الثلاثاء، 15 مارس 2011

نعم للحرية من أجل إسقاط النظام


رمضان متولي
تجاوز الاهتمام بأمر التعديلات الدستورية التي سيجرى الاستفتاء عليها يوم السبت القادم أهمية هذه التعديلات نفسها، يتضح ذلك من متابعة الصحف المصرية وقنوات ومحطات التلفزيون الرسمي والقنوات الخاصة التي تحتل فيها مناقشة هذه التعديلات والمواقف المختلفة إزاءها المساحة الأكبر في التغطية، وكأن الأحداث والمعارك التي دارت رحاها في مختلف ميادين وشوارع مصر منذ 25 يناير الماضي كانت دوافعها وأهدافها الأساسية مجرد مجموعة من الإصلاحات السياسية والدستورية دون إنكار طبعا لأهمية هذه الإصلاحات.
غير أن الدساتير على أهميتها لا تمثل ركنا أساسيا في أي نظام سياسي لأنها نصوص على ورق لا تملك قوة في ذاتها وإنما تستمد قوتها إن وجدت من قوة المؤسسات والمنظمات المدنية ومن طبيعة التوازنات السياسية بين مختلف الأطياف والاتجاهات من جانب وبين الحاكم والمحكومين من جانب آخر.
هكذا يتضح لنا من مجرد المراجعة السريعة للدساتير التي وضعت في مصر على مدى ما يقرب من ثمانين عاما، فقد وجد الدستور المكتوب في مصر منذ عام 1923 وتعاقبت علينا الدساتير المختلفة من الدستور الموءود في عام 1954، مرورا بدستور 1956 حتى دستور 1971 الذي شهد سلسلة من التعديلات غيرت طبيعته وجعلته نموذجا لتفاهة وسخافة النصوص وقدرة الحكام على الاستهانة بها مادامت لا تعكس واقع التوازنات السياسية على الأرض. ومع وجود هذه الدساتير، لم تشهد مصر حكما مؤسسيا، حتى وإن لم يكن ديمقراطيا، طوال تاريخها، ليس لأن هذه الدساتير كانت تقر الاستبداد، بل لأن قدرة الحكام على الاستبداد كانت تفرغ النصوص الدستورية من أي قيمة واقعية، ولنا أن نتذكر في هذا السياق أن أغلب عمليات خصخصة الشركات المملوكة للدولة تمت وكان دستور 1971 ينص على عدم جواز التفريط في القطاع العام وملكية الدولة باعتبارهما ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني! كما أن أغلب التغييرات الهيكلية التي طرأت على الاقتصاد المصري في عهد مبارك تمت بالمخالفة لنصوص هذا الدستور وطبيعته التي كانت تعتبر أن مصر نظامها اشتراكي ديمقراطي ولم يكن في النظام أدنى مسحة من الاشتراكية ولا الديمقراطية اللهم إلا من ناحية الشكل فقط وليس من حيث الجوهر!
ومن زاوية أخرى نجد دولا عديدة في العالم لا يوجد لديها دستور مكتوب وتزخر بحيوية ديمقراطية تجعل الحكام خاضعين للمساءلة، بل والإدانة، إذا تجاوزوا على حقوق المجتمع المدني ومؤسساته، وكثير منهم يدفعون ثمن هذه التجاوزات إن حدثت، ولنا في بريطانيا نموذجا على ذلك من حياة ديمقراطية لا نظير لها في دول لديها دساتير مكتوبة.
ورغم ذلك يصر المجلس العسكري الذي يحكم البلاد حاليا لفترة انتقالية على سرعة إجراء التعديلات الدستورية التي ستعيد الحياة للدستور الذي تم تعطيل العمل به تحت دعوى أنه يريد أن يترك السلطة للمدنيين في أسرع وقت ممكن. وحقيقة الأمر أن المجلس يريد اختزال الانتفاضة الثورية للشعب المصري التي أطاحت بالديكتاتور السابق عند حدود إجراء بعض الإصلاحات السياسية الشكلية على النظام القائم دون المساس بطبيعة التوازنات السياسية الحالية ولا بجوهر ومؤسسات النظام الحاكم وإن اضطر إلى التضحية ببعض رموزه والأشخاص البارزين فيه لاحتواء غضب الجماهير. يتضح ذلك من حقيقة أن المجلس في كل مرة كان يتباطأ في الاستجابة لمطالب الجماهير سواء في إقالة حكومة أحمد شفيق أو في التعامل مع جهاز أمن الدولة، كما يتضح في إصراره على فرض توجهاته ورؤيته لطبيعة المرحلة الانتقالية وإجراءاتها وفي تمسكه بعدم المساس بمؤسسات النظام مثل أجهزة الحكم المحلي والمحافظات والحزب الحاكم وغيرها، رافضا في نفس الوقت مطالب جوهرية تتعلق بإطلاق حرية العمل السياسي والنقابي، وتعديل هياكل المؤسسات والحق في التظاهر والإضراب السلمي تحت دعاوى مختلفة.
ليس غريبا في هذا السياق أن تعلن جماعة الأخوان المسلمين وأغلب تيارات الإسلام السياسي موافقتها على التعديلات الدستورية المقترحة حتى قبل إجراء الاستفتاء عليها، وأن تتفق هذه التيارات في ذلك مع بقايا الحزب الوطني الذي مازال قائما. فهؤلاء وأولئك كانوا أطراف المعادلة السياسية التي هيمنت على البلاد في عهدي السادات ومبارك وإن تصدر الحزب الوطني الساحة والسلطة باعتباره حزب الحاكم الذي يهيمن فعليا على مؤسسات الدولة وإمكانياتها والذي يحظى بدعم أجهزة الأمن السرية والشرطة والإدارات المحلية والشركات والمؤسسات العامة.
وفي موافقة الطرفين على التعديلات إدراك لكل منهما أن جوهر النظام السياسي لم يتغير وإن تغيرت التوازنات بينهما في معادلة السلطة، فالنظام السياسي حاليا يشبه رجلا أصيب بطلق ناري في إحدى ساقيه فأصبح يترنح في سيره ومرتبكا، يخشى من أي عقبة يتعثر فيها فيسقط ولا تقوم له قائمة قبل أن يتماثل للشفاء. بقايا حزب الحاكم وتيارات الإسلام السياسي يمثلان دعامتي هذا النظام، لذلك يصر المجلس العسكري على عدم تفكيك الحزب الوطني وعدم تطهير المؤسسات المختلفة من فلوله وعلى التنسيق والحوار مع تيارات الإسلام السياسي ورفض مبادرات غيرها من التيارات السياسية، كما تأتي موافقة تيارات الإسلام السياسي على التعديلات الدستورية المقترحة لأنها توافق مصالحها الآنية أولا، ولأنها تتفق مع ميول ورغبة المجلس العسكري في اختزال الانتفاضة الثورية إلى مجموعة من الإصلاحات السياسية والدستورية ثانيا.
على هذا الأساس أرفض إجراء الاستفتاء على تعديل الدستور من حيث المبدأ، وأدعو جميع القراء إلى التصويت برفضها إذا فرض علينا إجراء هذا الاستفتاء، حتى لا تختزل إنجازات الانتفاضة الشعبية العظيمة في تعديل بضعة نصوص وإجراء بعض الإصلاحات مع بقاء جوهر النظام.
وعلى هذا الأساس أيضا أظن أن الأهم من التعديلات الدستورية وما سيسفر عنه الاستفتاء من قبولها أو رفضها هو إعادة تهيئة المناخ السياسي بما يرفع الظلم عن التيارات السياسية التي حرمت من فرصة عادلة في ممارسة نشاطها وقمعت قمعا شديدا طوال عهدي السادات ومبارك حيث كان حزب الحاكم (الوطني) يحظى بدعم مؤسسات الدولة وتمويلها ودعم المؤسسة الأمنية صاحبة اليد الطولى في الحياة السياسية، وكانت تيارات الإسلام السياسي تحظى بدعم السلطة والتمويل واستخدام دور العبادة وغيرها سواء لمواجهة الخصوم السياسيين للسلطة أو كفزاعة للغرب من أجل دعم الحاكم المستبد، أو لمساندة خطط القوى العظمى مثل الولايات المتحدة في مواجهة أعدائها أو للهيمنة على مناطق استراتيجية في العالم كمنطقة الخليج بدعم من المملكة العربية السعودية.
وتكون إعادة تهيئة المناخ السياسي بمد الفترة الانتقالية إلى عامين على الأقل، وأن ينظمها أعلان دستوري يطلق حرية تشكيل الأحزاب والنقابات والجمعيات بمجرد الإخطار على ألا تكون بها تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية، ويطلق حرية التعبير من خلال التظاهرات والإضرابات والمسيرات، وإطلاق حرية إصدار الصحف ووسائل الإعلام الأخرى على المستوى القومي والمحلي، وحرية النشاط السياسي في مختلف الأوساط والتجمعات الجماهيرية، وحرية عقد المؤتمرات وتنظيم المنتديات في إطار سلمي يحمي حقوق الإنسان في التعبير والتنظيم ونشر الأفكار وتبنيها.
ورغم ذلك لن تستطيع التيارات السياسية التي قمعت على مدى يزيد على أربعة عقود أن تحصل على فرصة عادلة لبناء قدراتها والمنافسة الانتخابية العادلة مع القوى التي استقرت طوال تلك الحقبة الطويلة والمظلمة وتمرست على الممارسة الانتخابية بما تتضمنه هذه الممارسة من علاقات القوة والمصلحة والهيمنة والتبعية. لكن تهيئة المناخ السياسي بهذه الصورة يمثل الحد الأدنى حتى تتمكن القوى السياسية التي أقصيت عن المسرح السياسي لفترة طويلة من الحصول على تمثيل شبه عادل ومعقول في جمعية تأسيسية منتخبة لصياغة دستور جديد، وحتى تكون لها مؤسساتها التي تمكنها من الترويح لأفكارها ومبادئها على قدم المساواة مع القوى الأخرى وبناء قدراتها ولو في المدى الطويل. لا للتعديلات الدستورية، نعم لإطلاق الحريات السياسية والنقابية للجميع.

ليست هناك تعليقات: