السبت، 24 سبتمبر 2011

لا للطوارئ – اللجان الشعبية لمواجهة مؤامرة إضراب الشرطة

رمضان متولي
ما تشهده مصر حاليا من فوضى أمنية لا يزيد كثيرا عن ظاهرة غياب الأمن في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، ولا جديد في ذلك غير الضجيج الذي يثيره وزراء الحكومة المؤقتة ورجال الأعمال وأعضاء المجلس العسكري الحاكم وأجهزة الإعلام حول ما يطلقون عليه "انفلاتا أمنيا" في مؤامرة مكشوفة من النظام الذي مازال حاكما لبث الذعر وإشاعة الهلع في المجتمع. هدف المؤامرة واضح: إعادة بناء منظومة القمع مع دفع الناس لأن يتقبلوا عودة ممارسات عصابات المماليك والانكشارية التي تسمى جهاز الشرطة إلى عهدها في تعميم القمع والإرهاب الشرطي ضد المعارضين والجماهير. ذلك بالإضافة إلى دفع الناس إلى كراهية الثورة وإشاعة روح عدائية حول الثوار والمتظاهرين بهدف عزلهم جماهيريا وإضعافهم لتسهيل ضربهم.

ومع ذلك، لا يستطيع أحد إنكار أن هذا الجهاز في ظل رئيسه المخلوع مبارك وبنفس قياداته التي مازالت مستمرة لم يكن يوفر الأمن العام في المجتمع، خاصة في الأحياء والقرى التي يسكنها الفقراء والتي تشكل أكثر من 90 في المئة من أحياء مصر. ولا يستطيع أحد إنكار أن إفلات المجرمين من العقاب كان شائعا في الجرائم الجنائية التي ترتكب ضد الفقراء وسكان الأحياء والقرى الفقيرة دون مساءلة أو محاسبة لأجهزة الشرطة التي شاع تعاونها مع المجرمين في مجالات عديدة. ولا يستطيع أحد إنكار أن جرائم صادمة للرأي العام وقعت ولم تأبه الشرطة بالكشف عن مرتكبيها الحقيقيين أو مواجهة تكرارها أو بيان ملابساتها منذ عهد الرئيس المخلوع وحتى الآن.

من هذه الجرائم، على سبيل المثال لا الحصر، جريمة وقعت في قرية شمس الدين التابعة لمركز بني مزار في أواخر عام 2005 وراح ضحيتها عشرة أشخاص (بينهم أربعة أطفال) من ثلاث عائلات مختلفة في وقت واحد، واقترنت الجريمة بالتمثيل بجثث الضحايا وتمزيق أعضائهم واختفاء قرنيات العيون والكلى. قدمت الشرطة في هذه المذبحة متهما وحيدا مريضا بانفصام الشخصية بعد أن أجبرته بوسائلها الوحشية على الاعتراف بارتكاب الجريمة رغم عدم معقولية ذلك، وحصل المتهم على البراءة بسهولة. من ذلك أيضا ظاهرة التحرش الجماعي بالفتيات في شوارع المدن، وكانت الأعياد مواسم ثابتة لها حتى في وسط القاهرة وأمام أعين الشرطة. بل شاعت الجرائم وتعددت، وشاع إفلات مرتكبيها من العقاب حتى أن العديد من البرامج التلفزيونية كانت تتحدث عن غياب الأمن الجنائي في الشارع وتركيز أجهزة الداخلية على الأمن السياسي وحماية مصالح الأثرياء وذوي النفوذ على حساب أمن المجتمع. وانتشرت جرائم الاغتصاب والبلطجة والقتل والسرقة ولم تكن الشرطة تقوم بأي دور في مواجهة هذه الجرائم أو الكشف عن الجناة الحقيقيين أو حتى ملابساتها إلا إذا تعلقت الجريمة بأشخاص من ذوي النفوذ أو الأثرياء. بل إن الناس دفعوا إلى التردد والإحجام عن تقديم بلاغات عما يتعرضون له من جرائم بسبب المعاملة المهينة والإهمال والتجاهل الذي كانوا يتعرضون له عندما يقتربون من أقسام الشرطة حتى كمبلغين عن جرائم لا كمتهمين.

على أن بعض الجرائم تراجعت نسبيا بعد الانتفاضة الثورية التي أطاحت برأس النظام الحاكم، وإن لم تستطع حتى الآن إزاحته، وهي جرائم ضباط وأمناء الشرطة وأفرادها. وتنوعت هذه الجرائم بين الخطف والتعذيب والقتل والتزوير وتلفيق الاتهامات والرشوة وفرض الإتاوات واحتجاز الرهائن وإثارة الفتن في ظل نظام الدولة البوليسية والطوارئ التي مازالت سارية حتى الآن تحت الحكم العسكري. لن نعطي أمثلة لهذه الجرائم لأنها لا تخفى على أحد ولأنها تحتاج إلى مجلدات لسرد تفاصيلها، ويكفي دليلا على ذلك أن الانتفاضة الثورية التي أطاحت بحكم الديكتاتور مبارك خرجت في يوم عيد الشرطة احتجاجا على جرائمها في حق الشعب المصري. 

لكن جهاز الشرطة حاليا لم يعد قادرا على الاستمرار في ارتكاب هذه الجرائم بنفس الوتيرة التي سبقت الإطاحة بالديكتاتور، ولذلك يشارك في مؤامرة إشاعة الفوضى الأمنية، ويستمر في خيانة شعب مصر الذي ينفق عليه ويؤيه، عبر إضراب غير معلن عن العمل. وتهدف هذه المؤامرة الخبيثة إلى دفع المصريين إلى كراهية الثورة والندم على مافات، وأن يتنازلوا عن إيمانهم بكرامتهم الذي انتزعوه عبر انتفاضة ثورية في مقابل أن يحصلوا على حقهم في الشعور بالأمن. وتهدف الشرطة من وراء ذلك إلى إقرار المجتمع لها بالأوضاع المتميزة التي تمتعت بها سابقا في النفوذ والسطوة وما يترتب على ذلك من عدم احترامها للقانون وانتهاك حقوق البشر والإفلات من العقاب وفرض الإتاوات والرشاوى وعوائد الفساد الأخرى التي كانت شائعة في هذا الجهاز.

تتلاقى هذه الأهداف مع مصالح ورغبة السلطة العسكرية التي تسلمت الحكم بعد الإطاحة بالديكتاتور بدليل أن الجهة الوحيدة التي حصلت على زيادة في رواتبها وتحسين في شروط عملها هي الشرطة رغم استمرارها في إضرابها غير المعلن. وبينما يجرم المجلس العسكري كل أنواع الإضرابات والاعتصامات الأخرى رغم اعتراف الجميع بنبل ومشروعية أهداف هذه الإضرابات، نجده صامتا أمام إضراب الشرطة غير المعلن رغم خسة أهداف هذا الإضراب بالتحديد. وذلك لأن السلطة العسكرية تريد استقرار الأوضاع تحت سيطرتها بأي ثمن، ودون إجراء تغييرات جوهرية على المجالات والمؤسسات السياسية والاقتصادية، اللهم إلا تغييرات طفيفة وشكلية إلى حد كبير. ويعرقل هذه السلطة في تحقيق هذا الهدف استمرار الزخم الثوري ورغبة الجماهير وثقتها في قدرتها على تغيير الأوضاع المزرية سياسيا واقتصاديا وتحقيق أهداف الثورة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية دون خوف من جهاز القمع بعد أن هزموه في معركة ثورية. لذلك يرفض المجلس العسكري المبادرات الحقوقية لإصلاح جهاز الشرطة أو إعادة هيكلته ليعمل وفق أسلوب جديد يحترم القانون والحريات العامة. بل إن المجلس يصدر مراسيم قمعية مثل قانون منع الاحتجاجات سيئ السمعة علاوة على توسيع نطاق الممارسات التي يجرمها قانون الطوارئ والنكوص عن وعد سابق برفع حالة الطوارئ المستمرة في مصر منذ أكثر من ثلاثين عاما. ويعمل على إمداد جهاز الشرطة بالمعدات والأفراد وكأنه يستعد لمعركة في مواجهة الاحتجاجات الجماهيرية المختلفة ودون أي مساءلة تذكر عن استمرار الفوضى الأمنية.

كما تتلاقى مصلحة المجلس العسكري والسلطة وجهاز الشرطة في حالة الفوضى الأمنية أو حتى شيوع الإحساس بانفلات أمني خطير في المجتمع مع مصلحة طبقة رجال الأعمال، حتى وإن لم يؤرقهم غياب الأمن في المجتمع المصري عبر سنوات حكم مبارك، حيث كانت ثرواتهم كفيلة بحمايتهم عن طريق رشوة أجهزة الأمن أو انحياز الدولة لهم أو حتى الاستعانة بشركات الأمن الخاصة المنتشرة في منازلهم ومنتجعاتهم وشركاتهم ومصانعهم.

تظهر هذه المصلحة جلية في ترحيب أبداه أغلب رجال الأعمال والعاملين في البورصة بقرار المجلس العسكري بتمديد حالة الطوارئ وتوسيع نطاقها، بحجة واهية بقدر ماهي خبيثة وهي: "مواجهة الانفلات الأمني". وخلف هذه العبارة الزائفة تكمن المصلحة الحقيقية في أن هؤلاء يتمنون أن ينجح قرار المجلس العسكري بتمديد الطوارئ وتوسيع نطاقها في إرهاب العمال حتى تتوقف موجة الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات التي يقومون بها للمطالبة بحقوقهم المهدرة، وحتى تتوقف مظاهر الاحتجاج الثوري دون أن تهدد مواقعهم المتميزة في نظام قائم على الظلم الاجتماعي والاستغلال. فالعمال والموظفون مازالوا يستخدمون هذه الوسائل الاحتجاجية للمطالبة بحقوقهم المهدرة، ويأمل رجال الأعمال في استخدام أحكام الطوارئ غير الإنسانية في قمع هذه الموجة للحفاظ على أرباحهم وثرواتهم، ولا غرابة في ذلك، فقد كانت هذه الطبقة ومازالت صاحبة الحظوة والامتيازات الهائلة أثناء حكم مبارك القائم على الاستغلال والفساد والقمع البوليسي الوحشي.

وعلى نفس الوتر تعزف وسائل الإعلام، سواء رسمية أو مملوكة لرجال أعمال، جوقة واحدة تتركز على "مخاطر الانفلات الأمني" دون مناقشة واقع أن غياب الأمن في الشارع كان قائما في عهد مبارك، وأن المجلس العسكري يرفض مبادرات إصلاحية لمعالجة هذه المؤامرة التي تشارك فيها الشرطة بإضراب غير معلن.

إن مواجهة مؤامرة الفوضى الأمنية ممكنة بمبادرة الجماهير ودون الحاجة إلى الاستسلام لعودة النظام البوليسي بمساعدة المجلس العسكري للهيمنة على البلاد وقمع المواطنين، وذلك رغم أن الأوضاع الأمنية المتردية لم تختلف كثيرا في أحياء الفقراء والمناطق الريفية التي يقطنها أغلب مواطني مصر. وقد استطاعت هذه الجماهير تكوين لجان شعبية تكفلت بحماية منازلها وأحيائها ضد خطة إشاعة الذعر والفوضى التي نظمتها الشرطة بمساعدة عصاباتها المنظمة خلال ثمانية عشر يوما هي عمر الانتفاضة التي أطاحت بالديكتاتور. ومؤخرا، تخصص تشكيل عصابي في سرقة التكاتك بالإكراه في منطقة "صفط اللبن" بالجيزة وتقدم المواطنون بشكاوى عديدة إلى قسم الشرطة ولكنهم وجدوا امتناعا معهودا من الشرطة عن القيام بواجبها الذي تتقاضى أجرا عنه من ميزانية الدولة، فقرروا مواجهة الأمر بأنفسهم. لكن طريقتهم كانت بشعة في الانتقام من المجرمين وكانت فرصة لأجهزة الإعلام أيضا للتركيز على بشاعة الانتقام دون أن تقترب من محاولة الكشف عن مؤامرة التقاعس الأمني التي تديرها السلطة ويشارك فيها جهاز الشرطة.

ورغم ذلك كشفت هذه الحادثة قدرة الجماهير مرة أخرى بمبادرتها الذاتية على مواجهة مؤامرة أجهزة الأمن في إشاعة الفوضى الأمنية، حيث يمكن مواجهة هذه المؤامرة بتكوين لجان شعبية في الأحياء والقرى يكون هدفها الحفاظ على الأمن ومطاردة المجرمين ولكن بأسلوب منظم وأكثر إنسانية ودون أن يبلغ حد الانتقام بالقتل وإحداث العاهات البدنية كما حدث في واقعة صفط اللبن. وتستطيع هذه اللجان أن تلعب دور السلطة البديلة التي تحفظ الأمن في الشوارع والأحياء وتمارس الضغوط على المجلس العسكري لإعادة هيكلة الشرطة وتسريح العناصر الفاسدة والمتآمرة فيها وإجبارها على ممارسة عملها في حفظ الأمن تحت رقابة شعبية وقضائية، أو يكون متواطئا في مؤامرة الفوضى الأمنية بهدف إحكام السيطرة على الجماهير وإفراغ الثورة من مضمونها والالتفاف على أهدافها وترميم ما تحطم من النظام القديم.

إن تمديد حالة الطوارئ وتوسيع نطاقها لن يجدي في مواجهة الجماهير التي خرجت من القمقم ودفعت ثمنا غاليا من دماء أبنائها من أجل إسقاط نظام بوليسي بشع وتحقيق حلمها في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية طالما كانت هذه الجماهير قادرة على تنظيم نفسها ومستعدة لأخذ زمام المبادرة في أيديها. وهاهي المظاهرات والمسيرات تخرج مطالبة بإسقاط الطوارئ ومنددة بالمجلس العسكري، بينما تستمر الإضرابات والاعتصامات في صفوف المعلمين والأطباء والعمال دفاعا عن حقوقهم المهدرة في حياة كريمة وفي مواجهة الفساد.

الاثنين، 23 مايو 2011

مدونات ضد المجلس العسكري - المجلس العسكري يقود الثورة المضادة

الثورة المصرية مستمرة والتنظيم ضرورة لمواجهة أعدائها

رمضان متولي
عندما يقوم المؤرخون فيما بعد بدراسة الثورة المصرية التي اندلعت شرارتها في 25 يناير 2011 سوف يكتشفون أنها نتيجة منطقية تماما لما سبقها من أحداث جرت على مدى أربع أو عشر سنوات سابقة. سوف تكون تحليلاتهم سليمة وصادقة لا مراء فيها، بل وربما يندهش بعضهم كيف لم تتوقع الطبقة الحاكمة المصرية أو القوى السياسية اندلاع الثورة في هذه الفترة بالتحديد. ومع ذلك تبقى هذه الثورة زلزالا عظيما فاجأ كل من شارك فيها ومن راقبها عن كثب بل والجماهير التي كانت وقودها والشباب الذين أطلقوا شرارتها والطغمة الحاكمة ورموزها الذين كانوا هدفا لانتقام التاريخ فيها.
ذلك أن الثورة حالة استثنائية في تاريخ المجتمعات، وتجربة فريدها تخوضها الجماهير عادة دون أن تدرك أنها في غمار هذه التجربة تصنع تاريخا جديدا للمجتمع، بل إن ملايين البشر الذين خرجوا إلى شوارع مصر وميادينها يطالبون بإسقاط النظام لم يكونوا على وعي كامل بالضرورة بمغزى شعار إسقاط النظام. وكان هذا الشعار بالنسبة للغالبية الكاسحة منهم مجرد صرخة احتجاج على المعاناة والقهر والاستغلال والفساد والفقر والتهميش. أغلبهم لم يكن يعرف تحديدا ماذا يريد وإن كان يدرك بشكل غامض لماذا خرج.
عملت تجربة الانتفاضة في 25 يناير على تكثيف وتركيز الغضب والعناد، وانضم الملايين إلى موجة الغضب والعناد فكانت "جمعة الغضب" بكل كثافتها وزخمها التي لم يستطع أحد توقع أحداثها، خرجت الجماهير تعلن عن هذا الغضب ولأنها تدرك أن أعمدة النظام الكريه لا يريدون خروجها ويخشون من هذا الخروج.
أطلق المراقبون على هذا الخروج العظيم انتفاضة عفوية، لا رأس لها ولا قيادة، وهو ما يعد صحيحا طالما نتحدث عن غياب أي قيادة مركزية ذات أذرع وكوادر متعددة في مختلف أطراف الحركة الجماهيرية ومفاصلها سواء كانت تنتمي إلى حزب أو تنظيم واحد أو عدة أحزاب أو تنظيمات مؤتلفة. ولكن ذلك لا يعد دقيقا بشكل مطلق لأن شبابا ينتمون إلى مشارب سياسية شتى، ليبرالية واشتراكية وإخوانية وقومية، وضعوا أسماء وعناوين أيام الثورة وبرامج عملها بطريقة ارتجالية باهرة وملهمة في إبداعها علاوة على عدد لا يحصى من القيادات الاعتباطية التي لا رابط فيما بينها لكنها قادرة على حشد وتعبئة هذا القطاع أو ذاك من الجماهير في غمرة الأحداث، وعند المواجهات مع الشرطة في الشوارع والميادين، وهي القيادات التي أبدعت في خوض وتنظيم المعارك ولا يعرفها أحد.
هذه الحالة الاستثنائية أذهلت جميع السياسيين الذين طالما انخرطوا في أشكال متعددة من النضال ضد النظام ودفع بعضهم أثمانا باهظة نتيجة لطموحاتهم وأحلامهم الثورية، وكانوا يتوقعون أن المظاهرة الاحتجاجية في 25 يناير لن تتجاوز المظاهرات المعتادة لبضع مئات من الناشطين تحاصرها الشرطة قليلا ويهتفون داخل كردون أمني مغلق حتى يصيبهم التعب والإنهاك ثم ينصرفون بهذا القدر أو ذاك من الاعتقالات والهراوات.
حقا إن الثوريين يؤمنون بالطاقة الهائلة للجماهير وبقدرتها المذهلة على الإبداع والمفاجأة، وإلا لما آمنوا بالثورة ولا كانت حلما يراودهم، لكن الطبيعة الاستثنائية للثورة تجعل أكثر الانبياء شفافية وتجاوزا للحجب عاجزا عن التنبوء بها أو توقع مسارها على نحو دقيق. بل لا يمكن حتى توقع الأحداث في مسارها العام إلا بقدر المشاركة في صناعتها والقدرة على تحريكها في غمار الثورة.
ورغم أن كثيرا من القوى المؤمنة بالثورة وذات الخلفية السياسية الثورية شاركت في أحداث ثورة 25 يناير، فإن أحدا منها لا يستطيع الادعاء بأنه صانعها أو أنه شكل القيادة الحاسمة فيها، بل انطلقت الثورة وتواصلت تفاعلاتها بقوة دفع ذاتية وطاقة غضب هائلة كلما اصطدمت إرادة الجماهير بعقبة تواجه تحقيق أهدافها، وكلما واجهتها رموز السلطة الغاشمة بصلفها وغرورها واعتدت على متظاهرين وأسقطت بعضهم بين قتيل وجريح، وقد ساهم أيضا في دفع الحركة الجماهيرية وزيادة زخمها الثقة التي اكتسبتها كلما ظهرت شروخ في بنية النظام الديكتاتوري الصخرية وبدأ تراجع الديكتاتورية يعزز الأمل يوما بعد يوم في اقتراب الحلم – حلم إسقاط النظام.
على أن النظام لم يسقط بعد، رغم تحطيم جانب كبير من قدراته القمعية وجهازه السياسي ورغم الإطاحة برأس النظام نفسه وأبرز رموزه. وقد تدخل المجلس العسكري للحفاظ على بقية المؤسسات وإعادة بناء ما تحطم منها، خاصة جهاز الشرطة ومباحث أمن الدولة البغيضة، مع التضحية ببعض القيادات التي انصب عليها غضب الجماهير. والنظام حاليا يحاول أن يبحث عن وسائل جديدة لحكم الجماهير التي لم تعد تقبل أن تحكم بنفس الوسائل القديمة التي عجزت الطبقة الحاكمة أن تفرضها عليها.
وهنا بدأت تظهر جوانب الضعف الخطيرة في الثورة المصرية. للجماهير طاقة هائلة على التغيير، لكن هذه الطاقة يمكن أن تتبدد في اتجاهات شتى طالما غاب عنها التنظيم الثوري الذي يمثل ذاكرة حركتها ومخزون وعيها التاريخي والذي يقترب منها ومن همومها ويخوض معها نضالاتها اليومية ويستطيع تنظيمها وتوجيه حركتها بأفضل السبل لتحقيق أهدافها التي خرجت وضحت من أجلها. لم تخرج الجماهير ليأتي المجلس العسكري ويعيد بناء النظام، بل خرجت لإسقاط هذا النظام. ولم تخرج الجماهير تهتف بإسلامية الدولة وتطبيق الحدود كما يريد الإخوان المسلمون والسلفيون، ويروجون لذلك عبر كافة المنابر وباللعب على وتر المشاعر الدينية. بل خرجت مطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية، لكنها لم تجد قوة منظمة تستطيع ترجمة شعاراتها هذه في برامج واضحة وسياسات تفرضها في الواقع ولا تستجديها من السلطة، مما دفع البعض لطرح التساؤل: هل تطالب الثورة بتحقيق أهدافها، أم تفرضها على أرض الواقع؟ تساؤل يعيد التأكيد على حقيقة أن السلطة حتى الآن ليست سلطة الثوريين ولا تأتمر بأوامرها، حتى وإن رضخت لبعض المطالب لاحتواء حركة الجماهير.
إن تمجيد العفوية وارتجالية القيادة إعلاميا لا يخلو من الخبث، فرغم كل ما في هذه العفوية من مزايا فتحت مساحات الإبداع الحر للفعل الجماهيري تظل نقطة ضعف خطيرة في الحركة لأنها أتاحت الفرصة للقوى التي تتمتع بتنظيمات كبيرة واسعة الانتشار للسطو على الثورة وعلى أحلام الجماهير الثائرة، وجعلت الطبقة الحاكمة من خلال مؤسساتها التي مازالت مؤثرة تحول بين هذه الجماهير وبين تحقيق إرادتها بوسائلها وبما يحقق أهدافها. واستخدم في ذلك الخطاب الديني تارة والخداع والمناورة تارة والقمع تارة أخرى. هكذا يتحدث الإخوان المسلمون، الذين اتبعت قيادتهم نهجا انتهازيا منذ بداية الثورة وفي كل منعطف يواجه الحركة الجماهيرية، عن إسلامية الدولة وتطبيق الحدود. والسلفيون الذين طالما تعاونوا مع أبشع أجهزة الدولة في عصر مبارك، وهو جهاز مباحث أمن الدولة، يتحدثون الآن عن الغزوات وعن تطبيق الشريعة!
لكن الثورة المصرية لم تصل بعد محطة النهاية، ولا بلغت الحركة الجماهيرية ذروتها وبدأت في الانحسار. مازال في مصر زخم ثوري هائل ومظالم لم تنته بعد، والحركة الجماهيرية سوف تظل بين صعود وهبوط وهجوم وتردد ومد وانحسار مادامت أهدافها لم تتحقق بعد ومادامت ثقتها في قدرتها على الفعل لم تتبدد بعد. وعلى الثوريين أن يتوقفوا الآن عن تمجيد العفوية والارتباك والارتجال التنظيمي، وعن العمل تحت رايات شتى تساهم في تمييع المواقف حفاظا على ائتلافات فوقية لا تحقق إلا مصالح القوى الأكثر تنظيما والأقدر على التفاعل مع الجماهير في مواقعها. بل عليهم أن ينظموا أنفسهم ويميزوا برامجهم وشعاراتهم ومواقفهم وأن يلتصقوا بالجماهير وأن يساعدوها في تنظيم حركتها وتركيز طاقتها في الدفاع عن مصالحها الحقيقية.
الجماهير هي التي تصنع الثورة، وهي الأقدر على تغيير المجتمع والنظام السياسي والاجتماعي القائم على الاستغلال والقهر، لكنها لن تستطيع أن تفعل ذلك بدون التنظيم، لأن أعداء وانتهازيين كثر يريدون تبديد طاقة الجماهير أو حرفها نحو مسارات أخرى تنتهي إلى الحفاظ على النظام الذي ثارت الجماهير ضده وإعادة بناء قدراته على القمع والاستغلال.

الثلاثاء، 19 أبريل 2011

الثورة المصرية مستمرة والتنظيم ضرورة لمواجهة أعدائها

رمضان متولي
عندما يقوم المؤرخون فيما بعد بدراسة الثورة المصرية التي اندلعت شرارتها في 25 يناير 2011 سوف يكتشفون أنها نتيجة منطقية تماما لما سبقها من أحداث جرت على مدى أربع أو عشر سنوات سابقة. سوف تكون تحليلاتهم سليمة وصادقة لا مراء فيها، بل وربما يندهش بعضهم كيف لم تتوقع الطبقة الحاكمة المصرية أو القوى السياسية اندلاع الثورة في هذه الفترة بالتحديد. ومع ذلك تبقى هذه الثورة زلزالا عظيما فاجأ كل من شارك فيها ومن راقبها عن كثب بل والجماهير التي كانت وقودها والشباب الذين أطلقوا شرارتها والطغمة الحاكمة ورموزها الذين كانوا هدفا لانتقام التاريخ فيها.
ذلك أن الثورة حالة استثنائية في تاريخ المجتمعات، وتجربة فريدها تخوضها الجماهير عادة دون أن تدرك أنها في غمار هذه التجربة تصنع تاريخا جديدا للمجتمع، بل إن ملايين البشر الذين خرجوا إلى شوارع مصر وميادينها يطالبون بإسقاط النظام لم يكونوا على وعي كامل بالضرورة بمغزى شعار إسقاط النظام. وكان هذا الشعار بالنسبة للغالبية الكاسحة منهم مجرد صرخة احتجاج على المعاناة والقهر والاستغلال والفساد والفقر والتهميش. أغلبهم لم يكن يعرف تحديدا ماذا يريد وإن كان يدرك بشكل غامض لماذا خرج.
عملت تجربة الانتفاضة في 25 يناير على تكثيف وتركيز الغضب والعناد، وانضم الملايين إلى موجة الغضب والعناد فكانت "جمعة الغضب" بكل كثافتها وزخمها التي لم يستطع أحد توقع أحداثها، خرجت الجماهير تعلن عن هذا الغضب ولأنها تدرك أن أعمدة النظام الكريه لا يريدون خروجها ويخشون من هذا الخروج.
أطلق المراقبون على هذا الخروج العظيم انتفاضة عفوية، لا رأس لها ولا قيادة، وهو ما يعد صحيحا طالما نتحدث عن غياب أي قيادة مركزية ذات أذرع وكوادر متعددة في مختلف أطراف الحركة الجماهيرية ومفاصلها سواء كانت تنتمي إلى حزب أو تنظيم واحد أو عدة أحزاب أو تنظيمات مؤتلفة. ولكن ذلك لا يعد دقيقا بشكل مطلق لأن شبابا ينتمون إلى مشارب سياسية شتى، ليبرالية واشتراكية وإخوانية وقومية، وضعوا أسماء وعناوين أيام الثورة وبرامج عملها بطريقة ارتجالية باهرة وملهمة في إبداعها علاوة على عدد لا يحصى من القيادات الاعتباطية التي لا رابط فيما بينها لكنها قادرة على حشد وتعبئة هذا القطاع أو ذاك من الجماهير في غمرة الأحداث، وعند المواجهات مع الشرطة في الشوارع والميادين، وهي القيادات التي أبدعت في خوض وتنظيم المعارك ولا يعرفها أحد.
هذه الحالة الاستثنائية أذهلت جميع السياسيين الذين طالما انخرطوا في أشكال متعددة من النضال ضد النظام ودفع بعضهم أثمانا باهظة نتيجة لطموحاتهم وأحلامهم الثورية، وكانوا يتوقعون أن المظاهرة الاحتجاجية في 25 يناير لن تتجاوز المظاهرات المعتادة لبضع مئات من الناشطين تحاصرها الشرطة قليلا ويهتفون داخل كردون أمني مغلق حتى يصيبهم التعب والإنهاك ثم ينصرفون بهذا القدر أو ذاك من الاعتقالات والهراوات.
حقا إن الثوريين يؤمنون بالطاقة الهائلة للجماهير وبقدرتها المذهلة على الإبداع والمفاجأة، وإلا لما آمنوا بالثورة ولا كانت حلما يراودهم، لكن الطبيعة الاستثنائية للثورة تجعل أكثر الانبياء شفافية وتجاوزا للحجب عاجزا عن التنبوء بها أو توقع مسارها على نحو دقيق. بل لا يمكن حتى توقع الأحداث في مسارها العام إلا بقدر المشاركة في صناعتها والقدرة على تحريكها في غمار الثورة.
ورغم أن كثيرا من القوى المؤمنة بالثورة وذات الخلفية السياسية الثورية شاركت في أحداث ثورة 25 يناير، فإن أحدا منها لا يستطيع الادعاء بأنه صانعها أو أنه شكل القيادة الحاسمة فيها، بل انطلقت الثورة وتواصلت تفاعلاتها بقوة دفع ذاتية وطاقة غضب هائلة كلما اصطدمت إرادة الجماهير بعقبة تواجه تحقيق أهدافها، وكلما واجهتها رموز السلطة الغاشمة بصلفها وغرورها واعتدت على متظاهرين وأسقطت بعضهم بين قتيل وجريح، وقد ساهم أيضا في دفع الحركة الجماهيرية وزيادة زخمها الثقة التي اكتسبتها كلما ظهرت شروخ في بنية النظام الديكتاتوري الصخرية وبدأ تراجع الديكتاتورية يعزز الأمل يوما بعد يوم في اقتراب الحلم – حلم إسقاط النظام.
على أن النظام لم يسقط بعد، رغم تحطيم جانب كبير من قدراته القمعية وجهازه السياسي ورغم الإطاحة برأس النظام نفسه وأبرز رموزه. وقد تدخل المجلس العسكري للحفاظ على بقية المؤسسات وإعادة بناء ما تحطم منها، خاصة جهاز الشرطة ومباحث أمن الدولة البغيضة، مع التضحية ببعض القيادات التي انصب عليها غضب الجماهير. والنظام حاليا يحاول أن يبحث عن وسائل جديدة لحكم الجماهير التي لم تعد تقبل أن تحكم بنفس الوسائل القديمة التي عجزت الطبقة الحاكمة أن تفرضها عليها.
وهنا بدأت تظهر جوانب الضعف الخطيرة في الثورة المصرية. للجماهير طاقة هائلة على التغيير، لكن هذه الطاقة يمكن أن تتبدد في اتجاهات شتى طالما غاب عنها التنظيم الثوري الذي يمثل ذاكرة حركتها ومخزون وعيها التاريخي والذي يقترب منها ومن همومها ويخوض معها نضالاتها اليومية ويستطيع تنظيمها وتوجيه حركتها بأفضل السبل لتحقيق أهدافها التي خرجت وضحت من أجلها. لم تخرج الجماهير ليأتي المجلس العسكري ويعيد بناء النظام، بل خرجت لإسقاط هذا النظام. ولم تخرج الجماهير تهتف بإسلامية الدولة وتطبيق الحدود كما يريد الإخوان المسلمون والسلفيون، ويروجون لذلك عبر كافة المنابر وباللعب على وتر المشاعر الدينية. بل خرجت مطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية، لكنها لم تجد قوة منظمة تستطيع ترجمة شعاراتها هذه في برامج واضحة وسياسات تفرضها في الواقع ولا تستجديها من السلطة، مما دفع البعض لطرح التساؤل: هل تطالب الثورة بتحقيق أهدافها، أم تفرضها على أرض الواقع؟ تساؤل يعيد التأكيد على حقيقة أن السلطة حتى الآن ليست سلطة الثوريين ولا تأتمر بأوامرها، حتى وإن رضخت لبعض المطالب لاحتواء حركة الجماهير.
إن تمجيد العفوية وارتجالية القيادة إعلاميا لا يخلو من الخبث، فرغم كل ما في هذه العفوية من مزايا فتحت مساحات الإبداع الحر للفعل الجماهيري تظل نقطة ضعف خطيرة في الحركة لأنها أتاحت الفرصة للقوى التي تتمتع بتنظيمات كبيرة واسعة الانتشار للسطو على الثورة وعلى أحلام الجماهير الثائرة، وجعلت الطبقة الحاكمة من خلال مؤسساتها التي مازالت مؤثرة تحول بين هذه الجماهير وبين تحقيق إرادتها بوسائلها وبما يحقق أهدافها. واستخدم في ذلك الخطاب الديني تارة والخداع والمناورة تارة والقمع تارة أخرى. هكذا يتحدث الإخوان المسلمون، الذين اتبعت قيادتهم نهجا انتهازيا منذ بداية الثورة وفي كل منعطف يواجه الحركة الجماهيرية، عن إسلامية الدولة وتطبيق الحدود. والسلفيون الذين طالما تعاونوا مع أبشع أجهزة الدولة في عصر مبارك، وهو جهاز مباحث أمن الدولة، يتحدثون الآن عن الغزوات وعن تطبيق الشريعة!
لكن الثورة المصرية لم تصل بعد محطة النهاية، ولا بلغت الحركة الجماهيرية ذروتها وبدأت في الانحسار. مازال في مصر زخم ثوري هائل ومظالم لم تنته بعد، والحركة الجماهيرية سوف تظل بين صعود وهبوط وهجوم وتردد ومد وانحسار مادامت أهدافها لم تتحقق بعد ومادامت ثقتها في قدرتها على الفعل لم تتبدد بعد. وعلى الثوريين أن يتوقفوا الآن عن تمجيد العفوية والارتباك والارتجال التنظيمي، وعن العمل تحت رايات شتى تساهم في تمييع المواقف حفاظا على ائتلافات فوقية لا تحقق إلا مصالح القوى الأكثر تنظيما والأقدر على التفاعل مع الجماهير في مواقعها. بل عليهم أن ينظموا أنفسهم ويميزوا برامجهم وشعاراتهم ومواقفهم وأن يلتصقوا بالجماهير وأن يساعدوها في تنظيم حركتها وتركيز طاقتها في الدفاع عن مصالحها الحقيقية.
الجماهير هي التي تصنع الثورة، وهي الأقدر على تغيير المجتمع والنظام السياسي والاجتماعي القائم على الاستغلال والقهر، لكنها لن تستطيع أن تفعل ذلك بدون التنظيم، لأن أعداء وانتهازيين كثر يريدون تبديد طاقة الجماهير أو حرفها نحو مسارات أخرى تنتهي إلى الحفاظ على النظام الذي ثارت الجماهير ضده وإعادة بناء قدراته على القمع والاستغلال.

الأربعاء، 23 مارس 2011

تغيير هيكلي يعني ثورة وافتتاح البورصة مناورة


رمضان متولي
رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف قام في إحدى رسائلة عبر شاشة التليفزيون بالترويج لإعادة فتح البورصة مستخدما لغة عاطفية ربطت بين ذلك وبين الانتاج وتنشيط الاقتصاد ومعالجة المأزق الاقتصادي الذي تعانيه مصر حاليا. روج شرف لهذه الخطوة كأنها مهمة حاسمة وثورية، ربط بينها وبين ضرورة الحفاظ عليها وبين عودة مصر وبين التكاتف والإنتاج بصورة غريبة، مبررا ذلك بجملة واحدة أن البورصة انعكاس للاقتصاد للمصري.
وعلى خلفية هذا الربط التعسفي بين عودة البورصة للعمل وبين إعادة عجلة الاقتصاد إلى الدوران وبين الحفاظ على "الثورة"، كان مبررا بالنسبة لنا أن نطرح السؤال التالي: ما هي أهمية البورصة في النظام الاقتصادي، وعلى وجه الخصوص أهميتها بالنسبة للقطاعات الانتاجية التي يقوم، وينبغي أن يقوم، عليها الاقتصاد؟
إن سوق الأوراق المالية (البورصة) مؤسسة لا تقوم بأي نشاط إنتاجي مباشر، وليست مثل المصنع ولا الورشة التي تحول الخامات من خلال عمل العمال وتدوير الماكينات إلى منتجات جاهزة للاستهلاك النهائي أو الصناعي، وليست مثل مزرعة أو حقل لإنتاج الخضر أو الفواكه أو الحبوب أو أعلاف المواشي أو الدواجن أو غيرها.
ولا تقدم البورصة أيضا أي نوع من الخدمات الإنتاجية المعروفة، فلا هي وسيلة مواصلات لنقل العمال، ولا خط لنقل البضائع برا أو بحرا أو جوا، وليست نقطة لتجارة الجملة ولا تجارة التجزئة تيسر وصول منتجات المصانع أو المزارع إلى المستهلكين فتسهم في تيسير عمليات تداول البضائع والسلع وحركة الأسواق.
ولا تساهم البورصة في زيادة الموارد أو غير ذلك، فليست البورصة مزارا سياحيا، ولا تحصل الدولة على أي ضرائب من معاملات المستثمرين والمضاربين فيها.
هكذا نجد أن كل ما له علاقة بالإنتاج وتنمية الموارد لا تلعب البورصة أي دور فيه، ولا يوجد دور للبورصة إلا في ثلاث مجالات فقط: أولا أن البورصة ساحة كبيرة للمضاربة والمقامرة على أسعار أوراق مالية مثل الأسهم والسندات لا صلة لها مطلقا بالإنتاج الحقيقي، وثانيا أن البورصة مجال لتيسير حركة دخول وخروج الأموال الساخنة التي قد تضر بالاقتصاد أكثر مما تفيده خاصة في ظروف الأزمة الاقتصادية أو السياسية، وثالثا – وذلك في أحوال نادرة – أن البورصة تعتبر إحدى قنوات تيسير التمويل اللازم لتوسع الشركات أو إنشاء شركات جديدة إلى جانب قنوات أخرى.
على هذه الخلفية لا أجد سببا لهذا الحماس الشديد والاهتمام البالغ لعودة البورصة إلى العمل في الظروف الراهنة إلا أن رئيس الوزراء والمجلس العسكري يريدان توجيه رسالة سياسية معينة للخارج مفادها أن لا شئ تغير في بر مصر، وأن البلاد ستسير من الناحية الاقتصادية على نفس النهج الذي اتبع في عهد مبارك وإن احتاجت الظروف السياسية الراهنة إلى محاصرة الفساد في المدى القريب.
فعودة افتتاح البورصة كساحة للمضاربة والمقامرة على أسعار الأسهم لا تعني شيئا بالنسبة للاقتصاد ولا تفيد الشركات المدرجة ولا تضرها في شئ، وليس لها أي علاقة بنشاط الشركات من قريب أو بعيد، وفي الظروف الحالية تحاول إدارة البورصة وشركات السمسرة تغذية روح المضاربين عن طريق التأكيد على أن الأسهم حاليا سوف يتم تداولها بأقل من قيمتها وأن هذه فرصة نادرة للشراء من ناحية، وحذروا من ناحية أخرى صغار حملة الأسهم من البيع عند هذه المستويات السعرية.
وجاءت هذه التحذيرات بينما انخفض المؤشر الرئيسي للبورصة بنسبة 9% تقريبا عند الإغلاق بتأثير موجة البيع الكثيفة للأجانب الذين بلغت صافي مبيعاتهم من الأوراق المالية (أسهم وسندات) حوالي 342 مليون جنيه، حتى بعد الإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها إدارة البورصة بوقف التعامل على عدة أسهم مستهدفة بالبيع، خاصة من قبل الأجانب.
وإذا كان دور البورصة كساحة للمضاربة والمقامرة لا يؤثر سلبا على أداء الاقتصاد الحقيقي ولا على النشاط الإنتاجي، فإن دورها كقناة لتدفق الأموال الساخنة دخولا وخروجا له تأثير بالغ الخطورة على نشاط الاقتصاد، خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية أو السياسية. يتضح ذلك من الأرقام السابقة حول صافي مبيعات الأجانب علاوة على صافي مبيعات الأفراد الذي بلغ 32 مليون جنيه، ومعنى ذلك أن عددا كبيرا من هؤلاء الأجانب والأفراد ربما يسعون إلى الخروج بهذه الأموال من مصر بسبب المخاطر السياسية والاقتصادية التي تعاني منها البلاد حاليا ولا يمكنهم ذلك إلا إذا قاموا بتسييل ما بحوذتهم من أسهم وسندات وتحويلها إلى عملات أجنبية لنقلها إلى الخارج، وهنا مكمن الخطورة على النشاط الاقتصادي. بمعنى آخر أن خروج العملات الأجنبية حاليا من السوق المصرية سوف يؤدي إلى تراجع كبير في المعروض من العملات الأجنبية اللازمة لاستيراد الغذاء والدواء واللازمة أيضا لاستيراد الخامات المطلوبة للمصانع المصرية، مما قد يؤدي إلى ارتفاع التكلفة والتضخم نتيجة الضغط على الجنيه المصري وتعطل الانتاج ببعض المصانع نتيجة لنقص الخامات المستوردة أو ارتفاع كلفتها. ولهذا السبب كانت المطالبة بعدم إعادة افتتاح البورصة لها ما يبررها وكان علينا أن نعتبر من تجربة الأزمة في جنوب شرق آسيا عام 1997 عندما أصيبت المنطقة كلها بشلل اقتصادي وانهيار في عملاتها بعد الخروج الكثيف لرأس المال منها على خلفية الأزمة الاقتصادية. الجهة الوحيدة التي كانت صافي تعاملاتها بالشراء أمس كانت المؤسسات التي بلغ صافي تعاملاتها شراءا حوالي 32 مليون جنيه، وغالبا ما تكون هذه المؤسسات عبارة عن البنوك العامة وشركات التأمين العامة بما يتضمنه ذلك من مخاطرة بأموال المودعين وحملة الوثائق لمجرد محاولة وقف انهيار أسعار الأسهم ومؤشرات السوق!
أما الدور الثالث للبورصة الذي يتمثل في كونها إحدى قنوات توفير التمويل اللازم لتوسع الشركات أو إنشاء شركات جديدة، فمن الخطل توقع أن تقوم البورصة في هذه الظروف تحديدا بهذا الدور، ففي وضع اقتصادي وسياسي مأزوم وغير مستقر مثل الفترة التي تمر بها مصر حاليا لا نستطيع أن نتوقع أن تقوم إحدى الشركات بطرح أسهم جديدة للتوسع أو لإنشاء مشروعات جديدة، خصوصا أن إدارتها ستكون غبية إذا توقعت أن يتقدم أحد بشراء الأسهم المطروحة. كما أن الإنشاء الثاني للبورصة المصرية في بداية تسعينيات القرن الماضي لم يكن بهدفش أن تلعب سوق الأوراق المالية هذا الدور بقدر ما كان يهدف إلى إنشاء قناة لتسهيل التخلص من الشركات المملوكة للدولة بخصخصتها عن طريق طرح أسهمها في البورصة، وهي العملية التي شابها الكثير من الفساد وإهدار المال العام. وبخلاف ذلك كانت عمليات الطرح تعتبر بشكل عام وسائل لتخارج كبار المستثمرين من شركات يملكونها أو مجال لغسيل الأموال أو التعمية على حاملي الأسهم من الكبار الذين عمدوا إلى تأسيس صناديق في الخارج للمضاربة في سوق الأسهم المصرية والاستحواذ على بعض شركاتها.
وإذا كانت إعادة فتح البورصة لا تحمل أي فائدة للاقتصاد المصري أو للنشاط الانتاجي، فإن إصرار رئيس الوزراء في الحكومة المؤقتة وحماسه البادي لهذه الخطوة لايهدف في واقع الأمر إلا إلى توجيه رسالة سياسية، وخاصة للأجانب في الداخل والخارج، مفادها إن النظام الاقتصادي السائد في مصر لم ولن يتغير عن نظام مبارك، حتى وإن اتخذت بعض الإجراءات هنا وهناك في مواجهة رموز الفساد الذين قدموا كأكباش فداء لاحتواء الغضب الجماهيري بعد الانتفاضة الثورية في 25 يناير التي انتهت بسيطرة المجلس العسكري على الحكم. غير أن هذه الرسالة السياسية التي تهدف إلى طمأنة المضاربين والأموال الساخنة بأن مصر لن تحيد عن سياسات السوق الرأسمالية وعن "تحرير" الاقتصاد من أي قيود أو ضوابط وفق منهاج "الليبرالية الجديدة"، ربما تكلف مصر كثيرا وتزيد من حدة الأزمة التي يعاني منها الاقتصاد الحقيقي وتؤدي إلى رفع معدلات التضخم المستورد نتيجة لما تمثله عمليات هروب رأس المال إلى الخارج من ضغوط على سعر صرف الجنيه وعلى ما تملكه البلاد من عملات أجنبية ضرورية لاستيراد الغذاء والخامات الصناعية، خاصة في ظل تراجع الصادرات وعائدات السياحة وغيرها من موارد النقد الأجنبي.
إن عودة الحياة إلى النشاط الاقتصادي ينبغي أن تبدأ من نقطة إعادة هيكلة الاقتصاد المصري بما يساعد على تحفيز الانتاج وإزالة الخلل في توزيع الثروة والفجوة بين الدخول بإقرار حد أدنى وحد أقصى للأجور، وإقالة القيادات التي تورطت في الفساد كما يطالب العمال، علاوة على استرداد الأموال المنهوبة من ثروات الشعب المصري وإعادة استغلال هذه الثروات بما يعود بالنفع على الغالبية العظمى من المواطنين، وضمان تشغيل المصانع ومنع أصحابها من إغلاقها تجنبا لتحقيق مطالب العمال حتى ولو بتأميم هذه المصانع، بالإضافة إلى حزمة سياسات تمنع التضخم المستورد وهروب الأموال للخارج، والسيطرة على التجارة الداخلية وتجارة الجملة وغيرها من الإجراءات الحاسمة لمعالجة هذه اللحظة الحرجة التي تمر بها البلاد اقتصاديا وسياسيا. لكن هذه الإجراءات لن تتخذها حكومة شرف المؤقتة، التي لم تستجب لمطالب "فئوية" إلا تلك المطالب التي رفعها ضباط وأمناء الشرطة، فالأولوية بالنسبة لها للأمن واستقرار الأوضاع وليس لتغيير النظام والاستجابة لمطالب الجماهير الثائرة.

الثلاثاء، 15 مارس 2011

نعم للحرية من أجل إسقاط النظام


رمضان متولي
تجاوز الاهتمام بأمر التعديلات الدستورية التي سيجرى الاستفتاء عليها يوم السبت القادم أهمية هذه التعديلات نفسها، يتضح ذلك من متابعة الصحف المصرية وقنوات ومحطات التلفزيون الرسمي والقنوات الخاصة التي تحتل فيها مناقشة هذه التعديلات والمواقف المختلفة إزاءها المساحة الأكبر في التغطية، وكأن الأحداث والمعارك التي دارت رحاها في مختلف ميادين وشوارع مصر منذ 25 يناير الماضي كانت دوافعها وأهدافها الأساسية مجرد مجموعة من الإصلاحات السياسية والدستورية دون إنكار طبعا لأهمية هذه الإصلاحات.
غير أن الدساتير على أهميتها لا تمثل ركنا أساسيا في أي نظام سياسي لأنها نصوص على ورق لا تملك قوة في ذاتها وإنما تستمد قوتها إن وجدت من قوة المؤسسات والمنظمات المدنية ومن طبيعة التوازنات السياسية بين مختلف الأطياف والاتجاهات من جانب وبين الحاكم والمحكومين من جانب آخر.
هكذا يتضح لنا من مجرد المراجعة السريعة للدساتير التي وضعت في مصر على مدى ما يقرب من ثمانين عاما، فقد وجد الدستور المكتوب في مصر منذ عام 1923 وتعاقبت علينا الدساتير المختلفة من الدستور الموءود في عام 1954، مرورا بدستور 1956 حتى دستور 1971 الذي شهد سلسلة من التعديلات غيرت طبيعته وجعلته نموذجا لتفاهة وسخافة النصوص وقدرة الحكام على الاستهانة بها مادامت لا تعكس واقع التوازنات السياسية على الأرض. ومع وجود هذه الدساتير، لم تشهد مصر حكما مؤسسيا، حتى وإن لم يكن ديمقراطيا، طوال تاريخها، ليس لأن هذه الدساتير كانت تقر الاستبداد، بل لأن قدرة الحكام على الاستبداد كانت تفرغ النصوص الدستورية من أي قيمة واقعية، ولنا أن نتذكر في هذا السياق أن أغلب عمليات خصخصة الشركات المملوكة للدولة تمت وكان دستور 1971 ينص على عدم جواز التفريط في القطاع العام وملكية الدولة باعتبارهما ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني! كما أن أغلب التغييرات الهيكلية التي طرأت على الاقتصاد المصري في عهد مبارك تمت بالمخالفة لنصوص هذا الدستور وطبيعته التي كانت تعتبر أن مصر نظامها اشتراكي ديمقراطي ولم يكن في النظام أدنى مسحة من الاشتراكية ولا الديمقراطية اللهم إلا من ناحية الشكل فقط وليس من حيث الجوهر!
ومن زاوية أخرى نجد دولا عديدة في العالم لا يوجد لديها دستور مكتوب وتزخر بحيوية ديمقراطية تجعل الحكام خاضعين للمساءلة، بل والإدانة، إذا تجاوزوا على حقوق المجتمع المدني ومؤسساته، وكثير منهم يدفعون ثمن هذه التجاوزات إن حدثت، ولنا في بريطانيا نموذجا على ذلك من حياة ديمقراطية لا نظير لها في دول لديها دساتير مكتوبة.
ورغم ذلك يصر المجلس العسكري الذي يحكم البلاد حاليا لفترة انتقالية على سرعة إجراء التعديلات الدستورية التي ستعيد الحياة للدستور الذي تم تعطيل العمل به تحت دعوى أنه يريد أن يترك السلطة للمدنيين في أسرع وقت ممكن. وحقيقة الأمر أن المجلس يريد اختزال الانتفاضة الثورية للشعب المصري التي أطاحت بالديكتاتور السابق عند حدود إجراء بعض الإصلاحات السياسية الشكلية على النظام القائم دون المساس بطبيعة التوازنات السياسية الحالية ولا بجوهر ومؤسسات النظام الحاكم وإن اضطر إلى التضحية ببعض رموزه والأشخاص البارزين فيه لاحتواء غضب الجماهير. يتضح ذلك من حقيقة أن المجلس في كل مرة كان يتباطأ في الاستجابة لمطالب الجماهير سواء في إقالة حكومة أحمد شفيق أو في التعامل مع جهاز أمن الدولة، كما يتضح في إصراره على فرض توجهاته ورؤيته لطبيعة المرحلة الانتقالية وإجراءاتها وفي تمسكه بعدم المساس بمؤسسات النظام مثل أجهزة الحكم المحلي والمحافظات والحزب الحاكم وغيرها، رافضا في نفس الوقت مطالب جوهرية تتعلق بإطلاق حرية العمل السياسي والنقابي، وتعديل هياكل المؤسسات والحق في التظاهر والإضراب السلمي تحت دعاوى مختلفة.
ليس غريبا في هذا السياق أن تعلن جماعة الأخوان المسلمين وأغلب تيارات الإسلام السياسي موافقتها على التعديلات الدستورية المقترحة حتى قبل إجراء الاستفتاء عليها، وأن تتفق هذه التيارات في ذلك مع بقايا الحزب الوطني الذي مازال قائما. فهؤلاء وأولئك كانوا أطراف المعادلة السياسية التي هيمنت على البلاد في عهدي السادات ومبارك وإن تصدر الحزب الوطني الساحة والسلطة باعتباره حزب الحاكم الذي يهيمن فعليا على مؤسسات الدولة وإمكانياتها والذي يحظى بدعم أجهزة الأمن السرية والشرطة والإدارات المحلية والشركات والمؤسسات العامة.
وفي موافقة الطرفين على التعديلات إدراك لكل منهما أن جوهر النظام السياسي لم يتغير وإن تغيرت التوازنات بينهما في معادلة السلطة، فالنظام السياسي حاليا يشبه رجلا أصيب بطلق ناري في إحدى ساقيه فأصبح يترنح في سيره ومرتبكا، يخشى من أي عقبة يتعثر فيها فيسقط ولا تقوم له قائمة قبل أن يتماثل للشفاء. بقايا حزب الحاكم وتيارات الإسلام السياسي يمثلان دعامتي هذا النظام، لذلك يصر المجلس العسكري على عدم تفكيك الحزب الوطني وعدم تطهير المؤسسات المختلفة من فلوله وعلى التنسيق والحوار مع تيارات الإسلام السياسي ورفض مبادرات غيرها من التيارات السياسية، كما تأتي موافقة تيارات الإسلام السياسي على التعديلات الدستورية المقترحة لأنها توافق مصالحها الآنية أولا، ولأنها تتفق مع ميول ورغبة المجلس العسكري في اختزال الانتفاضة الثورية إلى مجموعة من الإصلاحات السياسية والدستورية ثانيا.
على هذا الأساس أرفض إجراء الاستفتاء على تعديل الدستور من حيث المبدأ، وأدعو جميع القراء إلى التصويت برفضها إذا فرض علينا إجراء هذا الاستفتاء، حتى لا تختزل إنجازات الانتفاضة الشعبية العظيمة في تعديل بضعة نصوص وإجراء بعض الإصلاحات مع بقاء جوهر النظام.
وعلى هذا الأساس أيضا أظن أن الأهم من التعديلات الدستورية وما سيسفر عنه الاستفتاء من قبولها أو رفضها هو إعادة تهيئة المناخ السياسي بما يرفع الظلم عن التيارات السياسية التي حرمت من فرصة عادلة في ممارسة نشاطها وقمعت قمعا شديدا طوال عهدي السادات ومبارك حيث كان حزب الحاكم (الوطني) يحظى بدعم مؤسسات الدولة وتمويلها ودعم المؤسسة الأمنية صاحبة اليد الطولى في الحياة السياسية، وكانت تيارات الإسلام السياسي تحظى بدعم السلطة والتمويل واستخدام دور العبادة وغيرها سواء لمواجهة الخصوم السياسيين للسلطة أو كفزاعة للغرب من أجل دعم الحاكم المستبد، أو لمساندة خطط القوى العظمى مثل الولايات المتحدة في مواجهة أعدائها أو للهيمنة على مناطق استراتيجية في العالم كمنطقة الخليج بدعم من المملكة العربية السعودية.
وتكون إعادة تهيئة المناخ السياسي بمد الفترة الانتقالية إلى عامين على الأقل، وأن ينظمها أعلان دستوري يطلق حرية تشكيل الأحزاب والنقابات والجمعيات بمجرد الإخطار على ألا تكون بها تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية، ويطلق حرية التعبير من خلال التظاهرات والإضرابات والمسيرات، وإطلاق حرية إصدار الصحف ووسائل الإعلام الأخرى على المستوى القومي والمحلي، وحرية النشاط السياسي في مختلف الأوساط والتجمعات الجماهيرية، وحرية عقد المؤتمرات وتنظيم المنتديات في إطار سلمي يحمي حقوق الإنسان في التعبير والتنظيم ونشر الأفكار وتبنيها.
ورغم ذلك لن تستطيع التيارات السياسية التي قمعت على مدى يزيد على أربعة عقود أن تحصل على فرصة عادلة لبناء قدراتها والمنافسة الانتخابية العادلة مع القوى التي استقرت طوال تلك الحقبة الطويلة والمظلمة وتمرست على الممارسة الانتخابية بما تتضمنه هذه الممارسة من علاقات القوة والمصلحة والهيمنة والتبعية. لكن تهيئة المناخ السياسي بهذه الصورة يمثل الحد الأدنى حتى تتمكن القوى السياسية التي أقصيت عن المسرح السياسي لفترة طويلة من الحصول على تمثيل شبه عادل ومعقول في جمعية تأسيسية منتخبة لصياغة دستور جديد، وحتى تكون لها مؤسساتها التي تمكنها من الترويح لأفكارها ومبادئها على قدم المساواة مع القوى الأخرى وبناء قدراتها ولو في المدى الطويل. لا للتعديلات الدستورية، نعم لإطلاق الحريات السياسية والنقابية للجميع.