رمضان متولي
لا يوجد نخبة سياسية في العالم
ترحب وتحتفي علنا برئيس وزراء ماليزيا الأسبق مهاتير محمد مثلما تفعل النخبة
السياسية في مصر سواء في الحكومة أو في المعارضة. فلدى زيارة الرجل الأخيرة إلى
البلاد أرسلت رئاسة الجمهورية مندوبا عنها لاستقباله في المطار، ثم نظم حزب الحرية
والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الأخوان المسلمين، مؤتمرا واسعا بين مهاتير محمد
وكبار قيادات الجماعة ورجال الأعمال وخبراء ومتخصصين للاستفادة من التجربة
الماليزية في "النهضة". واحتفى خيرت الشاطر، نائب المرشد العام لجماعة
الأخوان المسلمين، بالمؤتمر وقال إن مؤسسة الرئاسة تدرس تجارب الدول الرائدة في
النهضة لتحسين مستوى معيشة المواطنين خلال المرحلة المقبلة! ولخص التجربة
الماليزية زاعما إنها اعتمدت على برامج الإصلاح الحكومي ومكافحة الفساد وتحقيق
النهضة الصناعية والزراعية الخ الخ.
وفي زيارة سابقة لرئيس الوزراء
الماليزي الأسبق في يونيو 2011 التقى خلالها مرشحي الرئاسة آنذاك حمدين صباحي وعبد
المنعم أبو الفتوح خلال مؤتمر نظمه اتحاد الصناعات، وأبدى صباحي إعجابه
"بالقيم والأخلاقيات التي تساهم صناعة النهضة" وكذلك بأفكار الدكتور
مهاتير محمد وفهمه المستنير للإسلام كدين وحضارة!
فهل كانت تجربة مهاتير محمد في
ماليزيا تستحق كل هذا الثناء؟ وهل هي التجربة التي يجب أن تتوجه نحوها مصر بعد
ثورة ضحى خلالها أبناؤها بدمائهم وعيونهم من أجل تحقيق الحرية والكرامة الإنسانية
والعدالة الاجتماعية؟ حقائق الواقع والتاريخ ربما تكشف لنا عن موقع تجربة مهاتير
محمد ونظامه من أهداف هذه الثورة وطموحات أبنائها.
نظام الحزب الواحد والتعددية
الشكلية في إطار طائفي:
منذ استقلالها عن بريطانيا في عام
1957 وتخضع ماليزيا لسلطة ائتلاف حاكم يهيمن عليه حزب "منظمة المالاي القومية
الموحدة"، وتتشكل قاعدة تأييد هذه المنظمة بالأساس بين طائفة المالاي في
المناطق الريفية، ويعتمد حكمها على دعم وتأييد
الدول الاستعمارية من بريطانيا والولايات المتحدة وغيرها في حساباتها الاستراتيجية
للنفوذ في منطقة محاذية خلال العقود السابقة للاتحاد السوفييتي ثم حاليا محاذية
للصين، هذا بالإضافة طبعا لطبقة رجال الأعمال من طائفة المالاي التي تحظى بوضع خاص
ورعاية متميزة فيما يطلق عليه "رأسمالية المحاسيب". وتعمل المنظمة على
كسب تأييد طائفة المالاي من خلال التمييز لصالحها في عقود الحكومة لمشروعات البنية
الأساسية، وفي العمل في الوظائف الحكومية والخدمات التعليمية وغيرها، حيث تشكل هذه
الطائفة حوالي 60% من سكان ماليزيا فيما يشكل الماليزيون من أصل صيني حوالي 20%
ومن أصل هندي حوالي 6% بالإضافة إلى 9% من المسيحيين، وتتركز الطوائف الثلاث
بالأساس في المناطق الحضرية.
وفي الانتخابات التشريعية الأخيرة
في مايو الماضي، التي شهدت انقساما حادا في أوساط الطبقة الحاكمة في ماليزيا فاز
الائتلاف الذي تقوده منظمة المالاي القومية الموحدة بحوالي 57% من مقاعد البرلمان
رغم أنه لم يحصل إلا على 47% من إجمالي أصوات الناخبين بينما حصلت المعارضة
الممثلة بالتحالف الشعبي الذي يقوده أنور ابراهيم، الذي كان نائبا لمهاتير محمد
قبيل الأزمة المالية الآسيوية في 1998، على أكثر من 50% من الأصوات وحصلت على 89
مقعدا فقط من مقاعد البرلمان البالغة 222 مقعدا. وجاء ذلك نتيجة لتقسيم الدوائر في مصلحة طائفة المالاي
حيث جاءت نصف المقاعد التي فاز بها الائتلاف الحاكم من ثلاث ولايات فقط من إجمالي
13 ولاية تشكل ماليزيا. واتهمت المعارضة الحكومة بالتورط في التزوير من خلال شراء
أصوات الناخبين وتقفيل الصناديق والتصويت الجماعي باستخدام وسائل النقل الحكومية
وغيرها. وبغض النظر عن اتهامات المعارضة، فقد اعتادت حكومات منظمة المالاي
المتعاقبة على التمييز لصالح طائفة المالاي في جميع المجالات، كما قام رئيس
الوزراء الحالي نجيب رزاق بصرف مبالغ مالية للفقراء قبيل الانتخابات، واعترف
بالتصويت الجماعي ونقل الناخبين إلى مراكز الاقتراع. وأعلنت مفوضية الانتخابات أن
80% من الناخبين شاركوا في هذه الانتخابات. واشتهرت المنظمة عموما بتزوير الانتخابات بشكل
مباشر ومن خلال التلاعب بالدوائر الانتخابية لصالح طائفة المالاي بل وممارسة العنف
في كثير من الأحيان للسيطرة على نتائج الانتخابات (فهل يذكرنا ذلك بأساليب الحزب
الوطني؟)، وفي الانتخابات السابقة في عام 2008، حاز الائتلاف الحاكم على 63% من
مقاعد البرلمان رغم أنه لم يحصل إلا على 51% من إجمالي أصوات الناخبين! ومع ذلك،
فبسبب تطلع شباب ماليزيا وفقرائها إلى التخلص من حكم الائتلاف السلطوي فقد هذا الائتلاف
خلال انتخابات 2008 وانتخابات 2013 احتكاره لأكثر من ثلثي مقاعد البرلمان التي كان
يستخدمها كما يشاء في تغيير الدستور.
وقد تولى مهاتير محمد رئاسة
الوزراء في مملكة ماليزيا في عام 1981 من خلال هذه المنظمة التي حكمت البلاد
بالحديد والنار، وطوال عهده الذي استمر 22 عاما حكم البلاد بقوانين قمعية
واستبدادية أشهرها قانون سيئ السمعة يسمى قانون الأمن الداخلي، صدر بالأساس قبل
توليه السلطة بسنوات لمواجهة "الخطر الشيوعي". وقد استخدمت المنظمة هذا
القانون الوحشي في مواجهة المعارضين لها من جميع التيارات السياسية.
طوارئ دائمة واعتقال متكرر وتعذيب
منهجي:
ويعد قانون الأمن الداخلي هو
الأخطر في عائلة كاملة من القوانين القمعية التي اعتمد عليها نظام مهاتير محمد
خلال سنوات حكمه الطويلة كانت خلالها ماليزيا، ومازالت، دولة بوليسية بالمعنى
الحرفي للكلمة. وقد جمع هذا القانون، الذي صدر في عام 1960، في حزمة واحدة كل
الاجراءات القمعية التي استخدمها الاحتلال البريطاني، واستخدمته الحكومة في ضرب
تمرد المناطق الريفية الذي كان يقوده الحزب الشيوعي الماليزي فيما بعد. كما استخدمت
حكومات منظمة المالاي القومية الموحدة هذا القانون منذ استقلال ماليزيا لقمع كل
أشكال المعارضة السياسية والاحتجاجات الاجتماعية، وعلى مدى ما يقرب من 50 عاما
اعتقلت عشرات الآلاف من بينهم نقابيين وطلاب وعمال دون محاكمة أو توجيه اتهام
علاوة على آلاف آخرين وضعوا تحت الإقامة الجبرية بموجب نصوصه التي تجاوزت في
قسوتها قانون الطوارئ سيئ السمعة في مصر.
وفي تقرير صدر عن منظمة مراقبة
حقوق الإنسان في سبتمبر 2005 قالت المنظمة إن المعتقلين بموجب هذا القانون يعاملون
معاملة المجرمين دون إدانة أو حتى توجيه اتهام لهم. ويحرمون من أي حقوق دون أن
يكون لهم الحق من الناحية الفعلية للمثول أمام محكمة لإثبات براءتهم. ويتعرضون
خلال احتجازهم للتعذيب البدني والنفسي والاعتداء الجنسي وتشويه السمعة دون أن تتاح
أمامهم فرصة الشكوى أو الدفاع عن أنفسهم، وبعضهم أمضى تحت هذا الاعتقال سنوات دون
أن يعرفوا متى سيتم الإفراج عنهم أو المدة التي سيبقون فيها رهن الاحتجاز.
ويسرد التقرير حالات كثيرة ومؤثرة
لأشخاص تعرضوا للاعتقال بموجب هذا القانون الوحشي وأشكال التعذيب التي يتعرضون لها
خلال اعتقالهم، دون أن يعرفوا أسباب التعذيب والمعاملة المهينة والقاسية أو حتى
وسيلة لإيقافه، فهو تعذيب للتعذيب فقط لا للحصول على اعتراف بجريمة أو معلومات
تتعلق بأمر ما. وبموجب هذا القانون، وفقا لمنظمة مراقبة حقوق الإنسان، يحق للحكومة
اعتقال أي شخص تشتبه في أنه يمثل تهديدا للأمن القومي أو مصطلحات أخرى غامضة
وكثيرة دون توجيه اتهام أو محاكمة. بل إن الحكومة الماليزية استخدمت هذا القانون
نفسه في مواجهة من تشتبه في قيامهم بتزوير أوراق رسمية أو يمارسون طقوسا دينية
تراها إدارة الشئون الدينية ممارسات "منحرفة". ويؤكد التقرير أن هذا
القانون، الذي مازال ساريا حتى الآن، استخدم على مدى 60 عاما لقمع كل الأصوات
المعارضة لحكومة منظمة المالاي القومية، وأن عشرة آلاف شخص تم اعتقالهم بموجب
نصوصه بما في ذلك أنور ابراهيم، النائب السابق لرئيس الوزراء مهاتير محمد، عندما
اختلف معه وطرد من منظمة المالاي وأسس حزبا معارضا لحكومته في أعقاب الأزمة
المالية الآسيوية في 1998.
ويسمح هذا القانون القمعي لأجهزة
الشرطة باعتقال أي شخص لمدة ستين يوما دون إذن قضائي أو محاكمة ودون أن يحق له
زيارة محام وذلك لمجرد الاشتباه في أنه قام أو يحتمل أن يقوم بأي تصرف من شأنه الإضرار
بأمن البلاد أو سلامة الخدمات الضرورية فيها أو أوضاعها الاقتصادية. وبعد هذه
المدة يحق لوزير الأمن الداخلي، وهو رئيس الوزراء حاليا، أن يمد الاعتقال لعامين
دون العرض على محكمة ودون تقديم أي دليل أو مذكرة بشأن ذلك، كما يحق له إصدار
قرارات بمد الاعتقال بهذه المدة بدون حد أقصى، بمعنى أن يتم تجديد الاعتقال عدة
مرات دون مراجعة محكمة ودون سند قانوني. ويسمح القانون بمراجعة قرارات الاعتقال من
قبل مجلس استشاري يعينه الملك بترشيح من رئيس الوزراء، لكن آراءه لا تكون ملزمة
وعادة يتم تجاهلها من قبل رئيس الوزراء.
ولا يقتصر الأمر على هذا القانون،
وإنما هناك قوانين أخرى منها مرسوم الطوارئ الجنائية، والذي بموجبه يتم اعتقال أي
شخص يشتبه في قيامه أو احتمال قيامه بجرائم جنائية من قبل الشرطة مباشرة ودون
الحاجة إلى إذن قضائي أو حتى مراجعة من مسئول، وهو قانون يستخدم على نطاق واسع
ويجري احتجاز الضحايا في أماكن تابعة للشرطة يتعرضون فيها للتعذيب والإهانة، وقد
ألغى مهاتير محمد أثناء حكمه نصا في القانون يتطلب مراجعة المحكمة عقب الاحتجاز،
وألغى ولاية القضاء تماما على مراجعة أسباب الاعتقال وذلك في عام 1989 وجعل حق
الطعن فقط على أساس إجرائي، وهو أمر لا أهمية له حيث تقوم السلطة بإصدار قرارات
جديدة للاعتقال إذا قررت المحكمة الإفراج عنهم.
الصحافة بين أنياب الدولة ورجال
الأعمال الموالين للحزب الحاكم:
بطبيعة الحال، يضمن دستور ماليزيا
حرية التعبير بنص المادة العاشرة منه، ولكنه يضع كذلك قيودا عديدة على ممارستها.
وهكذا نجد الصحفيين عرضة لحزمة من القوانين منها قانون التحريض، وقانون الأمن
الداخلي وقوانين السب والقذف التي تستخدم
بكثافة لفرض القيود على الصحافة ومن ينتقدون الحكومة، وتصل العقوبات في هذه
القوانين إلى عدة سنوات في السجن وأحيانا بدون محاكمة. كما لا يوجد في ماليزيا
قانون لحرية تداول المعلومات وبالتالي لا يسمح للصحفيين بالحصول على المعلومات من
مصادرها ويتردد المسئولون في الإفصاح عن أي معلومات حتى لا يتعرضون لعقوبات ينص
عليها قانون سرية الوثائق القائم منذ عهد الاستعمار.
وفي عهد مهاتير محمد، الذي تحدث عن
ضرورة حرية الإعلام في مصر أول أمس، صدر قانون النشر والطباعة في عام 1984 الذي
يشترط على جميع الناشرين وشركات الطباعة الحصول على تراخيص بالتشغيل كل عام، ويحق
للحكومة أن تمنح أو تحجب الترخيص دون إبداء أسباب ودون اللجوء إلى القضاء، كما يحق
لها إلغاء الترخيص في أي وقت. نفس القيود تنطبق على البث الإذاعي والمرئي، حيث يحق
لوزير الإعلام أن يقرر أي الخدمات التلفزيونية صالحة لتقديمها للشعب الماليزي، وفي
سبتمبر 2011 أصدرت مفوضية الاتصالات والوسائط الإعلامية قرارا يحظر عرض فيديو يدعو
المواطنين إلى تسجيل أنفسهم في جداول الانتخابات.
ورغم أن معظم وسائل الإعلام مملوكة
للقطاع الخاص، تخضع أغلبية هذه الوسائل من مطبوعات ومحطات بث لأحزاب سياسية تنتمي
للائتلاف الحاكم أو لرجال أعمال لهم صلات قوية بمراكز الحكم. ويزعم الائتلاف
الحاكم، كما كان يزعم الحزب الوطني، أن الصحف الكبرى محايدة أو مستقلة، وفي واقع
الأمر تؤدي المصالح السياسية والتجارية لملاكها إلى ممارسة الصحفيين نوعا من
الرقابة الذاتية، فيما تتعرض الصحف الأجنبية المطبوعة للرقابة والمصادرة.
حق التنظيم والتظاهر السلمي بإرادة
وزير الداخلية:
تفرض ماليزيا قيودا صارمة على حق
تكوين الأحزاب والجمعيات حيث يشترط القانون تسجيل أي مجموعة يزيد عدد أعضائها عن
سبعة أفراد لدى هيئة خاصة لتسجيل الجمعيات والتي تشترط أن تعمل في إطار احترام
"الديمقراطية" والدين الإسلامي كدين رسمي للدولة. ولكن لوزير الداخلية حق
مطلق لنزع الصفة القانونية عن أي حزب أو جمعية وحظر نشاطها تحت عناوين عامة مثل
الأمن القومي والنظام العام وحماية الأخلاق.
ويقول تقرير لمنظمة مراقبة حقوق
الإنسان صادر في مارس 2013 إن هيئة تسجيل الجمعيات يمكنها أن ترفض تسجيل أي حزب أو
جمعية أو حتى تلغي ترخيصها لنفس الأسباب، وقد تعرضت إحدى الجمعيات غير الحكومية
لسحب الترخيص باتهامات غريبة منها "إخفاء أجندتها الحقيقية، ومهاجمة الحكومة،
والمعاملات المالية المشبوهة والسعي للحصول على تمويل أجنبي. وانتهت التحقيقات في
أمر إلغاء الترخيص بدون توجيه أي اتهام.
وقد منعت الحكومة الترخيص للحزب
الشيوعي الماليزي وجميع المنظمات المرتبطة به كما رفضت ترخيص الحزب الاشتراكي
الماليزي لسنوات طويلة تحت هذه العناوين الغامضة. وفي عام 2001، أجرى البرلمان
الذي يسيطر عليه الائتلاف الحاكم بقيادة مهاتير محمد تعديلا على قانون الشركات
يمنح الحكومة الحق في حجب الترخيص عن أي منظمة تنخرط في "أعمال غير
قانونية" أو تمثل تهديدا "للأمن القومي"، والذي ترى العديد من
المنظمات غير الحكومية أنه ربما يستخدم في مواجهتها عند انتقادها للحكومة.
وبينما يعترف الدستور بحق التظاهر
السلمي نظريا، فإن القوانين المنظمة والممارسة العملية للحكومة تجعل منه اعترافا
بلا مضمون حقيقي. فالشرطة لا تعطي تراخيص التظاهر إلا لمؤيدي النظام، وتمارس قمعا
وحشيا لأي مظاهرات معارضة، وفي عام 2001 أوقفت جميع التصاريح بعقد اجتماعات سياسية
أو مظاهرات في مختلف أنحاء البلاد بهدف تكبيل المعارضة.
رأسمالية المحاسيب وليبرالية
متوحشة – شرعية مهاتير محمد:
يحب كثيرون أن يروجوا وهم مهاتير
محمد – صانع النهضة الماليزية. وتستند شرعية الديكتاتور الماليزي حقا على
الإنجازات الاقتصادية التي حققتها ماليزيا خلال سنوات حكمه، غير أن مراجعة تلك
السنوات والأداء الاقتصادي لماليزيا خلال هذه الفترة تكشفان عن حجم الفوضى
الاقتصادية التي مرت بها ماليزيا، والأهم من ذلك تبينان تضافر عوامل عديدة في تحول
ماليزيا من اقتصاد متخلف يقوم على الزراعة والصناعات الاستخراجية من نفط وقصدير
ومطاط إلى اقتصاد يقوم حاليا على الصناعة التحويلية الثقيلة وصناعة الالكترونيات.
أهم من ذلك بطبيعة الحال هو أن
سياسة مهاتير محمد الاقتصادية لم تكن تختلف عن حزمة السياسات الليبرالية الجديدة
التي يطلق عليها "إجماع واشنطن" التي تقوم على الخصخصة وتخفيض الإنفاق
العام وتحرير أسواق المال وتخفيض أسعار الصرف، وقد اتبع نفس توجهات مبارك في تشجيع
الاستثمار الخاص والأجنبي، والانتاج من أجل التصدير، وتكثيف استغلال العمال،
والفساد لصالح الشركات التي تنتمي إلى طائفة المالاي (رأسمالية المحاسيب) التي
كانت لها الحظوة في عقود الحكومة في الشراكة مع الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
غير أن الظروف العالمية والإقليمية ساعدت في أن ينجح مهاتير محمد فيما فشل فيه
مبارك – أي في دمج اقتصاد ماليزيا في الاقتصاد العالمي حتى أصبحت الصادرات تساهم
بنسبة 90% تقريبا في نمو إجمالي الناتج المحلي في ماليزيا، وأصبحت الاستثمارات
الأجنبية أهم قاطرة لاقتصاد البلاد، خاصة في قطاعات الصناعة والنفط
والإليكترونيات.
ونتج عن ذلك بالطبع تكوين طبقة من
رجال الأعمال الأثرياء المقربين من السلطة بالإضافة إلى الثروات الهائلة التي
تحصدها الشركات الأجنبية العاملة في ماليزيا على حساب أغلبية الشعب الماليزي، الذي
يعيش 33% من أبنائه تحت خط الفقر العالمي (دولارين في اليوم).
وتبين دراسة للدكتور جومو كيه إس،
أستاذ الاقتصاد بكلية الإدارة والاقتصاد بجامعة مالايا في أكتوبر 2003، حول الإرث
الاقتصادي لمهاتير محمد، أن سياسات رئيس وزراء ماليزيا الأسبق لم تكن متسقة وفق
رؤية محددة كما لم تكن ارتجالية تماما، وإنما كانت استجابة لضغوط واستفادة من فرص،
حققت نجاحا أحيانا وفشلت أحيانا أخرى، وأن ماليزيا خلال فترة حكمه تعرضت لأزمتين
عاصفتين خرجت منهما بتكلفة عالية في كل مرة.
ربما لا تسمح هذه المساحة بالتعرض
بالتفصيل للتجربة الاقتصادية في ماليزيا في ظل مهاتير محمد، ولكن وبشكل عام، كانت
سياسات التقشف، وتخفيض أسعار العملة وغيرها من سياسات جمال مبارك وعصابته علامة
مميزة لها خلال تلك السنوات، وما ساعد ماليزيا على تحقيق مالم يحققه مبارك هو تدفق
الاستثمارات اليابانية أولا والاقتراض الكثيف من الخارج ثم تدفق الاستثمارات
الأمريكية، وساعدت هذه الاستثمارات في بناء الصناعة الثقيلة في ماليزيا ثم صناعة
الإلكترونيات.
وبسبب الاعتماد الكثيف لماليزيا
على التصدير تعرضت لأزمة عنيفة هي وأقرانها في منطقة جنوب شرق آسيا في نهاية
التسعينيات أدت إلى تحقيق البلاد معدل نمو سلبي بلغ أكثر من 7% بعد أن كانت تحقق
معدلات نمو إيجابية بنسبة تتراوح بين 5% و 7% سنويا. وقد رفض مهاتير محمد آنذاك
قرض صندوق النقد الدولي، ولكن ليس رفضا لشروطه المجحفة بحقوق الفقراء – فقط طبق كل
هذه الشروط بنفسه دون أن يحصل على القرض – وإنما للحفاظ على رجال الأعمال من طائفة
المالاي الذين يشكلون قاعدة التأييد الأساسية لحزبه السلطوي. فقد قام بتخفيض سعر
العملة وربط الرينجيت الماليزي بالدولار عند مستوى منخفض، ولم يفرض قيودا على هروب
رأس المال إلى قرب نهاية الأزمة أصلا، ولذلك لم تكن مؤثرة في الحفاظ على سعر
الصرف، وطبق سياسات تقشف عنيفة تحمل الفقراء عبئها كاملا لينقذ أرباح الأثريا.
ترك مهاتير محمد السلطة فى ماليزيا
عام 2003، وقد وضع الحزب الحاكم والبلاد فى أزمة سياسية عاصفة تجلت فى هذا
الانقسام الذى ظهر فى الانتخابات الأخيرة، وترك بلاده أيضًا فى أزمة اقتصادية
عنيفة بعد أن اعتمد استراتيجية خصخصة الأرباح وتأميم الخسائر، فقد باع الأصول
المملوكة للدولة فى بداية عهده بأسعار أقل من قيمتها الحقيقية وبأساليب شابها
الفساد والانحياز لطائفة المالاى، ثم قام بعد أزمة نهاية التسعينيات بتأميم عدد من
الشركات لإنقاذها من الإفلاس بأسعار مرتفعة من الأموال العامة، وقام بإنقاذ البنوك
المتعثرة وأعفى رجال الأعمال والشركات الكبرى من سداد مديونياتها التى تحملتها
الخزانة العامة، ونتيجة كل ذلك تفاقم عجز الموازنة فى 2004 إلى 5% من إجمالى
الناتج المحلى بعد أن كان يدور حول 2.5%، وارتفع الدين العام إلى 55.8% من الناتج
المحلى الإجمالى من 31.8% فى عام 1997.. عام الأزمة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق