصندوق النقد الدولي في تقريره العالمي في أبريل 2007، إلا ببدء السلسلة من عام 1970 – مع بداية نهاية الرخاء الطويل.(8) وبالتوازي مع التدهور في معدلات النمو كان التباطؤ طويل الأجل في الاستثمار العالمي، كما أظهر بحث أعد لصالح صندوق النقد الدولي (أنظر الرسم البياني التالي)

وقد حدث انخفاض التراكم ونمو الناتج مواكبا لاستمرار انخفاض مستوى معدل الربح بالمقارنة مع مستوى "العصر الذهبي". وكان هناك بعض التعافي عن نقطة منخفضة لأوائل ثمانينات القرن العشرين، لكنه لم يبلغ إلا ما يقارب مستوى أوائل سبعينيات نفس القرن – أي نقطة التحول التي اختتمت ذلك "العصر الذهبي". وتشير الحسابات التي أجريت على الولايات المتحدة إلى أن تعافي معدل الربحية من ركود عام 2001-2002 خلال الأعوام التي سبقت مباشرة أزمة الائتمان في عام 2007 فشل أيضا في زيادة ذلك المعدل إلى ما يشبه مستوى فترة الرخاء الطويل. ويوضح روبرت برنر أنه تحرك مرتفعا بنسبة هامشية عن أرقام أوائل سبعينيات القرن العشرين، وما لبث أن انخفض دونها. وتبين حسابات ديفيد كوتز أن معدل الربح في عام 2005 كان 4.6 بالمئة مقارنة بمعدل 6.9 بالمئة في عام 1997.(10) ويشير فرد موزيلي إلى انتعاش أكبر في معدلات الربح الأخيرة، لكن حساباته أيضا تدعها عند نقطة ارتفاعها (في عام 2004) في زيادة طفيفة فقط عن أكثر نقاطها انخفاضا في حقبة الرخاء الطويل.(11) وكانت الصورة الكلية لتسعينيات القرن العشرين وأوائل العقد الأول من الألفية الجديدة استمرارا للصورة التي سادت ثمانينيات القرن العشرين – أي تعافي مؤكد في معدلات الربح لكنه لا يكفي لإعادة النظام إلى دينامية مرحلة الرخاء الطويل بعيدة المدى.    
اعتبر ماركس أن إعادة الهيكلة من خلال الأزمة تمكن الرأسمالية من استعادة معدل الربح، وكذلك "المدرسة النمساوية" في علم الاقتصاد السائد اعتبرت الأزمات الطريقة الوحيدة لاسترداد حيوية النظام. وقد أدت كل أزمة في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين وأوائل العقد الأول من الألفية فعلا إلى إعادة هيكلة واسعة النطاق في الصناعة. وشهدت كل مناطق القلب الصناعي في العالم إغلاقا للمصانع والمناجم وأرصفة الموانئ. فاختفت فجأة صناعات كانت تميز أقاليم كاملة؛ وشهدت أخرى تقلصا في قوة العمل بها إلى نصف أو ربع حجمها السابق، مثل الصناعات الثقيلة في شمال الصين، ومصانع السيارات في ديترويت، ومصانع السفن البولندية ومعامل تجميد اللحوم في بيونس أيريس الكبرى.
غير أن إعادة الهيكلة من خلال الأزمات لم تحقق الأثر الكامل الذي كانت تحققه في مرحلة "السوق الحرة" للرأسمالية من أوائل القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الأولى. فلم تخلص الاقتصاد من رؤوس الأموال غير الرابحة بالقدر الذي يكفي لزيادة معدلات الربح إلى مستويات خمسينيات وستينيات القرن العشرين. ربما تبنت الأيديولوجية النيوليبرالية مبدأ "التدمير الخلاق" بما يتضمنه من ضرورة السماح بإفلاس بعض الشركات العملاقة لصالح الشركات الأخرى. لكن ممارسة الدول – وكذلك الضغوط التي مارستها الصناعة والبنوك على الدول – كانت مختلفة نوعا ما. فقد كان الخوف مما قد يحدثه انهيار البنوك والشركات الكبرى في بقية النظام حاضرا بقوة.
لم يسمح لأي من الشركات الكبيرة أن تهوي إلى الإفلاس في أزمتي منتصف السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين. واستمرت الحكومات في التدخل من أجل تعويمها، وخاصة مع دعم الدولة في الولايات المتحدة لبرنامج إنقاذ شركة السيارات العملاقة كرايسلر في نهاية سبعينيات القرن العشرين، وبنك كونتيننتال إلينوي في عام 1984، وشركات الادخار والقروض (أي جمعيات البناء في الولايات المتحدة) في أواخر ثمانينيات القرن العشرين. لكن الوضع تغير بدرجة ما منذ أواخر الثمانينيات وحتى الآن. فقد ورد في الكتاب السنوي لحالات الإفلاس أن:
"أرقاما قياسية لحالات الإفلاس بمختلف أنواعها قدمت خلال الثمانينيات وأوائل التسعينيات. وكثير من الشركات الشهيرة قدمت طلبات لإشهار إفلاسها… وشملت شركات LTV، إيسترن إيرلاينز، تكساكو، كونتنينتال إيرلاينز، ألايد ستورز، فيديراتيد دبارتمنت ستورز، جراي هاوند، آر إتش ماكي، بان آم، ماكسويل كوميونيكيشن، وأوليمبيا أند يورك."(12)
تكررت نفس الأحداث على نطاق أكبر خلال أزمة عام 2001-2002. فكان انهيار شركة إنرون، كما كتب جوزيف ستجلتز،"أكبر حالة لإفلاس الشركات على الإطلاق – حتى لحقت بها شركة وورلدكوم."(13)
لم تكن تلك الظاهرة أمريكية فقط. بل كانت طابعا يميز بريطانيا في أوائل تسعينيات القرن العشرين، كما كشفت حالات إفلاس تشبه حالات ماكسويل إمباير و أوليمبيا آند يورك، ورغم إفلات بريطانيا من ركود كامل في عام 2001-2002، فقد أفلست اثنتان من الشركات التي كانتا مهيمنتين هما شركة ماركوني/جي إي سي وشركة روفر وكذلك عدد من شركات التكنولوجيا والاتصالات حديثة التأسيس. وكانت نفس الظاهرة تبدأ في الظهور في أوروبا القارية، مع انعطافة إضافية في ألمانيا بأن معظم المؤسسات الكبيرة في ألمانيا الشرقية السابقة أفلست أو بيعت بأسعار ضئيلة للغاية لشركات ألمانية غربية(14)، ثم في آسيا مع أزمة عام 1997-1998. وعلى رأس كل ذلك، كان إفلاس دول بأكملها – خاصة الاتحاد السوفييتي، الذي بلغ إجمالي الناتج المحلي به في مرحلة معينة ثلث أو حتى نصف إجمالي الناتج المحلي للولايات المتحدة.
غير أن الحكومات قطعا لم تتوقف تماما عن التدخل لتخفيف أثر الأزمات على رؤوس الأموال الكبيرة، كما لم تتوقف القطاعات الرأسمالية الأكثر أهمية عن المطالبة بذلك التدخل. تبين ذلك من الطريقة التي تدخل بها الاحتياطي الفيدرالي بالولايات المتحدة لإنقاذ صندوق التحوط لونج تيرم كابيتال مانجمنت في عام 1998. فقد كشفت عينة من "وقائع 40 أزمة مصرفية" على مستوى العالم في عام 2003 أن الحكومات أنفقت "13 بالمئة في المتوسط من إجمالي الناتج المحلي الوطني من أجل تنقية النظام المالي من مشاكله."(15) وسارعت حكومات مختلفة مثل حكومات سكاندينافيا واليابان إلى دعم ومساندة البنوك التي ربما يسبب انهيارها أضرارا على باقي النظام المالي القومي – حتى لو تضمن ذلك تأميمها كملاذ أخير.(16) وتحملت الحكومات تكاليف شطب الخسائر ورفعها عن رؤوس أموال فردية معينة. لكن هذه التكاليف كان يلزم بعدذاك تغطيتها من مناطق أخرى في النظام – إما عن طريق الضرائب التي تضر بالقيمة الحقيقية لأجور العمال أو بأرباح رأس المال، أو عبر القروض التي يلزم في النهاية سدادها بطريقة أو بأخرى من نفس المصادر. ونتيجة لذلك، كانت مكاسب رؤوس الأموال التي تمكنت من اجتياز الأزمة مكاسب محدودة. فلم يترتب على ارتفاع معدل حالات الإفلاس تخفيف الضغوط على معدلات أرباحها إلا جزئيا.
وجاءت نجدة أخرى من تباطؤ الزيادة في الاستثمار مقارنة مع قوة العمل المنتجة (التركيب العضوي لرأس المال عند ماركس). وقد لعب دورا في ذلك تباطؤ التراكم بسبب انخفاض الربحية. كذلك فعل استمرار الإنفاق التبديدي، وخاصة الإنفاق العسكري. ابتلع هذا النوع من الإنفاق نسبة أقل كثيرا من الناتج العالمي من مستوى خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ناهيك عن مستوى الإنفاق العسكري أثناء الحرب العالمية الثانية. لكنه مع ذلك ابتلع كمية من الإنفاق أكبر كثيرا من مستوى عالم ما قبل 1939. كما كانت هناك زيادة في الإنفاق العسكري للولايات المتحدة خلال "الحرب الباردة الثانية" في عهد ريجان في ثمانينيات القرن العشرين، ثم في عهد بوش مع "الحرب على الإرهاب" في أوائل ومنتصف العقد الأول من الألفية – ولأن إنفاق الولايات المتحدة العسكري يمثل نصف إجمالي الإنفاق العالمي عليه، فمعنى ذلك زيادة شاملة على مستوى النظام. وقد ارتفع الإنفاق العسكري للولايات المتحدة بحلول 2005 وفقا لأحد التقديرات إلى رقم يعادل 42 بالمئة تقريبا من إجمالي الاستثمارات الخاصة غير العقارية(17) – وهو إهدار كبير للموارد التي كان يمكن خلافا لذلك أن تتجه إلى التراكم. وفي نفس الوقت، حلق الإنفاق غير الإنتاجي في القطاع المالي عاليا، كما سنرى بعد.
كان أثر كل هذه الأشكال من "التبديد" أقل فائدة كثيرا للنظام ككل مما كان عليه الحال منذ نصف قرن. وهي رغم ذلك استطاعت أن تخفف من الضغوط الهبوطية على معدل الربح الناتجة عن زيادة التركيب العضوي لرأس المال – فهذا التركيب لا يزيد بالتأكيد بسرعة تعادل تلك التي كان سيبلغها لو أن كل فائض القيمة اتجه إلى التراكم: "وقد انخفضت نسبة نمو معدل رأس المال إلى العمل في معظم البلدان" خلال تسعينيات القرن العشرين.(18) لكن البلدان الرأسمالية الصناعية القديمة دفعت ثمن استمرار التباطؤ في التراكم الإنتاجي ومعدلات النمو طويلة الأجل.
تغيرات معدل الربح في ستة عقود(19)
                         شركات صناعية         شركات غير زراعية/غير صناعية               شركات غير مالية           
1948-1959          0.250                 0.110                     0.143
1959-1969          0.246                 0.118                     0.150
1969-1973          0.166                 0.109                     0.108
1969-1979          0.135                 0.107                     0.103
1979-1990          0.130                 0.094                     0.090
1990-2000          0.177                 0.107                     0.101
2000-2005          0.144                                             0.091
  
تطور كثافة رأس المال ومخزون رأس المال(20) (متوسط معدل النمو السنوي)
                                      1980-1990                    1990-1998                   1995-1998
الولايات المتحدة   مخزون رأس المال          3.0                          2.6                          3.3                                               معدل رأس المال/العمل       1.1                          0.6                          1.0     
اليابان             مخزون رأس المال          5.7                          4.2                          3.6                                               معدل رأس المال/العمل          4.9                         4.7                           4.4     
ألمانيا               مخزون رأس المال          2.6                         2.6                          2.3                                                معدل رأس المال/العمل         2.9                         3.7                          3.1     
فرنسا              مخزون رأس المال          2.0                         2.0                          2.0                                               معدل رأس المال/العمل         2.3                         2.3                          2.3     
إيطاليا             مخزون رأس المال          2.8                         2.7                          2.7                                               معدل رأس المال/العمل         2.7                         3.5                          3.4     
المملكة المتحدة     مخزون رأس المال         1.8                         1.6                          1.6                                               معدل رأس المال/العمل        1.8                         1.2                           1.0      
عاملان آخران يمكن أن يكون لهما بعض التأثير على مستوى الاستثمار الذي يجب على الرأسماليين الاضطلاع به للحفاظ على قدرتهم التنافسية. العامل الأول هو الزيادة في سرعة إنتاج رأس المال للسلع وبيعها، (أو ما يسميه ماركس "مدة دوران" رأس المال) كنتيجة للتقدم في تكنولوجيا النقل واستخدام أجهزة الكمبيوتر في أعمال المخازن والاحتفاظ بالمخزون (ما يطلق عليه في أيامنا غالبا "اللوجيستيات"). وفي أحد التقديرات حققت "الخدمات الرأسمالية" نموا بنسبة 2 إلى 3 بالمئة أعلى من نمو مخزون رأس المال في أواخر ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين في معظم البلدان.(21) وكان يمكن أن يؤدي ذلك إلى تخفيض التكاليف على رؤوس الأموال في الاحتفاظ بمخزون من المواد الأولية من ناحية ومن بضائع تنتظر البيع من ناحية أخرى (أي "رأس المال المتداول"). غير أن العامل الثاني سوف ينطلق من الاتجاه العكسي – وهو انخفاض العمر الافتراضي الذي كان لرأس المال الثابت قبل إهلاكه بفعل تقدم التكنولوجيا (أو ما يعرف بـ "الإهلاك المعنوي"). تصبح أجهزة الكمبيوتر والبرمجيات منتجات عفا عليها الزمن بسبب التقدم التكنولوجي بوتيرة أسرع كثيرا من معدات رأسمالية أخرى – ربما خلال عامين أو ثلاثة أعوام بدلا من عشرة، أو عشرين أو حتى ثلاثين عاما – وهذه الزيادة في تكاليف الإهلاك تأكل من قيمة الأرباح.(22)
وقد جرى تجاهل ذلك عبر حجة أثيرت في أواخر تسعينيات القرن العشرين وبداية العقد الأول من الألفية أن الزيادة في الانتاجية نتيجة النمو الهائل في قوة الكمبيوتر منخفضة التكلفة كانت الأساس لعصر جديد من النمو المتواصل. وكما رأينا في الفصل الثالث، كلما زادت سرعة اضطرار الشركات إلى استبدال رأسمالها الثابت، كلما زاد ذلك من كمية ما يخصم من أي زيادة في الأرباح حصلت عليها هذه الشركات عند إدخالها التكنولوجيا الجديدة في المقام الأول. علاوة على ذلك، تكون نتيجة التكنولوجيا الجديدة هي تخفيض قيمة كل وحدة من الناتج بمجرد أن تنتشر خارج الشركات التي كانت الأولى في استخدامها: وقد شهدت فترة أواخر تسعينيات القرن العشرين وأوائل العقد الأول من الألفية الثالثة تدهورا في أسعار السلع التي تنتجها التكنولوجيا الجديدة، ما أدى إلى زيادة الضغوط التنافسية على جميع الشركات العاملة في تلك الصناعة. فموجة الابتكار لم تستطع أن تحقق رخاءا لا ينتهي في أواخر تسعينيات القرن العشرين وأوائل العقد الأول من الألفية الثالثة بأكثر ما استطاعت في "العهد الجديد" في عشرينيات القرن العشرين.
لم يكن استخدام الكمبيوتر، ولا إعادة تنظيم رأس المال بحد ذاته، أهم العوامل في انتعاش معدلات الربح، وإنما الضغط المتزايد الذي كان رأس المال قادرا على ممارسته على من يعملون لصالحه بعد أن أفسدت موجات متلاحقة من أعمال إعادة الهيكلة الأشكال القديمة لمقاومة الطبقة العاملة. فقد استفادت رؤوس الأموال من الفرص التي أتاحتها عمليات تسريح العمالة ونقل المصانع الناتجة عن إعادة الهيكلة في فرض ضغوط شديدة القسوة على العمال حتى يعملوا أكثر بينما ظلت أجورهم منخفضة.
وقد انخفض نصيب العمل من الدخل القومي في اقتصاد جميع البلدان الغربية الرئيسية. ففي الولايات المتحدة، "حققت الانتاجية نموا بنسبة 46.5 بالمئة خلال الفترة من 1973 وحتى 1998"، في حين انخفض الأجر المتوسط بنسبة 8 بالمئة تقريبا(24) وبالنسبة لعمال الإنتاج انخفض الأجر بنسبة 20 بالمئة (مع انعدام قدرة العمال على حماية مستوى معيشتهم إلا عن طريق زيادة متوسط ساعات العمل من 1883 ساعة في عام 1980 إلى 1966 ساعة في عام 1997(26)). لم تشهد بلدان أوروبا الغربية نفس الزيادة في ساعات العمل (فيما عدا بريطانيا، حيث ارتفع العمل الإضافي غير مدفوع الأجر ارتفاعا كبيرا) ولم تشهد تخفيضا في الأجور الحقيقية كما في الولايات المتحدة في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، لكن حكوماتها وشركاتها بدأت في الضغط لتحقيق الأمرين في الألفية الجديدة. وقد جاء في تقرير لمحطة الإذاعة البريطانية BBC عن ألمانيا في عام 2005(27) "انخفضت الأجور الحقيقية انخفاضا كبيرا وعادت ساعات العمل إلى ما يقرب من 40 ساعة أسبوعيا."

لم تكن الأجور وشروط العمل وحدها ما وجب أن يخضع للضغوط. بل كذلك خضعت مختلف الخدمات التي تقدمها الدولة (وفي بعض الحالات التي تقدمها الشركات الخاصة) التي تشكل "الأجر الاجتماعي": وهي الرعاية الصحية ومعاشات التقاعد والتعليم. خلال مرحلة الرخاء الطويل، كان مقابل هذه الخدمات يسدد بوجه عام، كما رأينا في الفصل السابع، من الضرائب التي تفرض على الطبقة العاملة، كما توضح الأرقام التي أعدها أنور شيخ بشأن ما يسميه "صافي الأجر الاجتماعي" – أي الفارق بين ما يسدده العمال فيها وما يحصلون عليه منها (أنظر الرسم التوضيحي أ)(28) لكن من أثر الأزمات المتكررة وارتفاع البطالة وزيادة متوسط أعمار السكان أن ارتفع الإنفاق على الرعاية الاجتماعية(أنظر الجدول ب)، حتى أن التكلفة حتى في الولايات المتحدة لم يعد بالإمكان دائما تغطيتها عبر فرض الضرائب على العمال وبالتالي اتجهت إلى أن تنال من رأس المال. وتكشف هذه الأرقام تباينا كبيرا بين الدرجة التي بلغها في دول مختلفة – وشركات تعمل داخل تلك الدول – تأثير كل من الحجم الكلي "لصافي الأجر الاجتماعي" والزيادة في الإنفاق على الرعاية الاجتماعية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. وقد ردت الدول على ذلك بسلسلة من "الإصلاحات" (كانت في حقيقتها إصلاحات مضادة) التي كانت تهدف تحت عنوان "التحديث" إلى تحويل هذا الاتجاه إلى الناحية العكسية.
الإنفاق على الرعاية الاجتماعية كنسبة من إجمالي الناتج المحلي 1979 و 1995(29) (الجدول ب)
الدولة                       1979              1995
استراليا                      13.2              16.1                                             
كندا                         14.5              18.0
فرنسا                       22.0              19.1
ألمانيا                        25.4              28.7
إيطاليا                       21.2             22.8
السويد                      25.1             34.0
المملكة المتحدة              16.4             22.5
الولايات المتحدة            13.8             15.8
المنافسة غير المتكافئة
كل نجاح كانت تحرزه أي حكومة في تحقيق ذلك كان يمثل ضغطا على الحكومات الأخرى لكي تحذو حذوها. غير أنه لا يمكن تخفيض الأجور الحقيقية، وزيادة ساعات العمل، وتخفيض مزايا الرعاية الاجتماعية دون أن يتسبب ذلك في غضب شعبي مع إمكانية أن ينفجر هذا الغضب في مقاومة شاملة. وقد اختلف مستوى المقاومة من بلد إلى آخر حسب مستويات التنظيم الراسخ للطبقة العاملة ونتيجة الهجمات ذات الأهمية على هذا التنظيم (مثل هزيمة إضرابات عقد الثمانينيات الطويل التي نظمها مراقبو الحركة الجوية في الولايات المتحدة وعمال المناجم والطباعة في بريطانيا). وكانت أكثر نتائج ذلك وضوحا هي أن نسبة ما يوجه إلى الرعاية الاجتماعية من الناتج القومي في فرنسا وألمانيا خلال تسعينيات القرن العشرين كانت أعلى بنحو 14 بالمئة من تلك النسبة في الولايات المتحدة وبما يزيد على 6 بالمئة من نفس النسبة في بريطانيا. ويظهر نفس التباين بين نجاح الهجوم الرأسمالي في الولايات المتحدة وبريطانيا وبين نتائجه في أوروبا من خلال الأرقام المتعلقة بساعات العمل. ففي هذين الاتجاهين يكمن التميز المفترض للنموذج "الأنجلو-ساكسوني" على النموذج الأوروبي بالنسبة لرؤوس الأموال التي تعمل داخل كل منهما. 
ساعات العمل سنويا لكل عامل، 2004 (30)
الكوريون                   2380
المكسيكيون                1848
الأمريكيون                  1824
البريطانيون                  1689
الفرنسيون                  1441
الهولنديون                  1357
وجد رأس المال الأوروبي نفسه يواجه مشكلات لم يكن يواجهها في سنوات الرخاء أو حتى في خمسة عشر عاما تالية لانهيار الرخاء الطويل. فقد سجل الناتج القومي للفرد فيما يعرف حاليا بمنطقة اليورو نموا من 40 بالمئة من مستوى الناتج القومي للفرد بالولايات المتحدة في عام 1950 إلى 75 بالمئة في عام 1975، كما أن نمو الناتج في ألمانيا تجاوز الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن العشرين مثل ما حدث مع اليابان. وفي عام 1990، كان ينتظر أن يقدم توحيد ألمانيا دفعة كبيرة أخرى. لكن الحالة كانت مختلفة تماما بحلول بداية الألفية الجديدة. فكانت مستويات الإنتاجية العامة قد توقفت منذ فترة طويلة عن اللحاق بالولايات المتحدة. وكانت المصانع التي تتحدى صناعة السيارات بالولايات المتحدة في موطنها مصانع يابانية منقولة إليها، لا مصانع فولكس فاجن وفيات. وربما تكون اليابان خسرت المنافسة لصالح  الولايات المتحدة في أجهزة الكمبيوتر، ولكنها كانت تملك على الأقل صناعة للكمبيوتر بينما لم تكن أوروبا تملكها. وكانت الصين هي الصاعدة في السباق الرأسمالي البيني من خارجه. وكانت الرسالة التي تضخها كثير من مراكز البحوث الأوروبية وتبناها السياسيون سواء من يسار الوسط أو يمين الوسط وأدرجت في إعلان ليشبونة لقادة أوروبا في 2002 هي: "إن أوروبا في حاجة لأن تستيقظ".
لم تكن الصورة بالنسبة للرأسمالية الأوروبية رهيبة بقدر ما عكست هذه الرسالة أحيانا. فقد كانت ألمانيا، لا الصين، هي أكثر الدول تصديرا في العالم في عام 2006  كما حقق إنتاج صناعتها التحويلية نموا سريعا، حتى وإن كان التوظيف بها لم يحقق نموا. وكان تحالف EADS-إيرباص قادرا على منافسة شركة بوينج بطريقة لم تستطعها صناعة الطيران اليابانية. كما ابتعلت الشركات الإسبانية والفرنسية كثيرا من بنوك أمريكا اللاتينية، وكان الاتحاد الأوروبي يبيع سلعا ويستثمر أموالا في منطقة كتلة الميركوسور (وهي تكتل يضم الأرجنتين والبرازيل وباراجواي وأوروجواي وفينزويلا – المترجم) في هذه القارة أكثر قليلا من الولايات المتحدة. ولفترة وجيزة كانت الواردات الصينية تبلغ واحدا بالمئة فقط من إجمالي الناتج المحلي الأوروبي. ومع ذلك كان هناك أسباب لأن تشعر الرأسمالية في أوروبا بالقلق وأن تزعج الدول بحثها على اتخاذ إجراء نيابة عنها. فرؤوس الأموال العاملة في فرنسا وألمانيا كانت تواجه معضلة أنها رغم ارتفاع الإنتاجية لديها فيما يتعلق بناتج ساعة العمل مقارنة بإنتاجية رأس المال العامل في الولايات المتحدة، فقد كانت تخسر في المقارنة من حيث إجمالي الإنتاجية بسبب قلة عدد ساعات العمل التي كانت تحصل عليها من كل عامل في السنة.
 ولذلك وجد رأس المال الأوروبي نفسه واقعا تحت ضغوط من ثلاث جهات على الأقل في الأسواق العالمية -  من الولايات المتحدة واليابان في مجال المنتجات عالية التكنولوجيا، ومن الصين في المنتجات منخفضة التكنولوجيا. وقد استجاب لهذه الضغوط بأن دفع إلى استنساخ منهج الولايات المتحدة في فرض "أسواق عمل مرنة" بهدف الحصول على مزيد من ساعات العمل وإنتاج أكثر كثافة (بمصطلحات ماركس فائض قيمة مطلق وفائض قيمة نسبي) وأن يسعى إلى تخفيض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية. وكان ذلك هو المنطق الأساسي وراء سياسات "الليبرالية الجديدة" بما فيها من إصلاح عكسي لنظام الرعاية الاجتماعية واستخدام إجراءات الخصخصة وتعميم آليات السوق لدفع العمال إلى المنافسة فيما بينهم.
خلال تسعينيات القرن العشرين اتبع رأس المال الألماني سياسة عبر البنك المركزي الألماني (البوندسبانك) (ثم البنك المركزي الأوروبي) قامت على التضحية بالنمو الاقتصادي من أجل الحفاظ على انخفاض الأجور (التي حققت ارتفاعا تراكميا يقل بنسبة 10 بالمئة عن متوسط الأجور في أوروبا) وبالتالي زيادة الصادرات ونصيب الأرباح. وكانت النتيجة المفارقة أن حققت ألمانيا فائضا تجاريا كبيرا وأرباحا جيدة، لكن نصيبها انخفض في الإنتاج والاستثمار العالمي. وكان ذلك وراء الضغط الذي مارسته بنجاح في أوائل الألفية الثالثة لدفع الحكومة الائتلافية بين الخضر والاشتراكيين الديمقراطيين آنذاك إلى تمرير الإصلاحات العكسية على أجندتها في برنامج 2010. وكانت أركانه الأساسية تخفيضا كبيرا في إعانة البطالة بلغ الثلث، وحرمان 800 ألف شخص من أي إعانة على الإطلاق، وإجبار العاطلين على قبول وظائف بأجر أقل من الأجر المتوسط، وتجميد معاشات التقاعد وسداد رسوم على زيارة الطبيب. وفي نفس الوقت كانت الشركات الكبيرة تهدد بنقل الإنتاج إلى مناطق في أوروبا الشرقية حيث الأجور المنخفضة إذا رفض العمال زيادة ساعات العمل. وقال المستشار الألماني شرودر إن هذا "التحديث الداخلي" هو "الشرط الأولي المسبق لترسيخ ألمانيا في السياسة العالمية."(32) وكانت النتيجة الكلية أن انخفضت الأجور الحقيقية للألمان لأول مرة في نصف قرن. كان نفس المنطق وراء محاولات الحكومات الفرنسية تخفيض معاشات التقاعد في القطاع العام، والانتقاص من حقوق شباب العمال، والتخلص من أسبوع العمل المكون من 35 ساعة.
غير أن تلك الاستراتيجية الاقتصادية كانت استراتيجية أثارت مشكلات سياسية كبيرة. على مدى نصف قرن بعد الحرب العالمية الثانية، كان رأس المال والدولة يسعيان لاكتساب الشرعية عبر أيديولوجية الإجماع الوطني بينما يتعاونان بدرجات مختلفة مع البيروقراطية النقابية. وكان ذلك يصدق لا على الاشتراكية الديمقراطية في ألمانيا وفرنسا فحسب، وإنما كذلك على مختلف الرؤى السياسية المحافظة للمسيحيين الديمقراطيين والديجوليين. وكان يبدو أنه لا داع لإزعاج المجتمع بإسقاط هذا النهج طالما بدا أن اقتصاد هذه الدول يتقدم بالمقارنة مع منافسيها الرئيسيين. أما الآن فمحاولة الهجوم على الإصلاحات التي منحت في الماضي تهدد بتقويض أشكال الهيمنة الأيديولوجية القديمة، دافعة العمال الذين اعتبرت اتجاهاتهم الاشتراكية الديمقراطية "الشراكة" مع رأس المال أمرا بديهيا إلى علاقة عدائية تجاه رأس المال. فأصبحت الدول والرأسماليون محاصرين بين أولوياتهم الاقتصادية والحفاظ على السيطرة الأيديولوجية على جماهير الشعب.  
كان أمامهم بالتأكيد أيضا خيار ثان يستخدم بالفعل – هو نقل الإنتاج نقلا ماديا إلى خارج البلاد. لكن ذلك يستغرق وقتا في معظم أنواع الإنتاج الصناعي (فالمصانع كاملة المعدات نادرا ما يكون انتقالها سهلا، وحتى عند انتقالها تظهر مشكلات إمدادات الطاقة ومرافق النقل والبيئة السياسية الآمنة، وهلم جرا). وهكذا كان الأمر حتى في بريطانيا بعد ثلاثين عاما من إعادة الهيكلة وإغلاق المصانع، ومع انخفاض القوى العاملة إلى النصف، لم ينخفض إجمالي الناتج الصناعي بها بشكل دائم.(33)
حتى وهي تدرس نقل إنتاجها في المدى الطويل،  تظل الشركات الأوروبية العملاقة تعتمد في الفترة البينية على اكتشاف طريقة لزيادة استغلال القوى العاملة المحلية. وفي الحقيقة أن عددا قليلا جدا من الشركات تصورت، في الوقت الحالي، نقل إنتاجها كاملا إلى الخارج (رغم أن صناعة السيارات الألمانية استخدمت العمالة الرخيصة في أوروبا الشرقية على نحو متزايد كي تحل بعض مشكلاتها) وهو ما أضفى أهمية قصوى على احتياجها لزيادة استغلال القوى العاملة المحلية.
الأمل في الشرق؟
عندما كتب أشخاص مثل صامويل بريتان أن مستقبل الرأسمالية يقع في آسيا في أوائل تسعينيات القرن العشرين، كانوا يقصدون بذلك البلدان الصغيرة حديثة التصنيع في تلك المنطقة – أي "النمور" مثل كوريا الجنوبية، وسنغافورة وهونج كونج وتايوان، و"أشبال النمور" مثل ماليزيا وتايلاند وإندونيسيا. وقد شهدت هذه البلدان معدلات سريعة جدا من النمو الاقتصادي، ما دفع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لأن تكتب عن "معجزة اقتصادية" لكوريا الجنوبية في عام 1996. وبحلول ذلك الوقت قارب مستوى المعيشة في كوريا المستوى الموجود في البلدان الفقيرة في أوروبا الغربية؛ كما أن بعض شركات كوريا رسخت أقدامها كشركات عالمية عملاقة. فكانت شركة بوسكو، وهي ثالثة أكبر شركات إنتاج الصلب في العالم، تتفاخر بأن مجمع صلب كوانجيانج المملوك لها، والذي افتتحته في عام 1992، هو "الأكثر تطورا في العالم"(34). غير أن جانبا كبيرا من ذلك النمو كان يعتمد على محافظة كل دولة من دول النمور على انخفاض أجور العمال حتى تنافس بعضها الأخرى على الأسواق الغربية. فكانت حالتها حالة كلاسيكية من المنافسة العمياء بين رؤوس أموال متصارعة (أو رأسماليات الدولة الاحتكارية في هذه الحالة) ما أدى في نهاية المطاف إلى زيادة الإنتاج حتى أصبح أكبر كثيرا مما تستطيع السوق الحالية استيعابه. وبحلول يونيو عام 1997، بلغت نسبة استغلال الطاقة الإنتاجية في كوريا 70 بالمئة فقط، وفي تايوان 72 بالمئة(35) كما أن جميع هذه البلدان اعتمدت على الاقتراض الخارجي في تمويل العجز التجاري. ولكن عندما أتى رد فعل الممولين فجأة بسحب الأموال من تايلاند، ما دفع إلى تخفيض قيمة عملتها، حاول المغرمون "بالمعجزة" في البداية أن يتصوروا أن لا شيء خطيرا يحدث. فكتب مارتن وولف في جريدة الفايننشال تايمز، إن الأزمة التايلاندية "ليست أكثر من كبوة في مسار النمو السريع في شرق آسيا." وخلال أسابيع انتشرت الأزمة إلى كل دول النمور وأشبال النمور، وتسببت في انكماش الاقتصاد، والاعتماد على حزمة التقشف لصندوق النقد الدولي، والإفقار المفاجيء لملايين الناس مع انخفاض معدلات النمو في العقد الأول من الألفية الجديدة إلى مستوى أقل كثيرا من معدلات النمو في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. لكن ذلك في كثير من الدوائر لم يقوض عقيدة أن الرأسمالية في شرق آسيا استطاعت أن تودع أي مشكلة قد تواجهها في الغرب. وأصبحت الصين الشيوعية هي المحطة الجديدة التي يعلقون عليها آمالهم.
إن بروز الصين كقوة اقتصادية كان بالقطع واحدا من أهم التطورات في النظام العالمي في بداية القرن الحادي والعشرين. وكان مستوى تقدم الصين الاقتصادي مذهلا. فقد بلغ متوسط معدل النمو بها خلال الفترة من عام 1978 وحتى 2008 حوالي 8 بالمئة سنويا؛ كما تضاعف إنتاجها الاقتصادي حوالي تسع مرات في نهاية هذه الفترة مقارنة ببدايتها؛ وارتفع نصيبها من التجارة العالمية من أقل من واحد بالمئة في عام 1979 إلى أكثر من 7 بالمئة في عام 2007، حتى أصبحت بعد ألمانيا فقط أكبر دولة مصدرة في العالم؛ وبحلول عام 2005 كانت الصين "أكبر دولة منتجة من حيث حجم الإنتاج في أكثر من 100 نوع من السلع الصناعية"، ويشمل ذلك 50 بالمئة من إنتاج العالم من الكاميرات، و30 بالمئة من إنتاج أجهزة التكييف والتلفزيون، و25 بالمئة من الغسالات الكهربائية و20 بالمئة من الثلاجات.(36) ولم تعد مدن صينية مثل بكين وشنغهاي وجوانجو بل حتى مدينة زيان في قلب الصين تحمل كثيرا من الشبه مع الأنماط العالم ثالثية. وقد جعلت غابات من ناطحات السحاب في بكين وشنغهاي من تطوير منطقة دوكلاندز الذي يباهى به كثيرا في لندن شبيها بمدينة الألعاب في قصص الأطفال، بينما البنايات الصناعية الهائلة حول شنغهاي لا يضارعها في أوروبا الغربية إلا قليلا. إن تغيرات دراماتيكية تحدث في ما كان يفترض في السابق أنه بلد "متخلف" ذو أهمية اقتصادية محدودة بالنسبة للنظام العالمي.
مثل معظم بلدان العالم الثالث الأخرى حديثة التصنيع، عانت الصين من أزمة اقتصادية تحديدا مع بلوغ الرخاء الطويل نقطة النهاية في الغرب. وقد حولت خمسة وعشرون عاما مما أطلق عليه ماركس التراكم البدائي عشرات الملايين من صغار الفلاحين إلى عمال بأجر وشهدت بناء بعض قواعد الصناعة الحديثة – لكن هذه الصناعة لم تكن ندا من حيث الكفاءة للصناعة في كثير من أنحاء النظام العالمي الأخرى. وقد نتج عن مستوى استغلال جماهير السكان وحده كل ألوان الضغوط التي تتصاعد من أسفل، بينما أدى العجز عن مواصلة وتيرة التصنيع إلى أزمات متكررة داخل المجموعة الحاكمة. وقد توجت هذه الأزمات في انتفاضات سياسية كبيرة في سنوات 1966-1975 (من "الثورة الثقافية" إلى صعود وانهيار "عصابة الأربعة") والتي لم تصل إلى حل نهائي لها إلا بعد وفاة ماو تسي تونج في عام 1976.
وتشكل حل الأزمة من تحركات وقتية مرتجلة نحو هيكل جديد للتراكم. فبدأت سلسلة من الإصلاحات جرى تطبيقها في 1978-1981 بالتخفيف على الفلاحين عبر زيادة سعر شراء منتجاتهم من قبل الدولة. وأصبح الفلاحون آنئذ أحرارا في قرار كيفية استخدام بعض الفائض الذي يتبقى بعد إطعام أنفسهم (بالكاد). فكان هناك زيادة ضخمة في الإنتاج الزراعي، كما أن الدخول الزائدة وفرت سوقا لمنتجات بعض الطاقات الصناعية غير المستغلة بصورة كاملة. وقد سمح تخفيف سيطرة الدولة لها بتلبية هذا الطلب، ثم حلق إجمالي الناتج متقدما للأمام.  
ودفعت الزيادة في التفاوت الاجتماعي داخل الفلاحين بعضهم إلى مراكمة فوائض ثم الاستفادة من التحرر الجديد من سيطرة الدولة للاستثمار في تأسيس "صناعات ريفية" محلية. ولكونها مملوكة رسميا لحكومات القرى، وفرت هذه الصناعات المحلية وسيلة للإثراء الذاتي لأولئك الذي كانت لهم صلات مع الأجهزة المحلية للحزب الحاكم. وحققت رأسمالية سوق جديدة نموا في جنوب شرق البلاد بالتوازي مع رأسمالية الدولة القديمة التي تتركز بصورة رئيسية في الشمال، وقد سمح النظام للصناعات الجديدة بالارتباط مع المصالح الرأسمالية الصينية في هونج كونج ومناطق أخرى.
كان الفائض الذي ينتقل من الفلاحين إلى أيادي ثلاث مجموعات من الرأسماليين (الدولة، و"القرية" والخارج) هائلا في حجمه رغم الإصلاحات، بينما كانت دخول الفلاحين المنخفضة تمثل عرضا جاهزا من العمال المطلوبين للصناعات الجديدة، التي لم تضطر حتى لتوفير الحد الأدنى من مستوى المعيشة والحماية الاجتماعية (أو ما يطلق عليه في الصين "طبق الأرز الحديدي") الذي كانت تكفله الصناعات الثقيلة القديمة التي تديرها الدولة. فمن الناحية الفعلية، كان ذلك نموذجا جديدا من التراكم الرأسمالي، يجمع بين معدل استغلال مرتفع وقمع رأسمالية الدولة القديمة مع تحول نحو الاهتمام بالأسواق – وجاءت الأسواق باستمرار من التصدير إلى بقية النظام العالمي، وفي نفس الوقت توفير السلع لاستهلاك بيروقراطية الدولة القديمة الذي أصبح باذخا على نحو متزايد من ناحية، ولأبنائها عندما استولوا على الصناعات التي جرى خصخصتها من الناحية الأخرى.  
وقد كان لدى الاقتصاد الهجيني الجديد تناقضاته الخاصة به، مع موجات الصعود والهبوط في رأسمالية السوق التي تتداخل مع موجات الصعود والهبوط في نموذج تراكم رأسمالية الدولة القديم. فكانت التذبذبات الرهيبة في معدلات النمو. وقد أدى حجم المنافسة بين الصناعات الجديدة على الموارد إلى أزمات نقص فيها ما دفع أسعارها إلى الارتفاع، حتى حاولت الدولة أن تفرض بعض النظام على السوق عبر حجب التمويل للاستثمار الجديد. هكذا استطاع معدل النمو أن يزيد على 20 بالمئة في عام 1984، ثم انخفض إلى حوالي 3 بالمئة في عام 1985 وعاد ليرتفع إلى ما يقرب من 20 بالمئة في عام 1988. ثم أعقب ذلك أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية كبرى في عام 1989 عندما انخفض النمو مجددا وحلقت الأسعار مرتفعة. وكانت هذه هي الخلفية الاقتصادية لمظاهرات طلابية وعمالية عارمة في عام 1989 في معظم المدن الرئيسية، وأشهرها في ميدان تياننمن في بكين.
وجد النظام طريقا للخروج من الأزمة تقريبا بالمصادفة منذ عام 1992 وما بعده. فإزاء عجزه عن السيطرة على الأمور بنفسه، علق النظام آماله على إطلاق جولة جديدة من التراكم تعتمد على المنافسة الطليقة من أي سيطرة بين مختلف المؤسسات الصناعية الكبيرة. كان باستطاعة من يديرون الحكومات القروية أن يحولوا الصناعات الجديدة إلى ملكية خاصة وأن يربطوا بينها وبين رأس المال الأجنبي، وكذلك كان الأمر بالنسبة لمدراء المؤسسات الكبيرة المملوكة للدولة. ووقع تقليص هائل للصناعات القديمة مع فقدان ربما 30 مليونا من العمال وظائفهم. قوبلت هذه الإجراءات باستحسان من قبل الاقتصاديين المؤيدين للرأسمالية في جميع أنحاء العالم كإجراءات "تقدمية". أما ما كانت تعنيه هذه الإجراءات بالنسبة للعمال فقد جسدها وصورها الفيلم الصيني "الآبار المظلمة" Blind Shafts الذي أنتج في عام 2003 حيث تدفع الأوضاع البائسة لعمال المناجم اثنين منهم إلى قتل زميل لهما من أجل ابتزاز الإدارة الفاسدة. وقد تبين مدى تقارب الواقع مع الخيال في كارثة المناجم في مقاطعة جواندونج (التي يفترض أنها أكثر مقاطعات الصين "تقدما") في صيف عام 2005. فمع وفاة أكثر من 100 من عمال المناجم اختناقا تحت الأرض، هرب مالك المنجم عندما تبين أنه دفع رشاوى بملايين الدولارات للاستحواذ على المنجم المملوك للدولة والذي كان مغلقا قبل ذلك، وفي نفس الوقت اشترى لنفسه وظيفة قيادية في قوة الشرطة المحلية. وبهذه الطريقة كان باستطاعته أن يتجاهل جميع احتياطات السلامة المهنية بينما يقدم نفسه باعتباره "رجل أعمال" نموذجي نظرا لدوره في توفير الفحم تلبية لاحتياجات الطاقة في اقتصاد منتعش.(37)
وبالتوازي مع الهجوم على الطبقة العاملة القديمة جاء تجديد الزيادة في مستوى استغلال القوى العاملة الريفية، التي مازالت تشكل ثلثي إجمالي القوى العاملة. وقد رصدت إحدى الدراسات الصينية (المحظورة) انخفاضا بنسبة 6 بالمئة في الدخول الزراعية للفلاحين بالنسبة للفرد بعد عام 1997، "وفي ضوء ارتفاع تكاليف الصحة والتعليم، فإن قوتهم الشرائية الحقيقية ربما تكون انخفضت أكثر من ذلك."(38) غير أن الرقم المتوسط لا يعكس الصورة كاملة. فقد انطوى التمايز الطبقي داخل الفلاحين على استغلال المسئولين المحليين سلطاتهم في جباية الأموال (في صورة ضرائب محلية) والاستحواذ على أراضي من فلاحين آخرين بهذف إثراء أنفسهم كرأسمالية زراعية صغيرة – وهو ما تسبب في كثير من شبه الانتفاضات المحلية.
ويزعم المتحمسون للرأسمالية أن التوجه إلى اقتصاد السوق أدى إلى حركة غير مسبوقة انتشلت مئات الملايين من الناس من الفقر. كما أن التخلي عن الأساليب الفجة من التراكم البدائي في منتصف سبعينيات القرن العشرين قد سمح باستغلال الكثير من الصناعة التي بنيت من خلال تلك الأساليب بطريقة أكثر إنتاجية، ما نتج عنه تمتع أفراد من عائلات فلاحية انتقلت للعمل في المدن بمستويات معيشة أفضل لا الرأسماليون الريفيون الجدد وحدهم. غير أن الغالبية العظمى من السكان ظلت تعاني انخفاضا في مستوى المعيشة. وقد اعترف البنك الدولي في أوائل العقد الأول من الألفية أن 104 ملايين شخصا، أو سدس السكان، مازالوا يعيشون على أقل من دولار واحد يوميا. وتشير تقديرات أخرى إلى أن "الغالبية الساحقة من الفلاحين البالغ عددهم 800 مليون" يحصلون على دخول عند هذا المستوى.(39)
كان الأساس في معدلات النمو السريعة في الصين هو مستوى التراكم الذي لا يضاهى. فقد ارتفعت النسبة من الناتج القومي التي توجه إلى الاستثمار إلى 50 بالمئة في عام 2006(40):
"في الأعوام الأخيرة، لم يرتفع معدل الاستثمار في أي دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أو الأسواق الناشئة عن مستوى 30 بالمئة (في متوسط ثلاث سنوات لمعالجة أثر التقلبات الدورية)…بل إن هذا المعدل في الصين حاليا يبدو مرتفعا حتى عند مقارنته بكوريا الجنوبية واليابان خلال سنوات الرخاء بهما."(41)
كانت فاتورة الزيادة في الاستثمار تسدد من إجمالي المدخرات في الاقتصاد، والتي كانت ترتفع بدورها إلى أكثر من 50 بالمئة من الناتج القومي. وكانت بعض هذه المدخرات تأتي من العمال والفلاحين، الذين كانوا في حاجة للادخار من أجل مواجهة الحالات الطارئة مثل الرعاية الطبية أو احتياجات الشيخوخة. فكانوا عمليا يسلمون جزءا من دخولهم إلى البنوك التي تديرها الدولة، والتي جرى إقراضها بعد ذلك إلى مؤسسات خاصة وأخرى تملكها الدولة. ولكن في أوائل ومنتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، كان جزءا متزايدا من المدخرات يأتي من أرباح تحققها الشركات، التي ارتفعت بحوالي 5 بالمئة من إجمالي الناتج القومي في أوائل العقد الأول من الألفية.(42). وكان ذلك ممكنا لأن الاستهلاك العائلي كنسبة من الناتج انخفض انخفاضا حادا إلى حوالي 40 بالمئة فقط (43) مع انخفاض نصيب الأجور من 67 بالمئة في سبعينيات القرن العشرين إلى حوالي 56 بالمئة في عام 2005 (أنظر الرسم البياني)(44)
 إن تدهور نصيب الأجور لم يكن يعني بالضرورة تدهورا في الأجور الحقيقية، لأنه كان تدهورا في نصيب الأجور من إنتاج يتزايد. غير أنه كان يعني أن اقتصاد الصين يقدم نموذجا للصورة التي وصفها ماركس من تحقيق التراكم من أجل التراكم. وتتضح هذه الصورة أكثر إذا أخذنا في اعتبارنا ذلك القسم من الاقتصاد الذي كان مكرسا للتصدير.  فبحلول نهاية الألفية، كان 80 بالمئة من النمو الجديد سنويا يوجه إلى الاستثمار والصادرات، بدلا من تلبية احتياجات شعب الصين، وفي تحول إضافي، كان 10 بالمئة تقريبا من دخل الصين بحلول عام 2007 يأخذ شكل زيادة في الصادرات على الواردات والتي كانت تودع بعد ذلك في الولايات المتحدة – وتستخدم من الناحية الفعلية في تمويل الحكومة الأمريكية أو الاستهلاك الخاص في أمريكا (أنظر الرسم البياني)(45)، الذي كان يفتح بعد ذلك منفذا للمزيد من الصادرات الصينية.  
وقد خلق التراكم بهذه السرعة ثلاث مجموعات من المشكلات كان ماركس يعرفها جميعا. فأولا، يستهلك هذا التراكم الموارد بمقادير هائلة، متسببا في أزمات نقص في الموارد ترفع أسعارها. وكان من أثر النمو الاقتصادي في الصين في أوائل ومنتصف العقد الأول من الألفية الجديدة امتصاص المواد الأولية والمنتجات الغذائية من مختلف أنحاء العالم، ما أدى إلى زيادة أسعارها عالميا (وخلال هذه العملية قدم دفعة اقتصادية لمنتجي المواد الأولية في مناطق مثل أمريكا اللاتينية) – وفي نهاية المطاف عادت الأسعار المرتفعة حتى تتأثر بها الصين.
ثانيا، يؤدي هذا التراكم إلى زيادة في الإنتاج لا يستطيع استيعابها اقتصاد قومي تمثل فيه الأجور نصيبا من الناتج يتقلص باستمرار، إلا عبر المزيد والمزيد من التراكم – أو عبر تركيز يتزايد دائما من الشركات على الصادرات. 
غير أن أسواق التصدير فيها منافسة هائلة – لا مع المؤسسات الخارجية فحسب، وإنما كذلك مع مؤسسات تعمل داخل الصين. وكان النمط الذي يتزايد هو قيام أحد المصانع الصينية بتجميع مكونات أنتجت في مكان آخر في شرق أو جنوب شرق آسيا، مع تصدير المنتج النهائي. وهذا يربط الشركات المصدرة في الصين بخطوط إمداد شركات متعددة الجنسية متنافسة فيما بينها: "وقد ارتفعت نسبة الصادرات التي أنتجت بواسطة شركات مقرها بالخارج من 17.4 بالمئة في عام 1990 إلى 50.8 بالمئة في عام 2001."(46) وبحلول أوائل العقد الأول من الألفية، كان من نتائج هذه المنافسة أن تحقق مستوى من الإنتاج لا يمكن دائما أن تستوعبه السوق العالمية كاملا بأكثر ما يمكن بواسطة السوق المحلية. وقد أعلن مكتب الإحصاء القومي أن "90 بالمئة من كل المنتجات الصناعية الصينية تعاني من زيادة العرض عن الطلب"(47) رغم تخفيض الأسعار تخفيضا هائلا: "وتحتدم حروب الأسعار بين الشركات الصينية احتداما شديدا لأن الشركات المتنافسة غالبا تستهدف الحصة السوقية بدلا من محاولة زيادة ربحيتها في الأجل القصير." واستطاع مراسل لجريدة الفايننشال تايمز أن يكتب: "إن المنافسة العنيفة بين الموردين المحليين تجعل هوامش الربح غائبة تقريبا بالنسبة لعديد من الشركات."(48).
لم يكن إنتاج السلع الإستهلاكية الموجهة للتصدير وحده ما يوشك على الخروج عن السيطرة. "فالاستثمار في كثير من القطاعات، ومن بينها العقارات والأسمنت والصلب والسيارات والألومنيوم" كان "يتجاوز الحدود المعقولة". وقد شكا مسئولون في الحكومة الصينية(49) أن "كبار المدراء في نظام بني حول هدف التراكم من أجل التراكم وترك لإدارة نفسه ذاتيا، يقيسون نجاحهم على أساس سرعة نمو شركاتهم، ثم أن البنوك التي تديرها الحكومة كافأت الشركات التي حققت نموا أسرع بأن سمحت لها بمراكمة الديون."(50)    
والمشكلة الثالثة، التي فاقمت من أثر المشكلتين السابقتين، كانت أن معدل الاستثمار إلى العمال المستخدمين – وإلى الناتج – كان يرتفع رغم وفرة العمل. فبينما كان الاستثمار يزيد بنحو 20 بالمئة سنويا كانت نسبة نمو التوظيف على مستوى الاقتصاد ككل نحو 1 بالمئة فقط – وحتى في المناطق الحضرية بلغت نحو 3.5 بالمئة فقط. وانخفض إجمالي التوظيف في قطاع الصناعة التحويلية من 98 مليونا في عام 1997 إلى 83.1 مليون في عام 2001(51) رغم معدل التراكم الضخم. ويرجع ذلك الانخفاض في التوظيف إلى تسريح واسع النطاق للعمال في الصناعات الثقيلة القديمة المملوكة للدولة، الذي لم تعوضه، رغم ذلك، زيادة التوظيف في المؤسسات الصناعية الجديدة – كما أن التوظيف في "القطاع الثانوي"(52) ككل ظل ثابتا بهذا القدر أو ذاك عند حوالي 157 مليون عامل. وبمعنى آخر، فقد زاد التركيب العضوي لرأس المال. وكتب باحثون لدى صندوق النقد الدولي أن "زيادة الاستثمار" منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين وحتى منتصف العقد الأول من الألفية قد أدت إلى "زيادة في معدل إنتاج رأس المال وانخفاض في الإنتاجية الحدية لرأس المال."(53)
وكان حتما أن تكون نتيجة ذلك ضغطا هبوطيا على الربحية. وتقدر حسابات فيليب أوهيارا معدل الربحية في الاقتصاد ككل بأنه تدهور من 47 بالمئة في عام 1978 إلى 32 بالمئة في عام 2000.(54) ويشير إلى نفس الاتجاه كل من جيسوس فيليب، إديثا لافينا، إيما زياوكين فان، ولكن بأرقام مختلفة، من 13.5 بالمئة في ثمانينيات القرن العشرين إلى 8.5 بالمئة في عام 2003. ويقتبسون نتائجهم من لاردي ومن لين اللذين يكشفان عن نفس الاتجاه – مع بعض أرقام لين التي تكشف عن معدلات أرباح منخفضة جدا في بعض الصناعات (0.2 بالمئة في صناعة الدراجات،  0.3- بالمئة في صناعة الحافلات، 2.9 بالمئة في الغسالات الكهربائية، 2.5 بالمئة في صناعة البيرة)(55) ويبدو أن دراسة صينية وضعها جانج يو و جاو فنج تناقض هذه النتائج، وتكشف انخفاضا مستمرا في المعدل العام لربح الصناعة التحويلية على مدى عشرين عاما حتى 1999 لكنه ارتفع ارتفاعا كبيرا بعد ذلك.(56) ويمكن تفسير ذلك الاختلاف من خلال الطريقة التي أدى بها الهجوم الكبير على الوظائف في قطاع المؤسسات المملوكة للدولة إلى تخفيض تكاليف التشغيل به. إن أهم العوامل التعويضية التي منعت انخفاضا كارثيا في معدلات الربح كان الانخفاض المستمر في الجزء الذي يوجه للأجور من الناتج الإجمالي. لكن ذلك منع الاستهلاك المحلي بالضرورة من استيعاب الناتج الصناعي المتنامي، ما أدى إلى زيادة أكبر في اعتماد التراكم على المزيد من التراكم وعلى الصادرات. 
وفي نفس الوقت، يوجد أدلة كثيرة على أن استعداد البنوك لإقراض المؤسسات بأسعار فائدة منخفضة عوض الكثير من المؤسسات عن انخفاض معدلات أرباحها – وبالتوازي مع ذلك كان الاستعداد لعدم دفع المؤسسات الخاسرة إلى الإفلاس، وبالتالي تحميل النظام المصرفي بديون هائلة في حجمها وربما غير قابلة للتحصيل.(57)
وكما في أي رخاء رأسمالي، كانت جميع أنواع المضاربة تنمو نموا سريعا مع سعي من الأفراد الأثرياء والمؤسسات إلى البحث عن مصادر للأرباح السريعة والسهلة:
"حقق الاستثمار في العقارات نموا بنحو 20 بالمئة سنويا على مدى الأعوام الأربعة الماضية (حتى عام 2005) وبلغ 11 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2005."(58) وفي كل مكان في مدن الصين الكبيرة كانت واضحة عمليات البناء وإعادة البناء التي لا تنتهي لأبراج سكنية فاخرة، ومتاجر للوجبات السريعة مرتفعة الثمن نسبيا (بالمعايير الصينية)، وفنادق الطبقة العليا، ومراكز تسوق متخصصة في بيع منتجات مصممين عالميين (وذلك رغم أن هذه المحال كانت تبدو غالبا خاوية تقريبا من المتسوقين). كما كان إغراء المضاربة الدولية يضاف إلى إغراء أعمال التربح المحلية. ففي مارس من عام 2008 كان المسئولون في مجموعة CITIC في بكين على مشارف توقيع صفقة لشراء حصة قيمتها مليار دولار في بنك بير ستيرنز الأمريكي (Bear Stearns) عندما وردت الأنباء أن البنك قد أفلس.(59)
كانت هذه التركيبة من التناقضات تعني أن مسارا صعوديا سلسا في النمو هو أقل السيناريوهات احتمالا بالنسبة للرأسمالية الصينية. وقطعا لم يكن أولئك المسئولون عن إدارة اقتصادها واثقين بأي وسيلة في أنهم يستطيعون السيطرة على إيقاع التراكم التنافسي يمكن معها تفادي الكوارث وفق موقعهم كمديرين للمؤسسات، سواء الخاصة أو المملوكة للدولة، سعوا لأن يتفوق كل منهم على الآخر. أو كما قال رئيس الوزراء وين جياباو أمام المؤتمر الشعبي القومي في مارس 2007، "إن كبرى مشكلات الاقتصاد الصيني أن نموه غير مستقر، ولا متوازن، ولا تنسيق فيه، وغير مستدام."(60)
كان لغياب إمكانية التنبؤ بمسار الاقتصاد الصيني نتائج هامة بالنسبة لبقية العالم. فقد احتل مكان الولايات المتحدة كأكبر سوق لصادرات اليابان، بينما كان بدوره ثاني أكبر مصدر للمنتجات إلى الولايات المتحدة (مباشرة بعد كندا، وقبل المكسيك).(61) أما دوره في استيراد المكونات من مناطق أخرى في شرق وجنوب شرق آسيا والمواد الأولية من أمريكا اللاتينية وإفريقيا فقد جعله اقتصادا محوريا لاقتصاد هذه المناطق جميعا. والأكثر أهمية كذلك، أن الإيرادات الهائلة من تجارته – والكثير منها مع الولايات المتحدة – كانت تودع في الولايات المتحدة. وقد وفرت هذه الإيرادات، مع فوائض مماثلة حققتها اليابان والدول النفطية، التسليف الذي مكن المستهلكين والحكومة في الولايات المتحدة من الاستمرار في الاقتراض حتى "أزمة الائتمان" في صيف عام 2007. ومن الناحية الفعلية، كان الاقتصاد الصيني يقرض الأموال للولايات المتحدة (وبقدر أقل لبعض الدول الأوروبية مثل بريطانيا) حتى تشتري سلعا ينتجها الاقتصاد الصيني نفسه. وقد عزز ذلك من مظهر الاستقرار في النظام العالمي.
ومع ذلك، فإن من يعتقدون أن النمو الصيني يستطيع أن يقود النظام العالمي للأمام إذا وقع خطأ ما في الولايات المتحدة وأوروبا لم يتناسوا فحسب أن السوق المنفلتة التي أطلقت في الصين لا يمكنها أن تؤدي إلى نمو مستقر في مقابل نمو يتذبذب تذبذبا عنيفا. بل إنهم كذلك لم يأخذوا في اعتبارهم الوزن الصغير نسبيا الذي مازالت تملكه الصين في النظام العالمي. ووفق أسعار الصرف الجارية، كان إجمالي الناتج المحلي لها في عام 2006 يبلغ 2600 مليار دولار – أقل قليلا من ألمانيا وأكثر قليلا من المملكة المتحدة وأقل من خمس الناتج المحلي الإجمالي سواء للولايات المتحدة أو للاتحاد الأوروبي. وحسب تقديرات "معادل القوة الشرائية" (وهو معيار يقوم على القوة الشرائية للدخول بالعملة المحلية، أي اليوان) يبدو الناتج المحلي الإجمالي للصين أكثر كثيرا ليبلغ نحو 50 بالمئة من إجمالي الناتج القومي سواء للولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي وذلك وفق تقديرات منقحة للبنك الدولي في عام 2007.(62) إن أرقام أسعار صرف العملة تقلل بشكل كبير من قدر حجم الموارد المتاحة للاستهلاك لدى سكان الصين (لأن الأسعار المحلية للمواد الغذائية الأساسية مثل الأرز والخدمات الأساسية مثل تعريفة المواصلات في المناطق الحضرية تبلغ ربع أو أقل من ربع أسعارها في الغرب). لكن مقياس سعر صرف العملة هو المهم في تحديد مستوى ما يستطيع أي بلد استيراده وبالتالي يوفر قاطرة تجر بقية الاقتصاد العالمي إلى الأمام. وكان خطأ فادحا الاعتقاد بأن الصين، التي تمثل قدرتها الشرائية 4 أو 5 بالمئة فقط من القدرة الشرائية العالمية، تستطيع بصورة أو أخرى أن تعوض تأثير أزمة اقتصادية كبرى تضرب جزءا كبيرا من بقية النظام العالمي.
لم يكن الاقتصاد الصيني بعد قد أصبح كبيرا بما يكفي ليكون قاطرة بديلة للنظام العالمي كاملا. لكنه كان كبيرا بما يكفي ليكون نموه السريع إضافة لحالة عدم الاستقرار في النظام العالمي، كما اتضح من طريقته في تعزيز مستوى التضخم العالمي المتصاعد خلال الأعوام التي سبقت صيف عام 2008.  
الهند، والبلاد حديثة التصنيع (NICs) ومجموعة البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا (BRICS)  
بحلول منتصف العقد الأول من الألفية، أصبح شائعا ضم الهند مع الصين في إطار "العملاقين الناشئين". فعند كل منهما عدد من السكان مساو للثانية بدرجة أو أخرى (حوالي 1300 مليون نسمة)، وكلتاهما قوتان نوويتان، وتعانيا فقرا شديدا في المناطق الريفية. غير أن أهمية الهند الحقيقية في الاقتصاد العالمي أقل كثيرا من أهمية الصين. وكان حجم اقتصادها ثلث اقتصاد الصين وفق أسعار صرف العملة (وهو أصغر كثيرا في الواقع من اقتصاد بريطانيا أو فرنسا) وأصغر بنسبة 60 بالمئة من اقتصاد الصين وفق "معادل القوة الشرائية"؛ وكانت معدلات نموه لا تتجاوز 60 بالمئة من معدلات نمو اقتصاد الصين إلا قليلا في أواخر عقد تسعينيات القرن العشرين، وقد ارتفعت لفترة قصيرة إلى أقل من 90 بالمئة من معدلات النمو في الصين في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة؛ وكان نصيب الهند من إجمالي الصادرات في العالم 0.7 بالمئة فقط في عام 2003، ما وضعها في المركز الحادي والثلاثين من حيث الصادرات.(63)
كانت الهند تناظر النموذج الصيني في بعض الجوانب: فمحاولتها المبكرة في التصنيع الموجه من الدولة (وهي الفترة المعروفة باشتراكية نهرو) أعقبها أعوام قليلة من الركود في منتصف وأواخر سبعينيات القرن العشرين؛ ثم تطبيق إصلاحات تهدف إلى تحقيق نموذج من التراكم يعتمد على السوق بدرجة أكبر كثيرا. لكن الاختلافات بينهما كانت كبيرة. فلم تقترب الدولة الهندية والرأسماليون الأفراد، لافتقادهم إلى القوة الفجة التي تملكها دولة الصين، من تحقيق نفس القدر من النجاح في إخضاع الطبقات الأخرى (طبقة ملاك الأراضي القديمة من ناحية، وطبقتي العمال وصغار الفلاحين من ناحية أخرى)، فكان إنجازها بالتالي أقل خلال فترة التراكم البدائي بقيادة الدولة عندما كان معدل النمو الهندي ربما ثلاثة أرباع معدل النمو في الصين. وكانوا لذلك أقل قدرة على الاستفادة من التوجه إلى السوق العالمية – فكانت صادراتهم أقل من منافسيهم في الصين وكذلك كانت سوقهم أقل جاذبية لرأس المال الأجنبي. وقد دفعت "الإصلاحات" معدل التراكم إلى أعلى، بحيث وصل معدل الاستثمار إلى 25 بالمئة أو 30 بالمئة من إجمالي الناتج القومي. غير أنه لم يكن ممكنا الحفاظ على ذلك إلا على أساس حصول الطبقة الرأسمالية والشريحة العليا من الطبقة الوسطى على نصيب من الناتج يزيد باستمرار على حساب العمال وصغار الفلاحين والفقراء.
وكما أوضح تقرير لصندوق النقد الدولي صدر في 2007:
"في تسعينيات القرن العشرين، تمتعت الشريحة العليا من السكان بنصيب أكبر كثيرا من عوائد النمو الاقتصادي مقارنة بالعقد السابق. وكان لذلك أثار هامة على عدم المساواة في الدخول، التي اتسعت داخل الولايات، وبين الولايات، وبين المناطق الحضرية والمناطق الريفية."(64)  
ويشير تحليل لبيانات ضريبة الدخل إلى أن ما يصل إلى 40 بالمئة من النمو انتهى إلى أيدي أغنى 1 بالمئة من السكان.(65)
يميل مبررو الرأسمالية إلى افتراض أن ارتفاع معدل النمو يجب أن يؤدي تلقائيا إلى انخفاض الفقر، ويذكرون إحصاءات رسمية مختلفة تكشف عن تراجع في عدد السكان الذين يعيشون في فقر مطلق بنسبة 10 بالمئة خلال تسعينيات القرن العشرين. لكن نفس الفترة شهدت انخفاضا في استهلاك الغذاء بالنسبة للفرد في المناطق الريفية، حيث يعيش ثلثا الهنود. ويخلص أبهيجيت سن بعد إعادة تحليل الأرقام الرسمية إلى أن العدد الإجمالي الذي يعيش في فقر مطلق ربما قد ارتفع خلال تسعينيات القرن العشرين، وأن السكان تحت خط الفقر انخفض عددهم انخفاضا طفيفا جدا، وأن هذه الفترة "عقد ضائع" من حيث مكافحة الفقر.(66) كان عدد من يعيشون تحت خط الفقر في عام 2002 يبلغ 35 بالمئة من سكان الهند، أو حوالي 364 مليون نسمة. لكن حتى هذا الرقم يقدر درجة المعاناة بأقل من حجمها. فنصف أطفال الهند يعانون من سوء التغذية طبيا، وما يقرب من 40 بالمئة من جميع الهنود البالغين يعانون فقرا مزمنا في الطاقة.(67) حتى في الولايات التي يفترض أنها تتمتع بالرخاء مثل جوجارات وكارناتاكا وكيرالا ومهاراشتا وتاميل نادو، "أكثر من 70 بالمئة من سكان الريف بها يستهلكون أقل من 2200 سعر حراري يوميا."(68)
إن إدراج الهند في النظام العالمي يعني أن استثماراتها الصناعية، مثل الاستثمار الصناعي في الصين، في غالبيتها الساحقة كثيفة رأس المال، مع زيادة إنتاج رأس المال زيادة كبيرة في تسعينيات القرن العشرين. وكان نمو التوظيف متوقفا عند حوالي 1 بالمئة سنويا؛ 0.87 بالمئة في "القطاع الصناعي المنظم (الرسمي)"(69) حتى وإن كان النمو أسرع قليلا في القطاع غير الرسمي غير المنظم الذي يقل فيه حجم الشركة في المتوسط عن شخصين.(70) ومعظم الناس الذين تدفقوا من الريف إلى المدينة انتهى بهم المطاف إلى محاولة كسب عيشهم في القطاع الخدمي، فيقومون بأعمال لا تتطلب المهارة وتتسم بضعف شديد في مستوى الإنتاجية في مقابل 50 روبية (دولار واحد) يوميا لا تكفي إلا للحفاظ على عائلة على قيد الحياة – مثل أعمال النظافة والكنس، أو العمل كخدم في المنازل، أو غسيل الملابس، أو دفع عربة اليد، أو قيادة الدراجة ثلاثية العجلات (التوكتوك)، أو كباعة متجولين، أو حمالين، وندل، وأعمال الحراسة. وفي مراكز الاتصال التي يروج لها كثيرا للدعاية لا يعمل إلا 400 ألف موظف أو 0.008 بالمئة من إجمالي قوة العمل بالبلاد في عام 2006.(71)  
إن نمو الاقتصاد الهندي، مثل نمو الاقتصاد الصيني، يعني أنه بحلول منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة أصبح يمثل جزءا من الرأسمالية العالمية أكبر كثيرا مما كان يمثلة من 50 أو حتى 20 عاما ماضية، ولهذا النمو آثار هامة بالنسبة للنظام ككل. ولكنه لا يزال صغيرا جدا بمعايير حجم اقتصاد الولايات المتحدة أو حتى اليابان وألمانيا والصين. ربما يتغير ذلك إذا تواصلت معدلات النمو خلال منتصف العقد الأول من الألفية لمدة عشرين عاما أخرى: فحينذاك قد ينتهي الاقتصاد الهندي لأن يصبح أكبر من اقتصاد المملكة المتحدة مقوما بالدولار. غير أن المراكز الحديثة للمجتمع الصناعي في مومباي وحيدرأباد وبنغالور سوف تستمر يفصلها عن بعضها مساحات شاسعة من البؤس الريفي أكبر من معظم البلدان الأوروبية. وقبل أن يحدث ذلك بزمن طويل، فإن عملية النمو السريع بأكملها قد تفقد توازنها وتسقط بفعل عوامل داخلية وكذلك بفعل تأثير عدم الاستقرار عالميا.
لقد رأينا ما حدث "للنمور" في أواخر تسعينيات القرن العشرين، وقبلها ما حدث "للمعجزة" البرازيلية خلال الستينيات والسبعينيات. ولذلك، يكون هناك قدر كبير من فقدان الذاكرة عندما يضم الناس معا مجموعة متباينة جدا من البلدان، هي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، ويزعمون أنها مجتمعة تمثل قاطرة بديلة للنظام العالمي. وفي واقع الأمر، يعتمد تجدد النمو الاقتصادي في البرازيل وروسيا وجنوب أفريقيا نمطيا على طفرة في أسعار المواد الأولية والزراعية خلال رخاء اقتصادي محكوم عليه أن ينتهي أخيرا – وعندما يحدث ذلك فإنه يضربها بعنف. 
إن العقول اللامعة التي تمجد النظام لم تول هذه التناقضات اهتماما في الصورة الوردية التي رسموها لآسيا أكبر مما فعلوا مع المشكلات الأساسية في أوروبا وأمريكا الشمالية. وعادة كانوا يعترفون بأن اليابان لديها مشاكل، لكن مشاكلها سببها الافتقاد إلى الحكمة لدى حكومة لم تستوعب أبدا الدرس عن كيف ينبغي أن تعمل السوق الحرة. وفي وقت متأخر كخريف عام 2007، كان الصحفيون الاقتصاديون، ووزراء الحكومة، ونجوم علم الاقتصاد الأكاديمي جميعا يتفقون على أن الرأسمالية اكتشفت سبيلا جديدا من الاستقرار طويل الأمد – بل إن بعض الماركسيين تحدث عن موجة "صعود جديدة طويلة الأجل". وكان مصيرهم بعد فترة وجيزة أن يظهروا على نفس قدر الحماقة فيمن توقعوا سلاما لا ينتهي في أوائل صيف عام 1914.