رمضان متولي
ورحل الديكتاتور … انتفاضة شعبية هائلة لم تكن بلا طائل ولن تكون، دماء زكية طاهرة ألهبت ساحة الميادين التي دارت عليها معارك هادرة، وأججت حماس الملايين الذين قدموا أروع آيات البطولة في مواجهة الحديد والنار.
رحل الديكتاتور بعد مراوغة ومناورة لم تنطل على شباب في عمر الزهور، كشفوا صدورهم عارية أمام رصاصات جنوده، ورفعوا حناجرهم منددة برموزه وأفراد عصابته الإجرامية. حشود من اللحم والدماء الساخنة والأحلام الطائرة والأصوات الراعدة ألهمت خيالهم الغض فرسموا صورا للديكتاتور مرتديا قناع هتلر، وهتفوا بسقوط نيرون الذي أراد أن يحرق الأرض تحت أقدامة الثقيلة الغاشمة.
نيرون رحل دون أن يتمكن من إحراق الأرض، أبناء هذه الأرض تشبثوا بها حتى زلزلت من تحت أقدامه وأقدام اللصوص والمماليك من أنصاره، خرج من رحمها شعب وإرادة، عيون لامعة بالأمل وسواعد فتية ألقت رواسيها وأجرت في صخورها الروح فأزهرت أحلاما وقلوبا لا تعرف المستحيل.
كانت الانتفاضة عيدا حقيقيا للمقهورين في جهات الأرض، وحدت جميع الأطياف شبابا وشيوخا، رجالا ونساءا، مسلمين ومسيحيين، ليبراليين ويساريين وقوميين وإسلاميين في مواجهة رمز النظام البوليسي وحكم العصابات الذي لم يسانده إلا من استفادوا والتحقوا بمؤسسة الفساد والاستبداد التي عزز قواعدها طوال ثلاثين عاما من عهده البغيض.
راهن الديكتاتور عند رحيله على سيناريوهات مختلفة، كان يظن في نفسه القدرة على احتواء مالا يمكن احتواؤه، كان يظن في نفسه القدرة على ابتزاز مشاعر الجماهير الغاضبة التي أنهك حواسها بالقهر والظلم والإحباط والفقر والتمييز والفتن على مدى عقود حكمه السوداء، ورغم نجاحه جزئيا في ابتزاز مشاعر من سكنوا إلى بيوتهم بسبب ميراث اليأس والخوف، لم يستطع أن يستمر في إخفاء الصورة الحقيقية لنظامه البوليسي وعصاباته التي ما لبثت أن شنت حملة الأربعاء الدامي وأسقطت ما تبقى لنظامه من هيبة وكرامة زائفة.
سقط الديكتاتور فعليا عندما زال كابوس الوهم والغشاوة عن أنفس الأحياء، لكنه تشبث إلى اللحظة ما بعد الأخيرة عندما أسند السلطة لبعض من أذرعه الأخطبوطية، فجاء عمر سليمان بترسانة الأكاذيب والقهر والغرور القديمة، وكأن الأرض ما كانت تميد، وكأن بركان الغضب لم يلمس هواء التكييف البارد في صالونه الكلاسيكي. لم يعرف سليمان مع من يتكلم لأنه أصر ألا يحاور إلا نفسه، لم يعرف كيف يتصرف لأنه أصر ألا يرى غير هيلمان الغرور والعظمة الزائفة. سقط سليمان عندما نطق فعرفه الناس، وانهار البناء الصخري الجامد على رؤوس من أقاموه على جثث ملايين الشهداء والأحياء بلا حياة على مدى عقود.
الشعب يريد إسقاط النظام … كلمات واضحة صريحة مباشرة، تستمد قوتها وعنفوانها من ملايين الحناجر التي هزت بنايات شاهقة في ميادين مصر المختلفة، تستمد صلابتها من قوة وإصرار وعزم الجماهير التي تفتحت عيونها على فجر كانت تراه بازغا خلف دخان القنابل وسحب القهر السوداء.
الشعب يريد إسقاط النظام، والنظام يناور محاولا التلاعب بمشاعرهم التي اختلط فيها الخوف من ميراث القهر البغيض والأمل في مستقبل أفضل لهم ولأبنائهم، يحاول ابتزاز عواطفهم بعد أن كشفوا عن قلوب غضة كعناقيد الورد، وروح طيبة حانية ظن أنها تعفنت وأكلتها الضغائن. كان ذلك تصريحا بأنه لم يفهم بعد أن تلك الروح الجديدة تنتمي إلى عهد جديد، لم يفهم أن في بقائه وأدا لهذه الروح الجديدة الحرة، وأن العفن والضغائن مخلفات ما زرعه في نفوس تلك الجماهير التي رماها بالسرطان والذل والقهر طوال حكمة التعيس. الآن هم يكتشفون أنفسهم من جديد ويريدون إسقاط نظامه الذي حجب عنهم الرؤية وحرمهم من نعمة الضوء بعد أن لفهم في ظلام اليأس والقنوط.
رحل الديكتاتور وأصابعه السوداء اللزجة كأذرع العنكبوت. الآن ننفض غبار القهر والإحباط. انتصرت الجماهير في معركتها الأولى ضد نظام فاسد وطاغية مستبد، كان الثمن باهظا، دفعته الجماهير ولم يهن عليها، ضريبة من دماء مئات الشهداء وآلاف الجرحى، وضريبة أخرى من نزيف المشاعر بالأمل والإحباط والغضب والبهجة في كل تراوح للمعركة بين أشباح الهزيمة وفجر الانتصار.
كسبت الجماهير معركة أولى أسقطت فيها رمز النظام، تفتحت براعم الزهرة، لكنها مازالت تحتاج إلى أن تنمو حتى نستنشق عبير الحرية، وأن تثمر حتى نصنع مستقبلا جديدا لأروع أطفال العالم الذين لم يولدوا بعد.
رحل الديكتاتور وتحطمت أذرعه السوداء اللزجة، لكن السلطة سلمت إلى مجلس عسكري، وعد الضباط أنهم لن ينقضوا على شرعية انتفاضة الجماهير، وقدم المتحدث العسكري تحية مستحقة لشهداء انتفاضة الحرية عززت ثقة الجماهير الثائرة في قادة الجيش، فاحتفلت بانتصارها في ليلة عيد لم تشهد البلاد مثيلا لها منذ أزمان سحيقة…وأصرت الجماهير أن تلك اللحظة ليست لطرح الأسئلة، إنها لحظة المرح والبهجة والزغاريد والطبول الصاخبة. رفرفت الأعلام وانطلقت الألعاب النارية التي أضاءت سماء الميادين بعد أن كانت تضج بصوت القنابل وصرخات المعركة واستغاثة الجرحى وهدير أقدام الجنود والمدرعات المرعبة. عمت البهجة العارمة شوارع المدن وميادينها، ونادى أبطال الانتفاضة بتمجيد أسماء شهدائهم.
وبينما كانت الجماهير تحتفي، كانت قيادات الجيش تصارع مأزقا خطيرا. للجيش حسابات استراتيجية معقدة، وآمال الملايين الثائرة ليس لها سماء ولا حدود، جماهير مفعمة بالثورة وإرادة واثقة لسان حالها يقول مع شاعر فلسطين العظيم: "لا بر إلا ساعداك." والبر تحرسه الذئاب. فعلى حدودنا الشمالية الشرقية ذئاب متعطشة للدم مازالت آثار مخالبها في رقابنا تنزف، ومازالت أيدينا وأقدامنا ترسف في أغلال اتفاقيات ومعاهدات مجحفة. وما وراء البحر والمحيط دببة شرسة تعرف مقدارنا وتخشى ارتفاع صيحتنا بالعزة والحرية. وأمام روح الجماهير الثائرة والمغامرة والجديرة بالحرية لا تعرف الجيوش المغامرة.
أمام الجيش نظام مستبد فاسد، أسقط وانتهك الدستور والقانون، وأفسد الحياة السياسية بأحزاب مدجنة باهتة لا وجود لها ولا مبادئ، وأفسد النقابات والمؤسسات بالتزوير والرشوة والمؤامرات المباحثية، وأفسد حياة المجتمع ككل بسوء توزيع الثروة وإساءة استخدام السلطة.
أمام الجماهير الثائرة أسئلة كثيرة لم يجب عنها المجلس العسكري، فلم يكشف البيان الرابع عن شئ جديد غير ما تركه لنا الديكتاتور، وكأن الديكتاتور لم يرحل، لكننا في انتظار البيانات التالية، وأملنا الأكبر في روح الجماهير الثائرة ووعيها النابض الجديد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق