الخميس، 8 أكتوبر 2009

جرائم عادية أشد فظاعة

تركز أفلام الرعب الخيالية عادة على ابتكار أشكال مختلفة من الجريمة وأحداث يتوقع مبدعوها أن تثير الفزع في أغلب الأحيان، والتقزز أحيانا، واختناق اليأس أحيانا، بل وأحيانا نشوة الانتصار الذي ربما يكون مؤقتا بانتظار جولة أخرى عما قريب. موضوع هذه الأفلام، التي غالبا ما تكون أمريكية، هو الإثارة، وهو ما تنجح فيه رغم إدراكنا أن لا صلة لها بالواقع.

والمفارقة أن الجرائم الواقعية والحقيقية التي ينتجها نظام السوق أكثر فظاعة وأشد رعبا وحقارة من تلك الجرائم الخيالية في أفلام الرعب ولكنها أقل إثارة بكثير بحيث نتعايش معها وكأنها جزء من طبيعة الأمور مثل مشرق الشمس أو مغربها وهطول الأمطار في مواسمها المعتادة.

تعظيم الربح هو القوة الأساسية التي تحرك هذا النظام، بل هو الفضيلة الأساسية التي تقاس عليها جميع الفضائل الأخرى وتحدد لها مدى واقعيتها ودورة حياتها. وقد لخص المدافعون عن نظام السوق هذه الفكرة في عبارة شهيرة هي "الطمع فضيلة" لدى تبرير السياسات التي كانت السبب في الأزمة العالمية الأخيرة وأنتجت الهوة السحيقة بين الأغنياء والفقراء على مستوى العالم.

دوافع تعظيم الربح هي التي أنتجت تلك الجرائم الفظيعة التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من هذا النظام والتي تهدد بانقراض الجنس البشري برمته، ربما أبرزها غازات الاحتباس الحراري والأمراض التي تنتج عن التلوث وتخليق الفيروسات في إطار الحرب البيولوجية والحروب التقليدية التي أصبحت أكثر شراسة وتخلف دمارا ما كان يخطر ببال أشرس الطغاة وأكثرهم بشاعة في الأزمنة الغابرة.

وإذا بحثت عن السبب الذي دفع ممدوح اسماعيل إلى قتل أكثر من 1000 نفس بريئة لا يعرف عنها شيئا لن تجد غير تعظيم الربح على استثماراته، وإذا سألت عن سبب تورط هاني سرور، صاحب شركة هايدلينا، في توريد أكياس دم فاسدة وأجهزة غسيل كلوي ملوثة للمستشفيات العامة فلن تجد غير نفس الهدف "تعظيم الربح"، وإذا فتشت عن أسباب توريد شركة "التجار المصريون" قمحا فاسدا مليئا بالحشرات والآفات الميتة والبذور السامة لهيئة السلع التموينية ستجد الهدف نفسه "تعظيم الربح".

قد يجادل البعض بأن هناك نظما وقوانين ودولة ومؤسسات تستطيع أن تواجه هذه الجرائم وتجعل النظام يعمل في خدمة المجتمع والسكان بدون هذه الجرائم الفظيعة التي يختارون لها عنوان الفساد. غير أن أي قراءة بسيطة لواقع هذا النظام تكشف أن المؤسسات والقوانين مهما بلغت دقتها وحنكتها لا تستطيع أن تقاوم، ناهيك أن تمنع، جرائم هذا النظام مادامت هذه المؤسسات وتلك القوانين جزءا من آلياته.

أحد الأمثلة الصارخة على فشل المؤسسات في مواجهة هذه الجرائم نجده في "إدارة الغذاء والدواء" الأمريكية، التي يعتبرها كثيرون أكثر المؤسسات نزاهة وكفاءة في ضمان سلامة الدواء والغذاء. بعض الإحصائيات المستقلة تشير إلى أن 100 ألف مواطن أمريكي يموتون ومليوني مواطن آخرون يصابون بأمراض مختلفة سنويا بسبب أدوية حصلت على موافقة هذه الإدارة، مما دفع إحدى الروابط الطبية في الولايات المتحدة تشير إلى تواطؤ الإدارة مع شركات الدواء.

العلماء والباحثون الذين يعملون في هذه الإدارة أنفسهم يؤكدون أنها لا تؤتمن على مراقبة سلامة الدواء، وذلك وفقا لاستطلاع رأي أجري في عام 2002. كما أشارت تقارير صحفية عديدة إلى تهديد الإدارة للباحثين والعلماء الذين يعملون لديها من أجل إخفاء ما يكتشفونه من آثار ضارة وسلبية لتعاطي أدوية معينة أو تناول أغذية معدلة جينيا. بل وتتعرض الهيئة نفسها لضغوط من أعضاء الكونجرس والإدارة الأمريكية من أجل الموافقة على الأدوية والأغذية التي تنتجها بعض الشركات الكبرى وإخفاء أي تقارير حول أثارها الجانبية التي قد تكون قاتلة. سلسلة الفضائح التي ارتبطت بأدوية الأعصاب والمفاصل والمسكنات تعتبر دليلا كافيا على ذلك ولكنها لا تمثل إلا قمة جبل الجليد.
لا نحتاج إلى سرد المزيد من التفاصيل عن تلك الجرائم اليومية البشعة التي لا نقابلها بأي نوع من الإثارة، ولكن يحق لنا ألا نتوقع خيرا من حكومتنا التي تقدس هذا الحافز المجنون "تعظيم الربحية" وتدخله في كل جانب من جوانب حياتنا. وعلينا أن نترقب بحذر شديد كل إجراء سوف تتخذه تحت مسمى الإصلاح، لأن إصلاحها دائما يستهدف "تعظيم أرباح" البيزنس وفتح مزيد من الفرص أمامه حتى وإن كانت على حساب الغالبية العظمى من أبناء مصر.

ليست هناك تعليقات: