الثلاثاء، 9 مايو 2017

رأسمالية الزومبي - كريس هارمان - الفصل الثامن "نهاية العصر الذهبي" - ترجمة رمضان متولي

الفصل الثامن
نهاية العصر الذهبي
أزمة الكينزية
"إن المكتب القومي للبحوث الاقتصادية قد خلص نفسه من واحدة من مهامه الأولى، أي الأزمات الاقتصادية الدورية،" هكذا أعلن بول سامويلسون في عام 1970. وبعد أقل من ثلاث سنوات داهمت العالم الأزمة التي كان يفترض أنها أصبحت مستحيلة – أو على الأقل داهمت البلدان الرأسمالية المتقدمة وجزءا كبيرا من العالم الثالث. ووصل "العصر الذهبي" فجأة إلى نهايته.
كان رد فعل الحكومات في كل مكان هو محاولة تسيير الأمور عبر اللجوء إلى الوسائل الكينزية التي أصبحت تعتقد أن الخطأ لا يدانيها. وأصبح عجز الموازنة الحكومية، الذي كان نادرا خلال عقود ثلاثة سابقة، هو القاعدة. وعجزت الحكومات عن إعادة النظام إلى حيويته السابقة. ولم تقتصر الأزمة على ظهور أول انزلاق للاقتصاد إلى معدلات نمو سلبية – أي إلى ركود حقيقي في مقابل "الركود في معدل النمو" الذي شهده أحيانا قبل ذلك – مع ارتفاع نسبة البطالة، بل كان يصحبه ارتفاع مستويات التضخم، الذي اقترب في بلد مثل بريطانيا من 25 بالمئة.
وقد بذلت جهود لتفسير ما حدث على أنه نتيجة لتأثير الزيادة البالغة والمفاجئة في أسعار النفط في أكتوبر 1973 بسبب حرب "أكتوبر" القصيرة بين إسرائيل والدول العربية وما صاحبها من حظر صادرات البترول من جانب السعودية. لكن أثر الزيادة السعرية كان انخفاضا في الدخل القومي للبلدان المتقدمة بحوالي 1 بالمئة فقط – كما أن معظم الأموال التي ربحتها الدول المنتجة للنفط انتهى بها المطاف إلى إعادة التدوير في البلدان المتقدمة من خلال النظام المصرفي الدولي. وكان من الصعب أن تفسر في حد ذاتها حجم التأثر في معظم أجزاء النظام العالمي – وهو أثر كان ينبغي أن تكون الطرق الكينزية كافية لمعالجته وفق الحكمة الاقتصادية التقليدية آنذاك. وذلك علاوة على أن زيادة أسعار النفط لم تحدث في انفصال عن تطورات أخرى. فقبل ذلك بثلاث سنوات، ضرب "ركود في معدل النمو" جميع الاقتصادات الكبرى ضربات متزامنة بطريقة لم تحدث خلال ربع القرن السابق، وقد أعقبه انتعاش اقتصادي بالغ الحدة وتسارع في معدل التضخم حتى قبل أن تحدث الزيادة في أسعار النفط.(1) وباختصار، كان الركود الذي بدأ في نهاية عام 1973 تتويجا للدورة الاقتصادية تحديدا من النوع الذي كان يفترض أن تدخلات الدولة على النمط الكينزي قد أرسلته إلى كتب التاريخ.
أصبح الكينزيون من التيار السائد في الجانب الخاسر. واكتشفوا أن نظريتهم لم تعد تفعل أيا من الأشياء التي كانوا يدعون. وكما أوضح فيما بعد أحد الكينزيين، وهو فرانسيس كريبس من كامبريدج إيكونوميك بوليسي ريفيو، أنهم أدركوا فجأة أن:
"لا أحد يفهم حقا كيف يعمل الاقتصاد الحديث. ولا أحد يعرف حقا لماذا شهدنا هذا النمو الكبير في عالم ما بعد الحرب… وكيف توافقت مختلف الآليات مع بعضها."(2)
وبين ليلة وضحاها تخلى كثير من الكينزيين عن أفكارهم السابقة وتبنوا نظريات "نقدوية" روج لها ميلتون فريدمان واقتصاديو مدرسة شيكاغو. وكان رأي هؤلاء أن جهود الحكومات في تنظيم السلوك الاقتصادي قد أسيء فهمها. ونادوا بأن هناك "معدلا طبيعيا غير تضخمي" للبطالة، وأن محاولات تخفيض هذا المعدل عبر الإنفاق الحكومي تفشل حتما ولا تنتج إلا التضخم. وشددوا على أن كل ما ينبغي على الدول أن تفعل هو السيطرة على عرض النقود حتى يزيد بنفس سرعة نمو "الاقتصاد الحقيقي" – واتخاذ إجراءات عند الضرورة لتفكيك "الاحتكارات غير الطبيعية" من جانب نقابات العمال أو الصناعات المؤممة، بينما تقوم بتخفيض إعانات البطالة حتى يقتنع العمال عندئذ بقبول العمل بأجور أقل.
كان مبررو النظام الرأسمالي يردون على ناقدي النظام على مدى ثلاثين عاما بأن الرأسمالية يمكن أن تنجح بفعل تدخل الدولة. أما الآن فإنهم يردون بأنها لا تستطيع أن تنجح إلا بنبذ تدخل الدولة. وكما لخصت الكينزية الراديكالية المنشقة جوان روبنسون تحول اقتصاديي التيار السائد:
"كان المتحدثون باسم الرأسمالية يقولون: آسفون ياشباب، لقد ارتكبنا خطأ، نحن لا نقدم لكم التوظف الكامل، وإنما المعدل الطبيعي للبطالة. وطبعا كانوا يقترحون أن قليلا من البطالة سوف يكون كافيا لتحقيق استقرار الأسعار. لكننا نعرف الآن أن حتى كثيرا منها لن يحقق ذلك."(3)
وقد أقر بذلك فعليا رئيس الوزراء عن حزب العمال جيمس كالاجان عندما خاطب مؤتمر الحزب في سبتمبر 1976 قائلا:
"كنا نعتقد أن بإمكاننا أن نعبر طريق الخروج من الركود من خلال تخفيض الضرائب وزيادة الاقتراض الحكومي. وأنا أخبركم بكل صدق أن هذا الخيار لم يعد قائما؛ وبقدر ما كان مطروحا من قبل، كان يعمل على حقن الاقتصاد بالتضخم. وفي كل مرة حدث ذلك، كان متوسط مستوى البطالة يرتفع."
تكررت نفس الفكرة بعد ذلك بعشرين عاما من جانب رئيس الوزراء المقبل عن حزب العمال جوردون براون:
"إن البلدان التي تحاول أن تتخذ سياسات وطنية منفصلة في الاقتصاد الكلي، تقوم على سياسة فرض الضرائب والإنفاق والاقتراض من أجل تنشيط الطلب بدون النظر إلى قدرة جانب العرض في الاقتصاد، حتما سوف تعاقبها الأسواق في عصرنا الحالي في شكل ارتفاع خانق في أسعار الفائدة وانهيار عملاتها."(4)
وبدأ السياسيون والأكاديميون الذين تربوا على الكينزية قبول نفس المعايير عند تحديد السياسة الاقتصادية مثل خصومهم القدامى، بلا أي بديل عن ارتفاع مستويات البطالة، وتخفيض الرعاية الاجتماعية، و "المرونة" التي تجعل العمال "أكثر تنافسية"، والقوانين التي تحد من "قوة نقابات العمال". أما الكينزيون الذين لم يتخلوا عن معتقداتهم القديمة فقد أزيحوا إلى هوامش المؤسسة الاقتصادية. وبحلول عام 2007، كشفت إحدى الدراسات أن "72 بالمئة من طلاب علم الاقتصاد" كانوا في مؤسسات تعليمية لا يوجد بها "اقتصادي مهرطق" واحد يتحدى "الافتراضات النيوكلاسيكية والنيوليبرالية".(5)
لكن الاندفاع نحو النقدوية من جانب مؤيدي النظام لم يكن أكثر قدرة على معالجة الأزمة من الكينزية. فلم تكن النقدوية في النهاية إلا ترديدا لأفكار المدرسة النيوكلاسيكية التي هيمنت على علم الاقتصاد البرجوازي حتى ثلاثينيات القرن العشرين. وتماما كما كانت عاجزة عن تفسير القسوة غير المعهودة لأزمة ما بين الحربين، كانت كذلك عاجزة عن تفسير أزمة السبعينيات والثمانينيات، وأقل قدرة على معالجتها. ففي بريطانيا أعقب موازنة عام 1979 التي وضعها النقدوي جيوفري هاوي تضاعف معدل التضخم(6) ومعدل البطالة، بينما خلفت الناتج الصناعي في عام 1984 أقل بنسبة 15 بالمئة عن مستواه قبل 11 عاما.(7) بل إن السياسات النقدوية لم تتمكن حتى من السيطرة على عرض النقود؛ فالمعيار الأوسع نطاقا لعرض النقود (ما يطلق عليه الاقتصاديون M3) ارتفع في عام 1982 بنسبة 14.5 بالمئة بدلا من نسبة 6 إلى 10 بالمئة التي خطط لها.(8) ولم تسهم هذه السياسة إلا في تدمير كثير من الصناعة المحلية، ومفاقمة أزمة أوائل ثمانينيات القرن العشرين، وتمهيد التربة لأزمة أخرى في عام 1990.  
بعض الاقتصاديين الذين تخلوا عن الكينزية وتبنوا النقدوية في منتصف سبعينيات القرن الماضي رأيناهم ينبذون النقدوية بدورها في أوائل الثمانينيات. فكاتب جريدة الفايننشال تايمز سامويل بريتان، الذي بذل جهدا كبيرا في ترويج أفكار النقدوية في بريطانيا، كان ينتقد الكثير من السياسات النقدوية بحلول عام 1982، ويصف نفسه بأنه "كينزي من طراز جديد". وفي الولايات المتحدة، نبذ المستشارون الاقتصاديون لريجان النظرية النقدوية بهدوء(9) وتخلوا عن واحد من مبادئها المركزية وهي توازن الموازنة العامة، عندما واجهوا فشل السياسات النقدوية في القضاء على أزمة حادة.
غير أن جانبا كبيرا من النظرية الاقتصادية السائدة سارت في اتجاه آخر. فقد اتسع نفوذ مدرسة "نيوكلاسيكية" كانت تحاجج، بقدر كبير على غرار هايك في ثلاثينيات القرن العشرين، بأن خطأ النظرية النقدوية كان أنها تركت دورا للدولة – أي التدخل في أسواق النقد. وزعمت أن فريدمان وقع في نفس الفخ الذي وقع فيه كينز بتشجيع تحركات الحكومة لتغيير عرض النقود: فقد كان بمعنى ما كينزيا.(10) وشدد أنصارها على أن هذه التحركات لم تغير من سلوك الشركات بالطريقة المأمولة، ذلك أن التوقعات العقلانية للمنظمين تدفعهم دائما إلى خصم تكلفة التدخل الحكومي مقدما. إن التلاعب بعرض النقود، مثل قيام الحكومة بالتمويل بالعجز، أوقف التفاعل الملائم بين العرض والطلب. وادعوا أن "فترات الرخاء والأزمات هي محصلة ممارسات الغش في سياسات البنك المركزي".(11) إن قدرة الكلاسيكيين الجدد على الاحتفاظ بمصداقية فكرية وهم ينكرون عدم استقرار ولاعقلانية اقتصاد السوق الحرة في فترة شهدت ثلاث أزمات ركود دولية كبرى تعد شهادة مثيرة للدهشة على عزلة وابتعاد معظم علم الاقتصاد الأكاديمي عن أي صلة بالواقع.
جاءت الذروة التي بلغتها هذه الأفكار مع رخاء قصير الأجل في منتصف وأواخر عقد الثمانينيات. وقد بدا أنه يدعم تفاؤلها بشأن مزايا التحرير والخصخصة وإزالة أي عقبة أمام جشع الأغنياء لصالح النمو الاقتصادي. لكنها فقدت بعض بريقها مع تجدد أزمة الركود العميقة في أوائل التسعينيات. وقد حظيت مدرسة مختلفة لاقتصاديي السوق الحرة على بعض التأييد داخل التيار السائد. وكانت هذه المدرسة تنويعا على "المدرسة النمساوية" التي تأثرت بأفكار جوزيف شومبيتر، والتي كانت تعتبر دورة الرخاء-الركود أمرا محتوما – وكذلك محمودا.  وترى أن النظام قادر على التوسع بلا توقف، ولكن فقط على أساس "التدمير الخلاق" الذي يهدم الأشكال القديمة للإنتاج ليفتح الطريق أمام أشكال جديدة.(12) ولكنها لم تكن أكثر قدرة من كينزيي التيار السائد، ولا النقدويين ولا الكلاسيكيين الجدد على الإجابة على سؤال محوري: هو لماذا أصيب النظام مرة أخرى بمرض الأزمات المتكررة وكذلك بتدهور طويل الأجل في متوسط معدلات النمو بعد ثلاثة عقود من نمو غير مسبوق وبلا أزمات تقريبا؟(13)
وكان إخفاق معارضي الكينزية في معالجة هذه المشكلات هو ما دفع الكينزيين – وجزءا من أقصى اليسار المتأثر بالكينزية – إلى إرجاعها إلى زوال "العصر الذهبي". وهم يرون أن النظام في حد ذاته لم يكن سببا في الأزمات المتكررة.  ولكن كما أوضح نوترمانز:
"إذا لم يكن ممكنا أن ننسب انتعاش الاقتصاد من الكساد الكبير ولا النمو الاقتصادي بعد الحرب إلى السياسات الكينزية … فلا يمكن استخدامها كتفسير لنهاية التوظف الكامل."(14)
فأين نجد هذا التفسير إذن؟
من أين جاءت الأزمات
إن جميع تفسيرات نهاية "العصر الذهبي" عند مدارس التيار السائد الأكثر تأثيرا يغيب عنها تناول ما كان يحدث في معدل الربح. غير أن مختلف الجهود التي سعت إلى قياسه وصلت إلى نتيجة واحدة: أنه انخفض انخفاضا حادا خلال الفترة بين أواخر ستينيات القرن العشرين وأوائل الثمانينيات.
لا تتفق النتائج دائما اتفاقا كاملا مع بعضها البعض، ويرجع ذلك إلى اختلاف طرق قياس الاستثمار في رأس المال الثابت، كما أن المعلومات التي تقدمها الشركات والحكومات حول الأرباح تتعرض لتشوهات كبيرة.(15) ورغم ذلك، توصل إلى نتائج بالغة التشابه كل من فريد موسلي، وتوماس مايكل(16)، وأنور شيخ وإرتوجرول أحمد توناك(17)، وجيرارد دومينيل ودومينيك ليفي، وأوفوك توتان وأل كامبل(18)، وروبرت برنر وإدوين ولف(19) وبيروز أليمي ودونكان فولي(20). ويظهر نسق معين، تبينه الرسوم التوضيحية التي قدمها دومينيل وليفي (الشكل 1)(21)، بالنسبة لقطاع الأعمال كله في الولايات المتحدة، والرسوم التي قدمها برنر (الشكل 2) بالنسبة لقطاع الصناعة في الولايات المتحدة وألمانيا واليابان.




هناك اتفاق عام على أن معدلات الربح انخفضت من أواخر ستينيات القرن العشرين حتى أوائل الثمانينيات. كما أن هناك اتفاق أن هذه المعدلات تحسنت منذ عام 1982 تقريبا، لكن مع انقطاع عند نهاية عقد الثمانينيات وآخر عند نهاية عقد التسعينيات، ولم تعوض أبدا أكثر من نصف تدهورها تقريبا منذ الرخاء الطويل. ووفقا لولف، انخفض معدل الربح بنسبة 5.4 بالمئة من عام 1966 حتى عام 1979، ثم "ارتفع" بنسبة 3.6 بالمئة من عام 1979 وحتى عام 1997؛ ووفق حسابات فريد موسلي "استرد… حوالي 40 بالمئة فقط من تدهوره السابق؛"(23) وفي حسابات دومينيل وليفي "كان معدل الربح في عام 1997 يبلغ فقط نصف معدله في عام 1948، وما بين 60 بالمئة و 75 بالمئة من متوسط قيمته خلال عشرة أعوام بين 1956 وعام 1965."(24)
لقد بذلت محاولات لتفسير تدهور الربحية خلال سبعينيات القرن العشرين كنتيجة لموجة من النضال العمالي عالميا التي افترض أنها دفعت نصيب العمال من إجمالي الدخل نحو الارتفاع واقتطعت من نصيب رأس المال. وقد طرح هذه الفكرة كل من أندرو جلين وبوب سوتكليف(25) وبوب روثرون(26) وقبلهم جزئيا إرنست ماندل.(27) بل إن تحليل جلين ذكره مؤخرا ومحبذا إياه مارتين وولف.(28) لكن التحليل الإحصائي في ذلك الوقت أوضح أنه لم تحدث أي زيادة في نصيب الأجور عندما نضع في حسابنا قيمة الضرائب، وإهلاك رأس المال، ومختلف العوامل الأخرى.(29) كما أن هذه الفكرة تخفق في بيان أسباب تحول جميع الاقتصادات الغربية إلى الأزمة في نفس التوقيت في منتصف سبعينيات القرن العشرين. ففي إيطاليا وبريطانيا وإسبانيا وفرنسا ظهر تحسن كبير في مستوى تنظيم الطبقة العاملة في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، ولكننا لم نشهد تحسنا مماثلا في اليابان وألمانيا الغربية، بينما شهدنا في الولايات المتحدة تدهورا حادا في قيمة الأجور الحقيقية للعمالة غير الزراعية منذ أواخر عام 1972 وحتى ربيع 1975، رغم زيادة الإنتاجية ككل.(30)
كانت فكرة ماركس – ومازالت – حول التركيب العضوي لرأس المال هي التي تبدو معقولة وذات معنى. فقد كشفت دراسة حول اقتصاد الولايات المتحدة تنتمي إلى التيار الاقتصادي السائد عن نمو سريع في معدل استثمار رأس المال إلى العمال المستخدمين في الصناعة بنسبة تزيد على 40 بالمئة خلال الفترة ما بين 1957 إلى 1968، والفترة من 1968 إلى 1973.(31) كما كشفت دراسة عن المملكة المتحدة عن ارتفاع معدل رأس المال إلى الناتج بنسبة 50 بالمئة خلال الفترة بين عام 1960 وحتى منتصف سبعينيات القرن العشرين.(32) وقد لاحظ صامويل بريتان بارتباك:
"كان هناك تدهور بنيوي طويل الأجل في كمية الناتج لكل وحدة من رأس المال في القطاع الصناعي…وهذه تجربة عامة نوعا ما في البلاد الصناعية… يستطيع المرء أن يدبج رواية معقولة تماما عن أي بلد على حدة، لكن ليس عن العالم الصناعي ككل."(33)
وتوصلت الحسابات الأحدث التي أجراها كل من ميشل(34)، موسلي، وشيخ وتوناك، وولف(35) جميعها إلى أن زيادة معدل رأس المال إلى العمل كانت عاملا في تخفيض معدلات الربح. وهي نتيجة تؤكد رؤية ماركس التي تقول أن زيادة معدل رأس المال إلى العمل قد تؤدي إلى انخفاض الربح – كما أنها تفنيد إمبيريقي للموقف الذي تبناه أوكيشيو وآخرون الذي يرى أن ذلك مستحيلا، ولكنها تترك المجال مفتوحا لطرح السؤال حول سبب حدوث ذلك آنذاك وليس في وقت سابق.  
وهي مسألة يمكن حلها عبر البحث في التناقضات الكامنة في فترة الرخاء الطويل التي ألقى عليها الضوء في أوائل ستينيات القرن العشرين أولئك الذين فسروا الرخاء في ضوء الحجم الكبير للإنفاق على السلاح.
كان الإنفاق على السلاح موزعا بشكل غير متساوي بين معظم الاقتصادات الهامة. فكان يستهلك حصة كبيرة جدا من الناتج القومي للولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في خمسينيات القرن العشرين (بلغت 13 بالمئة في حالة الأولى، وربما 20 بالمئة أو أكثر في حالة الثاني)، ويستهلك حصة أقل في بريطانيا وفرنسا، وأقل كثيرا في ألمانيا واليابان. لم يحظ ذلك باهتمام مبالغ فيه في السنوات الأولى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، عندما كان حجم التجارة الخارجية منخفضا نسبيا وكانت معظم الشركات عرضة لمستوى ضعيف من المنافسة الاقتصادية العالمية. فمثلا كانت الضرائب التي تستخدم في الإنفاق على موازنة التسليح بالولايات المتحدة تقتطع من أرباح الشركات الأمريكية، لكن ذلك لم يكن يضر كثيرا بأي واحدة من تلك الشركات في المنافسة المحلية مع الشركات الأخرى. كما لم يكن هناك ما يشكو منه الرأسماليون طالما أن معدل الربح الكلي لم يتدهور كثيرا عن مستواه المرتفع في الفترة التالية للحرب مباشرة. وكانت النتائج الإيجابية للإنفاق على السلاح تعوض النتائج السلبية وأكثر.
غير أن هذا التفاوت في الإنفاق على السلاح أصبحت له أهمية بمرور الوقت، فقد سمحت الولايات المتحدة لدول غرب أوروبا واليابان بدخول أسواقها كجزء من برنامج استخدام موقعها الاقتصادي المسيطر في دعم هيمنتها خارج الكتلة السوفييتية. لكن الاقتصادات التي تنفق أقل على السلاح تستطيع أن تستثمر نسبا، وأن تحقق معدلات نمو، أعلى كثيرا مما تستطيع الولايات المتحدة. ومع مرور الوقت بدأت في اللحاق بمستوى إنتاجيتها وفي زيادة أهميتها النسبية في الاقتصاد العالمي.
بلغ معدل نمو رأس المال في اليابان 11.8 بالمئة سنويا خلال الفترة من 1961 وحتى 1971، وبلغ في ألمانيا الغربية 9.5 بالمئة خلال الفترة من عام 1950 وحتى عام 1962؛ وفي المقابل كان هذا الرقم في الولايات المتحدة يبلغ 3.5 بالمئة فقط خلال الفترة من عام 1948 وحتى عام 1969.(36) وبلغ نصيب اليابان من إجمالي الناتج القومي للبلدان المتقدمة مجتمعة 17.7 بالمئة في عام 1977، بينما كانت حصة ألمانيا 13.2 بالمئة؛ في المقابل كانت هذه الأرقام في عام 1953 تبلغ فقط 3.6 بالمئة و 6.5 بالمئة على التوالي. في نفس الوقت انخفض نصيب الولايات المتحدة إلى 48 بالمئة من 69 بالمئة.(37) أرجع هذا التحول إلى المزايا التي ربحتها اليابان وألمانيا من ارتفاع مستوى الإنفاق على السلاح عالميا، وخاصة من قبل الولايات المتحدة، دون إضطرارهما إلى التضحية باستثماراتهما الانتاجية الخاصة لدفع تكاليفه. فلو كان لدى جميع البلدان مستوى من الاستثمار الإنتاجي يقترب من مستواه في ألمانيا الغربية واليابان، كنا سنشهد زيادة سريعة جدا في التركيب العضوي لرأس المال عالميا واتجاها هبوطيا في معدل الربح. وما حدث أن رأس المال حقق نموا في اليابان "أسرع كثيرا من قوة العمل – بما يزيد عن 9 بالمئة سنويا، أو بأكثر من ضعف متوسط معدل النمو في البلدان الصناعية الغربية…"(38) إن رأسماليات الدولة غير العسكرية استطاعت أن تتوسع بلا أزمات فقط بسبب أنها كانت تعمل داخل نظام عالمي يضم رأسمالية دولة عسكرية كبيرة جدا.
هكذا لم تناقض تجربتا اليابانيين والألمان أطروحة الإنفاق على السلاح كتفسير للنمو والاستقرار العالمي. وإنما كانتا عاملا نقيضا في هذا النمو. إن نجاحهما ذاته يعني أن جزءا كبيرا من الاقتصاد العالمي لم يكن يبدد ناتجا قابلا للاستثمار في إنتاج السلاح. ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد. فقد بدأ هذا النجاح نفسه لاقتصاد يتسم بانخفاض الإنفاق على السلاح في زيادة الضغط على البلدان التي تنفق كثيرا عليه لتحويل الموارد نحو الاستثمار الإنتاجي بعيدا عن السلاح. فحينذاك فقط تستطيع أن تبدأ مواجهة التحدي في المنافسة على الأسواق مع اليابان وألمانيا الغربية.
كان هذا أكثر وضوحا في حالة بريطانيا. فاقتصادها كان يعتمد كثيرا على التجارة الخارجية وقد عانت من أزمات في ميزان المدفوعات مع كل فترة نمو اقتصادي سريع ما بين أواخر أربعينيات القرن العشرين وأواخر السبعينيات. وأجبرت الحكومات البريطانية المتعاقبة مترددة على التخلي عن تصوراتها حول العظمة الإمبراطورية وعلى تخفيض الجزء الذي يوجه إلى ميزانية الدفاع من الناتج القومي من 7.7 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي في عام 1955 إلى 4.9 بالمئة في عام 1970.
في حالة الولايات المتحدة كان الضغط أقل وضوحا في البداية، لأن التجارة الخارجية حتى في عام 1965 بلغت حوالي 10 بالمئة فقط من إجمالي ناتجها القومي كما أن البلاد حققت فائضا تجاريا طوال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. ورغم ذلك، انخفض الإنفاق على التسلح من حوالي 13 بالمئة من إجمالي الناتج القومي خلال الحرب الكورية إلى ما بين 7 بالمئة و 9 بالمئة في أوائل ستينيات القرن العشرين. وقد اتضح ضغط الإنفاق العسكري فجأة على قدرتها التنافسية عالميا عندما زاد هذا الإنفاق بمقدار الثلث مع حرب فييتنام. ورغم أن المستوى الجديد من الإنفاق لم يماثل بأي صورة مستواه خلال الحرب الكورية، فقد كان أكثر مما تحتمله الصناعة في الولايات المتحدة التي كانت تواجه منافسة شرسة على الأسواق. كانت هناك زيادة سريعة في معدل التضخم بالداخل وتحولت وول ستريت إلى رفض الحرب.(39) ثم في عام 1971، تجاوزت الواردات الأمريكية صادراتها لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية. واضطر الرئيس نيكسون إلى أن يتخذ إجرائين ساهما في مزيد من تقويض الاستقرار في الاقتصاد العالمي: فقام بتخفيض الإنفاق الأمريكي على السلاح(40) وتخفيض قيمة الدولار الأمريكي، مدمرا في سياق ذلك نظام "بريتون وودز" لتثبيت أسعار صرف العملة عالميا والذي كان بمثابة إطار لتوسع التجارة العالمية ونموها على مدى مرحلة ما بعد الحرب.
كانت دينامية المنافسة في السوق تواصل باستمرار تقويض دينامية المنافسة العسكرية. إن ما أطلق عليه البعض "أزمة الهيمنة"(41) في النظام خلال عقد السبعينيات كان في واقع الأمر ناتجا عن شيء آخر – أي عدم الاستقرار الكامن في عالم يتكون من رأسماليات دولة تنخرط فيما بينها في منافسة ذات بعدين مختلفين تماما، اقتصادي وعسكري.
إن إحدى مفارقات الرأسمالية، كما رأينا في الفصل الثالث، هي أن زيادة التركيب العضوي لرأس المال تؤدي إلى زيادة أرباح الرأسمالي الأول الذي يدخل التكنولوجيا الجديدة رغم أنها تعمل على تخفيض متوسط معدل الربح. هكذا فإن انخراط اليابانيين والألمان الغربيين في أنماط من الاستثمار كثيفة رأس المال أدى إلى انخفاض معدل الربح عالميا وفي نفس الوقت زيادة نصيبهما الوطني الخاص من الأرباح العالمية. فمع زيادة قدرتهما التنافسية في أسواق التصدير اضطرت الرأسماليات الأخرى إلى تحمل نتيجة الزيادة في التركيب العضوي لرأس المال في ألمانيا واليابان، بانخفاض معدلات الربحية بها. لكن ذلك بدوره شكل ضغطا على هؤلاء الرأسماليين الآخرين لزيادة قدرتهم التنافسية عبر زيادة التركيب العضوي لرأس المال لديهم. وكانت نتيجة ذلك انخفاض معدلات الربح في عقد السبعينيات من القرن العشرين. وبحلول عام 1973، كانت معدلات الربح منخفضة حتى أن الزيادة في أسعار الغذاء والمواد الأولية نتيجة الازدهار في العامين السابقين كانت كافية لأن تدفع اقتصاد البلدان الغربية المتقدمة إلى الركود.
وفجأة لم تعد هناك ضمانة للاحتكارات الرأسمالية الكبرى بأن الاستثمارات الجديدة بالحجم الذي تحتاج إليه حتى تصمد في المنافسة العالمية سوف تكون رابحة. فبدأ الاستثمار في الانخفاض انخفاضا حادا وحاولت الشركات حماية أرباحها عبر تخفيض التشغيل وتكلفة العمالة. ثم أدى تدهور السوق إلى مزيد من انخفاض الأرباح والاستثمار.
وبعد فسحة امتدت ثلاثين عاما، عادت العملية النمطية القديمة من تحول الرخاء إلى الأزمة. وعندما ردت الحكومات بمحاولة تنشيط الطلب من خلال عجز الموازنة، لم تستجب الشركات استجابة فورية بزيادة الاستثمار والإنتاج، كما كان يتصور الكينزيون من التيار السائد. وبدلا من ذلك، قامت الشركات بزيادة أسعار منتجاتها في محاولة لتعويض الأرباح، وهو ما رد عليه العمال، الذين كان لديهم درجة من الثقة آنذاك بنيت خلال سنوات طويلة من التوظف الكامل، بالنضال من أجل زيادة الأجور. فواجهت الحكومات والبنوك المركزية اختيارا. إما أن تسمح بزيادة عرض النقود حتى تستطيع الشركات زيادة أسعار منتجاتها أكثر وحماية أرباحها. أو أن تحاول الحد من عرض النقود بزيادة أسعار الفائدة في الأجل القصير، معتمدة على أن تضطر الشركات عندذاك إلى مقاومة مطالب العمال. وقد تحولت، إجمالا، من النهج الأول في منتصف سبعينيات القرن العشرين إلى النهج الثاني في أواخرها. لكن نجاحها في استعادة الاستثمار وإطلاق فترة جديدة من النمو لم يستمر طويلا حتى عندما نجحت الحكومات في إحباط مقاومة الطبقة العاملة. فلم تستطع زيادة معدل الربح أعلى من مستوى ما قبل أزمة 1973، وفي الفترة من 1980 إلى 1982 كانت "الصدمة النفطية" الثانية كافية لأن تدفع العالم في ركود خطير للمرة الثانية، لتوكد أن المدرسة النقدوية لم تستطع استعادة الأوضاع إلى مرحلة الرخاء الطويل بأكثر مما كانت تستطيع الكينزية.
حدود الرأسمالية الموجهة من الدولة
كانت الرأسمالية تتقدم نحو الاصطدام بحدود استراتيجية رأسمالية الدولة للحفاظ على التراكم. وقد نجحت هذه الاستراتيجية بقدر ما كانت الدول قادرة على تجاهل الآثار المباشرة على معدل الربح نتيجة توجيه جانب من فائض القيمة القابل للاستثمار نحو مجالات لا تدر ربحا مباشرا بصورة خاصة (مثل قيام اليابانيين بإعطاء الأولوية للنمو على حساب الربحية) أو نحو مجالات الإنتاج التبديدي (مثل اقتصاد السلاح). لكن ذلك اعتمد أولا على عدم انخفاض معدل الربح بدرجة بالغة الحدة، وثانيا على قدرتها على تجاهل مدى تنافسية إنتاجها من سلع معينة داخل اقتصادها القومي مقارنة بما يجري إنتاجه في أنحاء أخرى من النظام العالمي (أو بلغة ماركس، قدرتها على تجاهل قانون القيمة على المستوى العالمي مقارنة بالإنتاج داخل الوحدات المفردة في الاقتصاد الوطني). وبحلول منتصف سبعينيات القرن العشرين، قوض الرخاء الطويل نفسه كلا من هاذين الشرطين الأوليين.
انخفض معدل الربح آنذاك إلى حد جعل الإنفاق غير الانتاجي أو مجالات الاستثمار غير الربحية على نحو خاص عبئا تتزايد وطأته على استمرار التراكم. كما أن دينامية الرخاء الطويل ذاتها نتج عنها نمو متزايد في الارتباط الهيكلي بين الاقتصادات الوطنية. فبحلول عام 1979، بلغت التجارة الخارجية للولايات المتحدة مستوى 31 بالمئة من الناتج مقارنة بنسبة 10 بالمئة فقط في عام 1965.(43) كما أن نسبة أكبر كثيرا من القطاع الصناعي وجب عليها أن تعتني بالمقارنة العالمية للتكاليف. واكتشفت صناعات بأكلمها فجأة ضرورة إعادة حساب قيمة إنتاجها على أساس ما قد يتكلفه الإنتاج باستخدام تقنيات أكثر تقدما وعمالة أقل كلفة في بلاد أخرى – وكان معنى ذلك أن قيمة إنتاجها لم تكن مرتفعة بما يكفي لتحقيق أرباح "ملائمة".
يفسر ذلك على ما يبدو ظاهرة الركود في إنتاجية العمل الشهيرة في الولايات المتحدة خلال سبعينيات القرن الماضي -  فقيمة الآلات التي يعمل عليها العمال احتسبت بداية من حيث حجم تكلفة إنتاجها أو إحلالها داخل الولايات المتحدة، ولكن مع زيادة التجارة العالمية أصبح المهم هو الرقم الأقل الذي قد ينتج عن هذا الحساب عند المقارنة مع العالم.(44)
على أي حال، فقد انتهى تماما ذلك الطابع الذي وصفه جالبريث بشأن قدرة الشركات على التغاضي عن أهمية الربح لصالح النمو. ولم يكن ذلك تغيرا شديد الأهمية فقط بالنسبة لرأسمالية الدولة الاحتكارية في الولايات المتحدة. بل سيكون له آثار مدمرة بالنسبة لتلك البلدان التي توغلت أكثر في اتجاه رأسمالية الدولة الكاملة في الكتلة الشرقية والعالم الثالث. فكان عليها أيضا أن تدخل في مرحلة جديدة من الأزمات.  
نهاية النموذج الستاليني
كان الافتراض السائد لدى الفكر التقليدي عند اليمين واليسار على السواء أن الاقتصاد على النمط السوفييتي يكشف عن دينامية مختلفة تماما عن دينامية الاقتصاد الغربي. فحتى سبعينيات القرن العشرين، وأحيانا الثمانينيات، كان يفترض مع اختلاف ضئيل للغاية(45) أن الاقتصادات على النمط السوفييتي يمكنها أن تحقق مستويات عالية من النمو إلى مالا نهاية، حتى وإن كانت أيضا تتسم بانعدام كبير في الكفاءة وتميل إلى إنتاج سلع منخفضة الجودة. كان الموقف الذي تبناه إرنست ماندل يمثل نموذجا لموقف اليسار، حتى بين من كانوا ينتقدون بشدة إنكار حقوق العمال في هذه المجتمعات. فقد كتب ماندل في عام 1956: 
"إن الاتحاد السوفييتي يحافظ على إيقاع منتظم بدرجة أو بأخرى من النمو الاقتصادي، في خطة وراء خطة، وعقد وراء عقد، دون أن يضغط التقدم الذي وقع في الماضي على إمكانيات وفرص المستقبل…لقد أنهيت تماما جميع قوانين تطور الاقتصاد الرأسمالي التي تؤدي إلى تباطؤ في سرعة النمو الاقتصادي…"(46)
وفي منتصف سبعينيات القرن العشرين كان ماندل لازال يجادل "إن البلاد ذات الاقتصاد غير الرأسمالي تفلت من الآثار العامة للركود، بينما هذا الركود يضرب جميع الاقتصادات الرأسمالية."(47)
تلقت هذه المواقف صدمة مهينة في أواخر ثمانينيات القرن العشرين عندما كشف ميخائيل جورباتشوف، الذي عين مؤخرا أمينا عاما للحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي، أن الاقتصاد يعاني من "الكساد" منذ بضعة أعوام(48)، وقال مستشاره الاقتصادي أجانبجيان:
"لم يشهد الاقتصاد نموا من الناحية الواقعية خلال الفترة من عام 1981 وحتى عام 1985. وقد وقعت أزمة وكساد غير مسبوق خلال الفترة بين عامي 1979 و 1982، عندما انخفض الإنتاج فعليا في 40 بالمئة من جميع السلع الصناعية."(49)   
وقد أظهرت الأرقام الرسمية في الاقتصادات على النمط السوفييتي في أواخر ستينيات القرن العشرين اتجاها طويل الأجل لتدهور معدلات النمو بما بين الثلث والثلثين.(50) وكان الانخفاض طويل الأجل في معدلات النمو يعتمد على أمر آخر يسير موازيا له. فقد استمر معدل الناتج إلى رأس المال في الانخفاض من 2.4 في أعوام 1951-1955 إلى 1.6 في أعوام 1956-1960، ثم إلى 1.3 في أعوام 1961-1965. أو، بمعنى آخر، إن كمية رأس المال الثابت المطلوبة لإنتاج كمية معينة من المنتجات الجديدة كانت ترتفع باستمرار.
وقد ازداد الأمر سوءا بسبب أن الناتج الإجمالي الآخذ في النمو من الناحية المادية لم يكن ذا جودة كافية بالنسبة للبيروقراطيات الحاكمة. كان ما يهمهم هو كيفية مقارنة هذا الإنتاج المادي مع ذلك الذي ينتجه منافسون لهم في العالم – أي قيمة هذا الإنتاج بالمعايير الدولية. وقد أدى ذلك إلى محاولات متكررة تقوم بها قطاعات من البيروقراطية لتنفيذ إصلاحات اقتصادية، وسط تصاعد الشكاوى إزاء الإنتاجية وجودة ما يجري إنتاجه: وذلك في أوائل الخمسينيات بعد وفاة ستالين، وفي أوائل الستينيات في عهد خروتشوف ثم في أواخر الستينيات في عهد ليونيد بريجينيف ورئيس وزرائه كوسيجين.  
لم تحقق الإصلاحات إلا نتائج محدودة. شجع ارتفاع مستوى معيشة العمال، مقابل انخفاضها الحاد في ثلاثينيات القرن العشرين، على زيادة التزام قوة العمل وارتفاع الإنتاجية. لكن ضغوط التراكم التنافسي عالميا (في صورتها العسكرية في حالة الاتحاد السوفييتي، وفي صورتها العسكرية والمنافسة السوقية معا في حالة دول أوروبا الشرقية) أدت إلى اتجاه متكرر إلى التضحية بزيادة السلع الإستهلاكية والمنتجات الغذائية لصالح احتياجات الاستثمار الصناعي. وكما أوضح الإحصائيون السوفييت في عام 1969 "بسبب الوضع العالمي، لم يكن ممكنا تخصيص الكثير من الموارد للاستثمار الزراعي وفق الخطة."(51) إن هذا التحويل للموارد من نوع محدد من الإنتاج إلى آخر أدى بالضرورة إلى زيادة الفاقد، وحطم معنويات قوة العمل، ودفع الأشخاص في كل مستوى من مستويات التراتب الإداري إلى إخفاء الموارد التي تحت تصرفهم حتى يتمكنون من التعامل مع الوضع إذا انخفضت مدخلات الإنتاج فجأة.(52)
من الضروري أن نلاحظ هنا بشكل عابر أن هذه الظاهرة لم تكن قاصرة على الاقتصاد ذي النمط السوفييتي. فنفس هذه الضغوط بالضبط تنطبق على الكوادر التي تلي صفوف الإدارة العليا في الشركات الغربية لأنهم مطالبون بالقدرة على الاستجابة للتغيرات المفاجئة في الضغوط الواقعة عليهم من أعلى استجابة لتغيرات المنافسة. وتحت هذه الظروف يمكن لتكاليف الإنتاج لدى الشركة أن ترتفع ارتفاعا كبيرا عن التكاليف التي كان ينبغي تحقيقها. ويمكن أن ينتج عن ذلك ما أطلق عليه أحد الاقتصاديين "X-inefficiency" – وهو مستوى من عدم الكفاءة في الشركة يصل إلى 30 أو 40 بالمئة من تكاليف الإنتاج.(53) إن تكاليف الإنتاج والأسعار التي سوف تسود في "سوق تنافسية كاملة" تتباينان تباينا هائلا عن بعضهما البعض – وباستخدام مصطلحات ماركس، هناك تجاوزات كبيرة قصيرة الأجل على قانون القيمة. 
هذه الأمور يندر أن يدرسها الاقتصاديون المنتمون للتيار السائد، لأن كلا من علم الاقتصاد الجزئي والكلي لديهم يعالجان ما يحدث بين الشركات، لا ما يحدث داخلها. لكن إشارات متكررة إلى هذه المشكلات نجدها في دراسات الإدارة. ومن المثير أن بعض الدراسات الغربية توصلت بشأن العلاقات بين المؤسسات في الاتحاد السوفييتي إلى أن "كفاءة تخصيص الموارد" (أي ما يطلق عليه الماركسيون قانون القيمة) ينطبق على اقتصاد الاتحاد السوفييتي: "ربما تكون التجارة البينية لدى هذه المؤسسات في عوامل الإنتاج على نفس مستوى كفاءتها في اقتصاد السوق."(54)
كان ما أدى إلى الأزمة والفاقد في المؤسسات الغربية وكذلك المؤسسات في الاقتصاد على النمط السوفييتي هو الاندفاع نحو التراكم مهما كان الثمن. وكان ذلك يعني كما رأينا في الفصل السابع أن يتوسع الاستثمار مرة بعد أخرى على حساب الاستهلاك، وزيادة اختلال التوازن في الاقتصاد، واستمرار الوتيرة الدورية في تحقيق النمو، وتزايد اغتراب قوة العمل. وتكشف الأرقام التي أعلنها الصحفي الاقتصادي الروسي سيليونين في عام 1987 عن إخضاع الاستهلاك للتراكم على نحو متزايد على مدى ما يقرب من ستة عقود، حيث وجه 25 بالمئة فقط من الناتج إلى الاستهلاك في عام 1985 مقابل 39 بالمئة في عام 1940 و 60.5 بالمئة في عام 1928. واختتم قائلا: "إن الاقتصاد يعمل أكثر فأكثر لمصلحته بدلا من أن يعمل لمصلحة الإنسان."(55)
تردد في كلماته (ربما دون قصد منه) الكلمات التي قالها ماركس واصفا منطق الرأسمالية "التراكم من أجل التراكم، والإنتاج من أجل الإنتاج."(56) لكن الاندفاع نحو هذا التراكم لم يكن فقط بالنسبة لماركس تعبيرا عن اغتراب النظام الرأسمالي. بل كان كذلك القوة الكامنة وراء اندلاع الأزمات في نهاية المطاف. لأنه كان يعني أن التراكم بلغ حدا يحاول عنده أن يتقدم بوتيرة أسرع من استخلاص فائض القيمة الإضافي الضروري لأن يصبح ذلك ممكنا. وعند هذه النقطة لا يمكن أن يستمر التراكم الجديد إلا على حساب التراكم القائم فعلا، كما أوضح ذلك جروسمان في نظريته عن "الانهيار الرأسمالي". فهناك "تراكم أكثر من اللازم لرأس المال". والرد الوحيد عند الرأسماليين إزاء هذا الموقف هو إغلاق المصانع، وطرد بعض العمال، ومحاولة استعادة معدل الربح على حساب أجور البعض الآخر. وكل واحدة من هذه الإجراءات تكون نتيجتها أن تجعل من المستحيل بيع بعض السلع التي أنتجت فعلا (أو، بكلمات ماركس، استحالة أن يحدث "تحقق لفائض القيمة")، بما ينشأ عنه مشكلة إنتاج زائد من البضائع عامة في علاقتها بالسوق.  
كان الاتحاد السوفييتي دائما يشهد أزمات دورية نتيجة محاولة التراكم بسرعة أكثر مما ينبغي، كما رأينا في الفصل السابق. لكن هذه الأزمات لم تتحول إلى انكماش اقتصادي أو "ركود حقيقي" مثلما كان حال الرأسماليات الغربية خلال مرحلة الرخاء الطويل. الآن أصبح من الصعب تجنب هذا الركود الحقيقي مع تحقق أثر التباطؤ في معدل النمو.
بولندا ومقدمة المستقبل الكارثي
اثنان من شباب الماركسيين البولنديين هما جاسك كورون وكارول مودجيلوسكي أعدا دراسة رائدة حول التناقضات الاقتصادية في بلد من بلدان الكتلة الشرقية عام 1964. وأشارا إلى اكتشافات قام بها اقتصاديون معينون من أوروبا الشرقية حول الطريقة التي يؤثر بها التراكم الزائد سلبا على بقية الاقتصاد. واجه التراكم ثلاث "عقبات". الأولى هي "عقبة التضخم" وتشير إلى أن التوسع في الاستثمار بسرعة أكثر مما ينبغي قد نتج عنها إما تضخم طبيعي (عندما قامت الدولة بطباعة النقود لتغطيته، وبالتالي رفع الأسعار وتخفيض مستوى المعيشة) أو "تضخم مقنع" (حيث كان تخفيض إمدادات البضائع للمحال يؤدي إلى نقص في المعروض، وطوابير وتنامي السوق السوداء.)، ثم "عقبة المواد الأولية" وتشير إلى عدم توافر ما يكفي بالضبط من المدخلات حتى يبلغ الإنتاج المستوى المستهدف. ثم "عقبة التصدير" وتعني أن محاولات تعويض النقص في المدخلات عبر الاستيراد من الخارج أدت إلى أزمات في النقد الأجنبي. واستنتج كورون ومودجيلوسكي من ذلك أن الاقتصاد سوف يبلغ قريبا نقطة لن يتوافر عندها الاحتياطي الداخلي اللازم لاستمرار التراكم دون أن تحدث أزمة اجتماعية هائلة. ووجهوا خطابا ناقدا لمن كانوا يتطلعون إلى الإصلاح:
"لسنا هنا بصدد تناقض بين أهداف الخطة وعوامل مثبطة ناتجة عن توجيهات خاطئة، إنما أمام تناقض بين الهدف الطبقي للبيروقراطية الحاكمة (الإنتاج من أجل الإنتاج) ومصالح جماعات أساسية تنجز هذا الإنتاج (مستوى الاستهلاك الأقصى). بمعنى آخر، هو تناقض بين الهدف الطبقي للإنتاج والاستهلاك، وهو ينتج عن الأوضاع القائمة، لا عن سوء الإدارة."(57)
عزز من تحليلهما جزئيا ما حدث في عام 1970 عندما أدت محاولات حل إحدى الأزمات التي تسبب فيها الاستثمار الزائد على حساب مستويات المعيشة إلى احتلال العمال مصانع سفن البلطيق في البلاد، وهجوم الشرطة عليهم، ثم الاستقالة الإجبارية لقائد البلاد جومالكا. غير أنه بدا في أول الأمر أن القيادة الجديدة اكتشفت مخرجا من الأزمة، مع رخاء اقتصادي جديد اعتمد على التوسع الكبير في التجارة مع الغرب والاقتراض من البنوك الغربية ما سمح بزيادة الواردات بنسبة 50 بالمئة في عام 1972 وبنسبة 89 بالمئة في عام 1973.     
كانت رأسمالية الدولة البولندية تتغلب على عقبات التراكم الناتجة عن صغر حجم اقتصادها الوطني عبر الاندماج في الاقتصاد العالمي من خلال المنافسة في السوق. أما الجانب الآخر في ذلك هو أن الاقتصاد البولندي كان عليه أن يعاني عند دخول الاقتصاد العالمي في ركود. كما أن الاعتماد على بقية الاقتصاد العالمي في توفير مدخلات الإنتاج وفي أرباح التصدير منع الدولة من تحويل الموارد من أحد قطاعات الاقتصاد إلى قطاع آخر حتى تمنع أي بادرة للركود داخليا من أن تتحول إلى ركود حقيقي. ومن عام 1980 حتى عام 1982 تكونت "أزمة غير مسبوقة في تاريخ أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية."(58) وانخفض "صافي الناتج القومي المادي" بما يقرب من الثلث؛ وارتفعت الأسعار بنسبة 24 بالمئة في عام 1981 وبنسبة 100 بالمئة في عام 1982؛ وانخفضت الأجور الحقيقية بحوالي الخمس.(59)
حاول النظام أن يلقي عبء الأزمة على عاتق جماهير العمال – ما أنتج صعودا مفاجئا للمقاومة من خلال حركة تضامن العمالية (سوليدارنوسك). وكانت الأحداث بمثابة تحذير لكامل الكتلة الروسية. إن رأسمالية الدولة على النمط السوفييتي لم تكن محصنة من أزمة تماثل في جوانب هامة تلك التي كانت تضرب آنذاك رأسمالية الدولة الاحتكارية الغربية. فكلاهما تمتد جذورهما في نظام التراكم التنافسي ككل.(60) كانت الأزمة الكارثية حتمية عند نقطة معينة في المستقبل غير البعيد في كل أنحاء الكتلة السوفييتية – بما فيها الاتحاد السوفييتي نفسه:
"بحلول عام 1981، كان الاختيار بين الحفاظ على اقتصاد مغلق أو الانفتاح على بقية العالم اختيارا من الناحية الفعلية بين الوقوف على صفيح ساخن أو النار. فالخيار الأول كان يعني تعميق الكساد، وزيادة الفاقد، وعجزا عن تلبية مطالب جمهرة السكان، وخطرا مستمرا لتمرد الطبقة العاملة. والخيار الثاني كان يعني أن يربط المرء نفسه بإيقاع اقتصاد عالمي يتعرض للكساد والركود على نحو متزايد – والتخلي عن الأدوات الإدارية لمنع الركود من أن تنطوي على انكماش الاقتصاد المحلي. لهذا السبب كانت الأزمة البولندية في عام 1980-1981 بمثابة الصدمة بالنسبة لجميع حكام أوروبا الشرقية. فقد برهنت على أنه لا يوجد حل سهل للمشكلات المحيقة بكل دولة."(61)
الأزمة السوفييتية
لم تكن البيروقراطية السوفييتية لتنتظر طويلا حتى تكتشف ذلك على نحو صادم. فمستوى التراكم لديها كان يتقدم نحو نهايات ما يمكن تحمله. وقد زاد اعتمادها على التجارة الخارجية عما قبل، مستخدمة إيرادات النفط في شراء القمح من الخارج لإطعام السكان في سبعينيات القرن العشرين وأوائل الثمانينيات (لتزداد الضغوط التضخمية على مستوى العالم). ثم جاء انخفاض الأسعار العالمية للنفط خلال منتصف عقد الثمانينيات ليتسبب في بعض البلبلة في حساباتها الاقتصادية الداخلية. كما أن قرار إدارة ريجان إعادة تأكيد هيمنة الولايات المتحدة عبر زيادة الإنفاق على السلاح شكل ضغطا على الاتحاد السوفييتي لأن يفعل نفس الشيء. وأضافت العوامل الخارجية إلى المشاكل الداخلية التي تسبب فيها محاولة استمرار التراكم أمام تدهور معدلات النمو.
كان ارتقاء جورباتشوف إلى رئاسة الحزب الشيوعي الحاكم علامة على أن أشخاصا مؤثرين قد أقروا بخطورة الموقف – وهو يدين بصعوده لأندروبوف، الذي شهد على ما يمكن أن تؤدي إليه الأزمة عندما كان سفيرا في المجر في عام 1956 وعندما كان أمينا عاما للحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي خلال أحداث بولندا في عام 1980-1981. ومنذ ذلك الوقت ينتقد جورباتشوف باعتباره "معاديا للثورة" من قبل بعض اليساريين الذين يأخذهم الحنين إلى نظام على النمط السوفييتي. لكن نواياه كانت محاولة إنقاذ ذلك النظام من خلال إصلاحات من أعلى قبل إمكانية وقوع أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية وفق المسار البولندي. وكان من سوء حظه أن الأزمة قد بلغت حدا لا يمكن عنده التغلب عليها عبر الإصلاحات.
محاضر الاجتماعات الوزارية في شتاء 1988-1989 تقدم صورة لفوضى اقتصادية تتزايد، مع عدم اكتشاف النظام أي طريقة للتعامل معها. وكانت هناك خلافات مريرة بشأن "التوازن (أو قل عدم التوازن) بين مختلف قطاعات الاقتصاد"، و "عدد المؤسسات" التي كانت "ترفض توفير الناتج المستهدف حسب الخطة بمعدل كبير" أو كانت "تقلل ما تورده بنسبة كبيرة" والطريقة التي "كان يستمر بها حجم الاستثمار الجديد في النمو"(62) "إن توفير السلع لأسواق الاستهلاك قد بدأ فجأة في التدهور الحاد وبصورة ملحوظة أمام أعيننا في النصف الثاني من عام 1987 وخاصة في عام 1988."(63).  
"كان هناك موقف يتوتر على نحو متزايد فيما يتعلق بتلبية الطلب العام المدعوم بالنقد على السلع والخدمات… فكل شيء في الاقتصاد كان يعاني نقصا في المعروض."(64)
وبحلول شهر أكتوبر من عام 1989، كان الحديث علنيا عن "الأزمة في قطاعات كثيرة من الاقتصاد، ونقص السلع، واختلال السوق، وانهيار علاقات قديمة قبل أن توضع محلها علاقات جديدة، ومناخ من التوقعات غير المطمئنة والندرة."(65) وكانت الأسعار ترتفع لأن المصانع والمحال وجدت أنها تستطيع تخفيض الإنتاج وزيادة أسعارها ببساطة، مما تسبب في اضطراب الإمدادات التي تحتاجها بقية قطاعات الاقتصاد.
وكما في بولندا، تحولت الأزمة الاقتصادية إلى أزمة سياسية واجتماعية. كان جورباتشوف ينوي السماح فقط بانفتاح محدود (جلاسنوست) في المناقشة داخل الحزب الحاكم ووسائل الإعلام بهدف عزل من يعارضون إصلاحاته من البيروقراطية. لكن الناس انتهزت باستمرار هذا الفرصة للتعبير عن مظالم قديمة وعن غضبها إزاء تدهور أوضاعها الاقتصادية. ووقعت سلسلة من المظاهرات الكبيرة في الجمهوريات السوفييتية غير الروسية مثل أرمينيا، كازاخستان، دول البلطيق، جورجيا، أوكرانيا، روسيا البيضاء وأذربيجان، وحدت النضال من أجل حقوقها القومية مع التعبير عن مظالمها إزاء الأوضاع الاجتماعية التي يعانيها الناس. هكذا، كانت احتجاجات الأقلية الأرمينية في إقليم كاراباخ في أذربيجان "بدأت كاحتجاجات ضد سوء الإدارة الكارثي والأوضاع الاقتصادية البائسة."(66) وقالت صحيفة البرافدا أنه (حتى قبل تعميق الأزمة) في سنة 1986 بلغت نسبة البطالة في أذربيجان 27.6 بالمئة وفي أرمينيا 18 بالمئة.(67) وفي كازاخستان "كان نصف الشباب فقط أمامهم فرصة الحصول على عمل في الفترة من 1981 حتى 1985."(68) وقال رئيس اتحاد النقابات التي تديرها الدولة أن 43 مليون إنسان في مختلف أرجاء الاتحاد السوفييتي ككل يعيشون تحت خط الفقر.(69) واختلفت تقديرات النسبة الكلية للبطالة من 3 بالمئة إلى 6.2 بالمئة (8.4 مليون عاطل). وأضرب عمال المناجم في كل الاتحاد السوفييتي عن العمل في بداية صيف 1989، وبعدها مباشرة قال أبالكين شاكيا: "إن موجة من الإضرابات تجتاح الاقتصاد."(70) كان ذلك يحدث بينما حركات جماهيرية ضخمة في أوروبا الشرقية – ردا على أزماتها الاقتصادية – كانت تحطم السيطرة السوفييتية على المنطقة وتعمق الشعور العام بالأزمة السياسية، تشجع مزيدا من الاحتجاجات في الجمهوريات غير الروسية في الاتحاد السوفييتي وتضعف قدرة الدولة المركزية على فرض إرادتها.
من كانوا يديرون المؤسسات لم يعرفوا كيف يتعاملون مع موجة الاحتجاجات القادمة من أسفل فيما عدا تقديم التنازلات التي رفعت الأجور النقدية، ولم يكن عندهم أدنى فكرة عما يجب أن يفعلوه أزاء نقص المدخلات اللازمة للحفاظ على مستوى الإنتاج. وأفسح الكساد الطريق أمام انكماش الاقتصاد – أي بوادر الأزمة – في النصف الثاني من عام 1989.
ظهرت دعوات من الاقتصاديين الذين زعموا أن زيادة المنافسة بين المؤسسات، ثم منافسة مباشرة في النهاية بين الشركات داخل روسيا وتلك التي تعمل في الاقتصاد العالمي هي فقط ما تستطيع إجبار المدراء على أن يعملوا بكفاءة من أجل إنتاج السلع المطلوبة. ولكن لم يكن لديهم فكرة أكثر مما لدى الوزارات في المركز حول كيفية توفير الموارد اللازمة لاستكمال الاستثمارات التي ينتظر أن تنتج إنتاجا يؤدي إلى إستعادة التوازن في الاقتصاد. فالانهيار الاقتصادي استمر بصرف النظر عما كانت تفعل الحكومة، بما أدى إلى زيادة الغضب أكثر فأكثر وإلى الغليان السياسي. وأدت محاولة لجورباتشوف لاتخاذ موقف متشدد حتى يستعيد السيطرة المركزية في ربيع عام 1991 إلى موجة جديدة من الغضب أجبرته على التراجع. وقد فشل إنقلاب ضده نظمه أولئك الذين كانوا يتوقون إلى العودة إلى الماضي في أغسطس 1991، بسبب افتقاده إلى تأييد معظم الجنرالات المهمين. ولم تكن هناك قاعدة شعبية تؤيد محاولة العودة للنظام القديم. غير أن من كانوا يبشرون بالإصلاح لم يكن لديهم كذلك سبيل نحو التقدم رغم التأييد الشعبي القصير لبرامج "المائة يوم" أو "الثلاثمائة يوم" التي تعد بمعجزة اقتصادية.
كانت هذه البرامج خيالية أقصى درجات الخيال. فقد خلف انهيار السيطرة المركزية المؤسسات السوفييتية العملاقة في وضع احتكاري أو شبه احتكاري. وقد كانت قادرة على إملاء إرادتها على السوق وإنتاج ما تريده بدلا من إنتاج ما يحتاجه الاقتصاد ككل؛ وكانت في وضع يمكنها من زيادة الأسعار ومن تجاهل التزاماتها التعاقدية تجاه مؤسسات أخرى ببساطة. ولم يكن من شيء يوقف مركب تعميق الركود، والتضخم والنقص الحاد في السلع الاستهلاكية والغذاء. وبدأ الاقتصاديون والمسئولون عن التخطيط والبيروقراطيون الخائفون يبحثون عن برنامج يخرج بهم من الفوضى، حتى انتهى بهم الأمر إلى التخلي عن محاولة السيطرة على ما يحدث. وعندما أعلن يلتسن والقادة الشيوعيون للجمهوريات الأخرى تفكيك الاتحاد السوفييتي إلى الجمهوريات المكونة له في نهاية عام 1991 كانوا فقط يمنحون التعبير السياسي للتفكك الاقتصادي الذي كان يجري فعلا، مع محاولة رؤساء كل قطاع اقتصادي حماية أنفسهم من الأزمة الاقتصادية العامة عبر الاعتماد على مواردهم الخاصة. وقد تحول ذلك إلى استراتيجية اقتصادية مفترضة من خلال سياسة "العلاج بالصدمة" لدى وزراء يلتسن "الليبراليين" ومستشاريه الغربيين مثل جيفري ساكس. وكان الافتراض أن المؤسسات إذا تركت لتنافس بعضها الآخر دون قيود من الدولة سوف تقوم بتسعير بضائعها قريبا على أسس عقلانية بطريقة سوف تدفع المؤسسات الكفء إلى ترسيخ الصلات فيما بينها، وأن ذلك سوف يستعيد الاستقرار. لم يفعل ذلك شيئا في الواقع غير تقديم مباركة حكومية لأزمة كانت تعتمل فعلا ولم يكن لها سابقة في أي مكان خلال القرن العشرين سوى أزمة 1929-1933 في الولايات المتحدة وألمانيا.
إن فشل الإصلاح الاقتصادي لم يكن مجرد فشل في التطبيق. بل كان مفهوم الإصلاح ذاته معيبا. فكان الهدف منه إعادة هيكلة الاقتصاد السوفييتي بحيث أن تتوسع تلك القطاعات القادرة فيه على التأقلم مع مستوى قوى الإنتاج العالمية الحالي بينما تغلق قطاعات أخرى. غير أن تلك العملية كان حتميا أن تكون شديدة القسوة، لا بالنسبة للعمال الذين عانوا في سياقها فحسب، وإنما كذلك بالنسبة لغالبية الأفراد في البيروقراطية نفسها. فقد شملت إعادة هيكلة الاقتصاد البريطاني بين منتصف سبعينيات القرن العشرين ومنتصف الثمانينيات إغلاق حوالي ثلث المصانع وتدميرا لرأس المال بلغ في ضخامته حدا أن إجمالي الاستثمار الصناعي في عام 1990 لم يرتفع عن مستوى عام 1972. ومن المشكوك فيه جدا أن هذه العملية كان يمكن أن تجري بسلاسة إذا لم تكن الرأسمالية البريطانية تحظى بامتلاك ميزة إيرادات النفط الهائلة من بحر الشمال. كان اقتصاد الاتحاد السوفييتي أكبر كثيرا من اقتصاد بريطانيا، كما أن مؤسساته كانت أكثر انعزالا عن بقية العالم لمدة 60 عاما. وكان حجم ما سيدمر منه عبر الانفتاح الفوري على المنافسة العالمية كبيرا بما يتناسب مع ذلك. وهذا بدوره ألحق دمارا هائلا بما تبقى من مؤسسات قادرة على المنافسة مع فقدها موردين للمواد الأولية والمكونات من ناحية ومشترين لمنتجاتها من ناحية أخرى.
تكمن جذور هذه الأزمة في الضغط للتراكم من أجل التراكم الذي نشأ عن وضع البيروقراطية كجزء من نظام عالمي تنافسي. فقد كان الاقتصاد السوفييتي قد بلغ نقطة كان عندها شرطا مسبقا لموجة جديدة من التوسع الذاتي لرأس المال وقوع أزمة تتضمن تدميرا على الأقل لجزء من التراكم الذي حدث في الماضي.  وكان الفارق الوحيد بين روسيا وبين فرنسا أو بريطانيا مثلا هو أن الدمار الذي سيحدث كان أكبر حجما بكثير. ويرجع ذلك إلى أن الاتحاد السوفييتي شهد ستة عقود من التراكم دون إعادة هيكلته من خلال الأزمات والإفلاسات بينما كانت هذه الفترة بالنسبة للاقتصاد البريطاني والاقتصاد الفرنسي فقط أربعة عقود بالنسبة للأول وثلاثة عقود بالنسبة للثاني.
قليلون جدا هم من أبدوا استعدادا لرؤية الأمور على هذا النحو في ذلك الوقت. وكانت الغالبية العظمى ممن كانوا يناضلون من أجل إصلاح ديمقراطي في روسيا يعتقدون أن التحول إلى رأسمالية السوق سوف يفتح مجالا لمستقبل باهر. وبدلا من ذلك عانوا أزمة مدمرة، ومن فساد عهد يلتسن وسيطرة أعضاء سابقين في البيروقراطية والمافيا على الاقتصاد والمجتمع  وقد انبعثوا مجددا كأوليجارشية من الرأسماليين الأفراد. وفي نفس الوقت، استنتج الغالبية العظمى من السياسيين في بقية أنحاء العالم والمنظرين في اليسار الاشتراكي الديمقراطي والستاليني أن الاشتراكية هي التي سقطت وأن المستقبل يكمن في اقتصاد السوق على النمط الغربي، عاجزين عن إدراك عمق الأزمات التي كانت تختمر هناك أيضا.
اليابان: الشمس التي لم تعد تشرق
كان الاتحاد السوفييتي هو ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم في بداية ثمانينيات القرن العشرين. وقد حلت اليابان مكانه مع تحول الأزمة السوفييتية في أواخر الثمانينيات إلى انهيار.(71) وكان متوسط معدل النمو في اليابان على مدار الثمانينيات 4.2 بالمئة مقابل 2.7 بالمئة بالنسبة للولايات المتحدة و 1.9 بالمئة في ألمانيا الغربية. وكان استثمارها السنوي في المعدات الصناعية أكثر من ضعف ما كان في الولايات المتحدة.(72) وكان الاستنتاج الذي يقترب من الإجماع عند المعلقين في الإعلام أن المستقبل مع اليابان. وحذرت لجنة من الكونجرس الأمريكي في عام 1992 من أن اليابان قد تتجاوز الولايات المتحدة بحلول نهاية العقد. و"على درب اليابان" كان شعار رجال الصناعة في أوروبا وأمريكا الشمالية وهم يحاولون تحفيز قوة العمل لديهم على إنجازات أكبر في الإنتاجية. وأصبح الخطر القادم من "الشمس الصاعدة" يستخدم تبريرا لفقدان الوظائف الذي عاناه عمال صناعة السيارات الأمريكيين. وكتب معلقون كينزيون مثل ويل بوتون ووليام كيجان كتبا تحتفي بنموذج الرأسمالية اليابانية.
ثم في عام 1992-1993، وقعت أزمة مالية دفعت اليابان إلى "فترة الكساد" التي تخصها، وقد بلغ متوسط معدل النمو فيها 0.9 بالمئة سنويا فقط بين عام 1990 وعام 2001.(73) وبحلول عام 2007، كان حجم اقتصادها لا يتجاوز ثلث اقتصاد الولايات المتحدة (وثلث اقتصاد الاتحاد الأوروبي)(74) مقابل تقديرات بلغت في ارتفاعها 60 بالمئة في عام 1992.(75)
أرجعت أسباب ما جرى عادة إلى أخطاء في إدارة النظام المالي لديها – فإما نتيجة أن أسواق المال لم تكن "حرة" بما يكفي في ثمانينيات القرن العشرين، أو نتيجة إجراءات غير ملائمة اتخذتها البنوك المركزية بمجرد أن بدأت الأزمة. وما يستنتج من هذا المنطق أن أزمة اليابان كانت حدثا فريدا ليس فيه ما ينبؤنا بشيء حول الاتجاه الذي يسير فيه النظام العالمي. وهكذا تصبح حالة العجز المفاجئة عن النمو في ثاني أكبر اقتصاد في العالم نتيجة أحداث عارضة. 
غير أن جميع عناصر التحليل الماركسي للأزمة في سنوات ما بين الحربين حاضرة في الحالة اليابانية. فما بين خمسينيات القرن العشرين حتى أواخر الثمانينيات شهدت اليابان ارتفاعا سريعا في معدل رأس المال إلى العمال. وقد ارتفع هذا المعدل خلال عقد الثمانينيات بنسبة 4.9 بالمئة سنويا – بما يزيد على أربعة أضعاف سرعته في الولايات المتحدة، كما يزيد بنسبة 70 بالمئة عن ألمانيا.(76) وكانت النتيجة، وفق فرضية ماركس، ضغطا على معدل الربح نحو الانخفاض. وقد انخفض بنسبة 75 بالمئة تقريبا بين نهاية ستينيات القرن العشرين ونهاية ثمانينياته.
معدل الربح في اليابان(77)

الصناعة
الشركات غير المالية
1960-1969
36.2
25.4
1970-1979
24.5
20.5
1980-1990
24.9
16.7
1991-2000
14.5
10.8
العائد على إجمالي الأصول لغير أغراض السكن(78)
1960
28.3
1970
18.0
1980
7.8
1990
3.9
كان يبدو أن هذا الانخفاض تحت السيطرة حتى نهاية ثمانينيات القرن العشرين. وقد تعاونت الدولة والبنوك مع القطاع الخاص الصناعي في الحفاظ على النمو دون الالتفات كثيرا إلى معدلات الربح. فطالما توفرت كمية من الأرباح المتاحة للاستثمار الجديد كان النظام الياباني يضمن استخدامها في ذلك. كانت اليابان قد تلقت ضربة قوية خلال الركود العالمي في منتصف سبعينيات القرن العشرين، لكنها استطاعت أن تنتعش منها قبل معظم البلدان الأخرى، بل واستطاعت أيضا أن تعيد هيكلة صناعتها بطريقة جعلتها تواصل توسعها على مدى أوائل الثمانينيات عندما كانت الولايات المتحدة وأوروبا في ركود اقتصادي:
"كشفت أزمة (1973-1975) عدم إمكانية الحفاظ على نمو مستقبلي على أساس التصنيع الكيميائي والثقيل. وكان دور الدولة جوهريا في تغيير التوجه الاستراتيجي للرأسمالية اليابانية. وبدأ الإرشاد الإداري من جانب وزارة التجارة الدولية والصناعة في حث رأس المال الياباني في اتجاه صناعة الإلكترونيات والسيارات والمعدات الرأسمالية وأشباه الموصلات…"(79)    
احتاج ذلك إلى مستويات عالية من الاستثمار. فمثلا، استثمرت الولايات المتحدة 21 بالمئة فقط من إجمالي الناتج المحلي بها خلال ثمانينيات القرن العشرين مقارنة بمعدل الاستثمار الياباني الذي بلغ 31 بالمئة. وحسب أحد التقديرات، كان معدل مخزون رأس المال إلى إجمالي الناتج القومي في اليابان أعلى بنسبة 50 بالمئة من هذا المعدل في الولايات المتحدة.(80) أدت هذه الطريقة من تركيز الاستثمار في صناعات بعينها إلى زيادة إنتاجيتها، رغم أن الانتاجية استمرت منخفضة نوعا في بقية قطاعات الاقتصاد الياباني.(81) غير أنه لايمكن الحفاظ على مستوى من الاستثمار مرتفع على هذا النحو إلا عبر تحجيم استهلاك غالبية الشعب. وقد تحقق ذلك جزئيا عبر إبقاء الأجور الحقيقية منخفضة؛ وجزئيا عبر توفير أدنى حد ممكن من مخصصات الدولة للرعاية الصحية والمعاشات، ما أجبر الناس على الادخار. وكما أوضح رود ستيفينز عندما كان الرخاء الاقتصادي في ذروته:
"مازالت الأجور الحقيقية في اليابان تبلغ في حدها الأقصى حوالي 60 بالمئة فقط من مستوى الأجور الحقيقية في الولايات المتحدة، كما أن العمال اليابانيين يضطرون إلى الادخار بمعدلات كبيرة لتغطية التكاليف التي تمثل حصة ضخمة مما يكسبون طوال حياتهم وتبتلعها أمور مثل الإسكان والتعليم والرعاية الصحية والشيخوخة."(82)
لكن هذا المستوى للأجور الحقيقية جعل السوق المحلية محدودة بالنسبة للسلع الجديدة التي كانت تنتجها الصناعة اليابانية بسرعة تزداد وتيرتها باستمرار. وكانت الطريقة الوحيدة لبيع هذه السلع هي الاعتماد على الصادرات. وقد أوضح ستيفينز أيضا:
"بسبب ضوابط رأس المال الصارمة والمتزايدة على الأجور والسلطوية في مواقع العمل، كان لزاما بالنسبة للزيادة المستمرة في إنتاجية العمل في فروع السلع الاستهلاكية للصناعة الآلية (مثل السيارات والأجهزة البصرية والسمعية) أن تجد منافذ لها في أسواق التصدير إذا لم يكن للقوة الشرائية المحدودة للطبقة العاملة اليابانية أن تعرقل عملية التراكم."(83)
وسمحت الإنتاجية المرتفعة في الفئة المنتقاة من الصناعات ذات الأولوية بإمكانية تحقيق المستوى المطلوب من الصادرات، مع زيادة اختراق السيارات والسلع الإلكترونية اليابانية أسواق الولايات المتحدة. ولكنها جرت وراءها تعقيدات. فكان نجاح اليابان اقتصاديا يعتمد اعتمادا كبيرا على كرم وتسامح الولايات المتحدة. وعندما طلبت الأخيرة من اليابان قبول زيادة في قيمة عملتها حتى تصبح سلعها أقل تنافسية في مواجهة السلع الأمريكية، لم يكن أمام الرأسمالية اليابانية من خيار سوى الامتثال فتأثر سلبا حجم الصادرات (حتى وإن كان ارتفاع قيمة العملة يعني أن قيمة الصادرات مقومة بالدولار لم تتأثر بالسلب).  
كان رد فعل الدولة على ذلك توفير الأموال الرخيصة حتى تحافظ على استمرار الاستثمار الصناعي والتوسع. فكما قالت كاريل فان وولفرن "شجعت وزارة المالية البنوك تشجيعا على زيادة الإقراض بهدف تعويض قطاع الشركات عن أثر ضغوط أسعار الصرف."(84) لكن الآليات القديمة في توجيه الإقراض المصرفي نحو التنمية الصناعية كان يشوبها الضعف – الذي نجم جزئيا عن زيادة اندماج الرأسمالية اليابانية في النظام العالمي.(85) وشقت الزيادة في الإقراض المصرفي طريقها نحو المضاربة الهائلة في حجمها:
"لقد ساعد انفجار السيولة النقدية في إطلاق منحنى صعودي في قيم العقارات، التي كانت تستخدمها الشركات الكبيرة ضمانات لقروضها، والذي برر آنذاك انتفاخ قيم الأسهم."(86)
حلقت قيم العقارات عاليا وتضاعفت قيمة البورصة - فيما أطلق عليه فيما بعد "اقتصاد الفقاعة" – حتى قيل أن صافي قيمة الشركات اليابانية أكبر من صافي قيمة الشركات الأمريكية، رغم أن اقتصاد الولايات المتحدة كان يقترب من ضعف حجم الاقتصاد الياباني وفق أي معيار حقيقي. غير أن الاقتصاد الياباني واصل نموه ، بينما كانت الفقاعة مستمرة– وحتى بعد أن بدأت الفقاعة في الانحسار، استطاع الاقتصاد مواصلة التوسع مدفوعا بالإقراض المصرفي على مدى عامي 1991-1992 عندما ضرب الركود الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. ثم أصبح واضحا بعد ذلك أن البنوك نفسها كانت تتعثر. فقد قدمت قروضا لشراء الأراضي والأسهم لايمكن الآن سدادها بعد أن انهارت أسعارها. تعرض النظام المصرفي لضربة تلو أخرى من أزمات متواترة خلال تسعينيات القرن العشرين، ما أدى إلى إعدام حوالي 71 تريليون ين إجمالا (ما يزيد على 500 مليار دولار) من القروض الرديئة. وقدرت حكومة الولايات المتحدة إجمالي المبلغ الذي تدين به الشركات المتعثرة أو التي أفلست فعلا عند 80 إلى 100 تريليون ين (600 إلى 750 مليار دولار)، بينما قدره صندوق النقد الدولي عند 111 تريليون ين (840 مليار دولار تقريبا).(87)
إن دور النظام المالي في إنتاج الفقاعة ثم الأزمة الطويلة الممتدة للقطاع المصرفي دفع معظم المعلقين إلى إرجاع أصل الأزمة اليابانية إلى عيوب داخل ذلك النظام. فالمشكلة، كما يزعم المعلقون من الليبراليين الجدد، هي أن الروابط الوثيقة بين من يديرون الدولة والنظام المصرفي والصناعة تعني غياب التدقيق والمراقبة على تصرفات البنوك، الأمر الذي كان سيوفره اقتصاد تنافسي على وجه صحيح.(88) وذلك هو ما سمح بحدوث تلك الكمية الهائلة من الإقراض بطريق التحايل. غير أن هذا التفسير فاشل لأن فقاعات مماثلة تماما حدثت في اقتصاد مثل اقتصاد الولايات المتحدة الذي يفترض أنه يستوفي جميع مبادئ "التنافسية". ومن الصعب أن ترصد أي اختلاف جوهري بين الفقاعة اليابانية التي وقعت في أواخر ثمانينيات القرن العشرين وبين الفقاعة العقارية في الولايات المتحدة في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
إن المنطق النيوليبرالي الذي يلقي اللوم على الدولة في وقوع الأزمة يعتقد أن لها حلا – فقد كان ينبغي على الدولة أن تنسحب ببساطة وأن تسمح بخروج بعض البنوك الكبيرة من النشاط. لكن هذا الحل يفترض أن إفلاس بعض البنوك لن يترتب عليه انهيار بنوك أخرى قدمت لها قروضا، ما يؤدي إلى انهيار مركب لكامل القطاع المصرفي. ولا تجرؤ أي دولة صناعية متقدمة حتى على تصور حدوث ذلك. وكلما بدا ذلك محتملا كانت الدول الأخرى تتصرف عموما بنفس طريقة اليابانيين.
على أي حال، لا يوجد سبب لأن نعتقد بأن الأزمة المصرفية كانت السبب الأساسي للركود الياباني. ويرى الاقتصاديان المنتميان إلى المدرسة النيوكلاسيكية أن الشركات التي أرادت الاستثمار كانت تستطيع أن تفعل ذلك لأن "مصادر أخرى للتمويل حلت بديلا عن القروض المصرفية في تمويل الاستثمار النشط للشركات غير المالية في تسعينيات القرن العشرين."(89) ولكن كان عليها أن تدرك أن "تلك المشروعات التي يجري تمويلها تحقق في المتوسط معدلا منخفضا من العائد."(90) وفي واقع الأمر، شهد الاستثمار الإنتاجي انخفاضا رغم أنه لم يبلغ ما يشبه الانهيار الكامل. في أوضاع كهذه، لن يحل الأزمة إعادة هيكلة النظام المصرفي، سواء من خلال السماح بأن تتعمق الأزمة كما كان يريد الليبراليون الجدد، أو تدريجيا كما كان يقترح أصحاب التوجهات الكينزية. وفي هذا الشأن قال بول كروجمان بحق:
"إن الأمر المدهش بشأن النقاش حول الإصلاح الهيكلي رغم ذلك هو أن الإجابات تكون غامضة تماما عندما يطرح المرء هذا السؤال: كيف سيؤدي ذلك الإصلاح إلى زيادة الطلب؟ وأنا على الأقل أبعد ما أكون عن الثقة بأن نوع الإصلاح الهيكلي الذي يدعى إليه في اليابان سوف يؤدي إلى زيادة الطلب على الإطلاق، ولا أجد سببا للاعتقاد بأن إصلاحا راديكاليا حتى سيكون كافيا لدفع الاقتصاد خارج مأزقه الحالي."(91)
سبب ذلك أن المأزق خارج النظام المصرفي، ويكمن في النظام الرأسمالي ككل. لقد انخفض معدل الربح إلى نقطة في أواخر ثمانينيات القرن العشرين تحول دون تقديم زيادة حقيقية في مستوى معيشة العمال. غير أن ذلك حرم الاقتصاد المحلي بدوره من القدرة على استيعاب كل الإنتاج الزائد. وكان يمكن لدورة جديدة كبيرة من التراكم أن تستوعبه، لكن حتى يتحقق ذلك كان يلزم أن تكون الربحية أعلى كثيرا مما كانت عليه. في دراسة عن الأزمة بعنوان "الهدف الأسمى لعلم الاقتصاد الكلي"، ألمح ريتشارد كو، لدى تأكيده على الديون الخفية عند الشركات الكبرى، إلى المشكلة التي وقعت فعلا، ولكنه أخفق في تتبع أصل مشكلة الإفلاس في تدهور الربحية في المدى الطويل.(92)
لجأت الدولة اليابانية فعلا إلى بعض الحلول ذات الطبيعة الكينزية عبر برامج كبيرة من بناء المشروعات العامة (الكباري، والمطارات، والطرق، إلخ). كتب جافان ماكورماك "مع بداية الركود المزمن بعد انفجار الفقاعة في مستهل تسعينيات القرن العشرين، اتجهت الحكومة إلى تبني سياسات التمويل بالعجز الكينزية بمعدلات أكبر وبفاعلية تتناقص،" وقد "شهد قطاع الأشغال العامة في اليابان نموا إلى ثلاثة أضعاف مثيله في بريطانيا، والولايات المتحدة أو ألمانيا من حيث الحجم، ليعمل فيه سبعة ملايين شخص، أو 10 بالمئة من إجمالي قوة العمل، وينفق ما بين 40 إلى 50 تريليون ين سنويا أو حوالي 350 مليار دولار، ما يعادل 8 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي أو ضعفي إلى ثلاثة أضعاف النسبة في البلدان الصناعية الأخرى."(93) كما ارتفعت مساهمة الدولة في الناتج، وفق أحد التقديرات، إلى 15.2 بالمئة خلال الفترة من 1994 إلى 2000 مقابل 13.7 بالمئة خلال الفترة من 1984 وحتى 1990.(94)
غير أن ذلك لم يكن كافيا حتى يملأ الفجوة التي نشأت عن ضعف الحافز على الاستثمار بسبب معدل الربح، كما يكشف الرسم البياني التالي: 
لم يحدث انهيار للاقتصاد الياباني في تسعينيات القرن العشرين على نحو ما حدث لاقتصاد الولايات المتحدة وألمانيا في أوائل الثلاثينيات. وبدا أن الدولة مازالت قادرة على منعه، لكنها لم تتمكن من استعادة الاقتصاد إلى مسار النمو القديم. واعتقدت قطاعات من رأس المال الياباني أنها تستطيع أن تفلت من هذا الفخ عبر الاستثمار في الخارج – كما تبين الفجوة بين إجمالي الاستثمار وإجمالي الاستثمار المحلي. غير أن ذلك لم يكن حلا بالنسبة للكتلة الكبرى من رأس المال الياباني التي بذلت أقصى ما لديها في محاولة زيادة معدل الربح عبر زيادة معدل الاستغلال، حتى وإن كان ذلك يؤدي إلى مزيد من انخفاض الطلب المحلي وتعميق المشكلات التي تواجهها. كما لم يكن حلا بالنسبة للطبقة العاملة اليابانية، التي سوف تضطر، شاءت ذلك أم أبت، إلى النضال إذا كان لها أن تتجنب تدهورا في مستوى معيشتها. لم يخرج النمو الاقتصادي من ركوده حتى منتصف العقد الأول من الألفية، عندما انتعشت الصناعة اليابانية بسبب واردات الصين من المعدات – غير أن هذا الانتعاش تبين أنه قصير الأجل.
لم تكن أزمة اليابان مدمرة لحياة شعبها كما كانت الأزمة التي اندلعت في الاتحاد السوفييتي قبل ذلك بعامين. غير أن تشابها كان بينهما لم يلاحظه كل الاقتصاديين تقريبا سواء من التيار السائد أو التيار الماركسي. فقد بلغ تراكم رأس المال حدا لم يعد عنده قادرا على استخلاص فائض من الذين يستغلهم بمقدار يرتفع بما يكفي لمواكبة المستوى التنافسي عالميا للتراكم الذي يتطلع إليه. وأصبح العائق أمام تراكم رأس المال حقا هو رأس المال نفسه. فكان أمام من يشرفون على عملية التراكم خياران. فباستطاعتهم أن يتركوا المساحة التي تخصهم من النظام لتعيد هيكلة نفسها عبر المنافسة العمياء، بأن يقبلوا استنادا إلى الثقة تلك المزاعم الأيديولوجية بأن ذلك سوف يأتي بالمعجزات. أو باستطاعتهم أن ينحازوا للاختيار الآمن، مدركين أنهم قد لا يخرجون أبدا من ركود طويل الأجل. اختار حكام روسيا المسار الأول وشاهدوا اقتصادهم، الذي انخفض إلى النصف فعلا بسبب فقدان بقية الاتحاد السوفييتي، ينكمش مرة أخرى بمقدار النصف. واختار حكام اليابان المسار الآخر، وشهد اقتصادهم خمسة عشر عاما من الركود المرهق دون أن يبدو أكثر قربا من أي حل لمشكلاته في نهايتها عما كان في بدايتها. أما السؤال الكبير الذي أثارته الحالتان فقد كان: كيف ستتعامل بلدان أخرى، خاصة الولايات المتحدة، إذا سقطت في نفس مصيدة الركود؟
أثر الأزمة على جنوب العالم      
كان لانهيار الكينزية والستالينية، وهما النموذجان الأيديولوجيان القائمان على توجيه الدولة، أثر عميق على القوى السياسية التي تتطلع إلى "تنمية" اقتصاد بلدان العالم الثالث لتصبح أعضاء مساوية وكاملة في النظام العالمي. فقد دفعهم إلى البحث عن نماذج جديدة للتراكم الرأسمالي بدلا من نموذج إحلال الواردات الموجه من الدولة، الذي كان يكشف بالفعل عن مشكلاته.
في آسيا، بدأ الاقتصاد الصيني، الذي تسيطر عليه السلطة سيطرة محكمة، وكذلك الاقتصاد الهندي، الذي تسيطر عليه السلطة سيطرة أقل إحكاما ولكنها توجهه توجيها مركزيا، يكشفان عن علامات على الركود تثير القلق بحلول منتصف سبعينيات القرن العشرين،(95) ما اضطر الحكومات إلى البحث عن البدائل. وفي أمريكا اللاتينية تبين أن نموذج إحلال الواردات يفتقر إلى الكفاءة المرجوة في منشأه بالأرجنتين مع اندلاع الأزمات السياسية والاقتصادية. وفي إفريقيا لم تتحقق الوعود التي أطلقها مروجو "الاشتراكية الإفريقية" مع تقلص النمو الصناعي بسبب ضعف الأسواق الوطنية وهزال الموارد التي بقيت بعد أعمال النهب الامبريالي. وإضافة إلى هذه المشكلات، جاء تدهور الأسعار في السوق العالمية للمواد الأولية والسلع الغذائية – وهي المصدر الأساسي لعائدات التصدير المطلوبة لاستيراد المعدات للصناعات الجديدة. وتحديدا بعد بداية الركود في البلدان المتقدمة في عام 1974، حوصرت بلدان العالم الثالث غير المنتجة للنفط ما بين زيادة تكاليف البترول وتدهور شروط التجارة في صادرات السلع الأولية بما يقرب من 50 بالمئة.(96)
وبدأت البلدان التي تملك صناعات حققت نموا في إطار الحواجز الحمائية في النموذج القديم في إقامة صلات بطريقة براجماتية مع رأس المال الأجنبي. وكانت الأرجنتين والمكسيك والبرازيل حالات نموذجية لذلك. وقد تأسست قواعدها الصناعية خلال عقود الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن العشرين عبر تدخل دولها لتوجيه الاستثمار إلى الصناعة، غالبا في شركات مملوكة للدولة. لكن الأبعد نظرا من الصناعيين – سواء في قطاع الدولة أو القطاع الخاص – أدركوا أنهم لن يستطيعوا الحصول على الموارد والتكنولوجيات الحديثة المطلوبة لمواكبة مستويات الإنتاجية العالمية إلا إذا وجدوا سبيلا إلى الخروج من حدود الاقتصاد الوطني. وبدأوا يتوجهون على نحو متزايد إلى الشركات الأجنبية متعددة القومية لعقد اتفاقيات الوكالة، ومشروعات الإنتاج المشترك والتمويل – وبدأوا هم أنفسهم في العمل كشركات متعددة القومية في بلدان أخرى.
اكتسب هذا الاتجاه مزيدا من القوة بعد نجاح عدد من البلدان التي وجهت نفسها منذ زمن بعيد نحو السوق العالمية في تحقيق معدلات نمو بالغة السرعة. ففي آسيا، سجلت أربعة معاقل لمعارضة الشيوعية – هي كوريا الجنوبية وتايوان وهونج كونج وسنغافورة – بسهولة معدلات من النمو تبلغ في ضخامتها معدلات النمو في الاتحاد السوفييتي في عهد ستالين. وفي أوروبا حققت بلدان مثل إسبانيا واليونان والبرتغال، والتي كان بول باران قد شملها كأجزاء ضمن العالم المتخلف، نموا سريعا بما يكفي لأن تنضم إلى نادي الأثرياء – أي المجموعة الأوروبية. وبدأت البرازيل في انتهاج مسار مشابه بالتوجه إلى التصدير في ظل النظام العسكري الذي استولى على السلطة في عام 1964. وعلى نحو متزايد، توجه قطاع الدولة لديها الذي مازال كبيرا جدا، وكذلك رأس المال الخاص، نحو بقية النظام العالمي بدلا من الاتجاه نحو سوق وطنية تتمتع بالحماية. وابتهجت الصحافة الاقتصادية الغربية لذلك، مؤكدة لقرائها أن البرازيل هي البلد العظيم الصاعد في العالم الثالث والتي ينتظر أن تتحدى صناعاتها الصناعات الغربية. وقد حدث نمو قطعا. "وعلى مدى 15 عاما تقريبا (من عام 1965 وحتى عام 1980) كان متوسط معدل النمو يبلغ 8.5 بالمئة، ما جعل البرازيل في الترتيب الرابع بين أسرع البلدان نموا."(97)
بدأت دول أخرى في أمريكا اللاتينية في اقتفاء أثر السياسة البرازيلية. فقد تبع الانقلابات العسكرية في تشيلي (1973) وفي الأرجنتين (1976) انفتاح على رأس المال الخارجي. ومرة أخرى بدا أن النتيجة مشجعة في البداية. ففي ظل نظام الجنرال فيديلا في الأرجنتين "انخفض معدل التضخم، وارتفع الناتج الحقيقي، كما تحقق فائض في الحساب الجاري،"(98) بينما سجل إجمالي الناتج المحلي في تشيلي نموا بمعدل 8.5 بالمئة سنويا خلال الفترة ما بين 1977 وعام 1980.(99)
وبدا أن طريقة قد اكتشفت لتحقيق التراكم وطنيا عبر الإنطلاق خارج حدود السوق الوطنية – ثم سحق المقاومة الشعبية لزيادة مستوى الاستغلال إذ اتخذت هذه السياسات في ظل أنظمة عسكرية. وكان هناك تحول مشابه لما حدث في الغرب والدول الشيوعية السابقة في بندول الفكر مع تحول الاقتصاديين من أنصار "نظرية التبعية" بالجملة إلى تبني عجائب السوق الحرة. واستمرت هذه التحولات حتى مع انهيار "معجزة" أمريكا اللاتينية.
أصبح النمو بعد عام 1974 معتمدا على الاقتراض الخارجي (كما في بولندا والمجر في نفس الفترة). وكثير من بلدان أمريكا اللاتينية راهنت على تحقيق أهداف طموحة في النمو عبر الاقتراض بكثافة من أسواق المال العالمية. فارتفع الدين الخارجي لكل من تشيلي والأرجنتين ما يقرب من ثلاثة أضعاف على مدى سنوات قليلة من عام 1978 وحتى عام 1981.(100) لكن يبدو أن ذلك لم يكن مزعجا آنذاك، لا بالنسبة للحكومات الوطنية ولا بالنسبة للنظام المصرفي العالمي:
"حتى صدمة أسعار النفط الثانية (1979-1980)، كان الرهان يستحق المقامرة. فكان نمو الصادرات مستمرا في الأسواق العالمية وبأسعار جيدة… ونتيجة لذلك كان معدل الديون المستحقة إلى عائد التصدير يميل لصالح البلدان النامية غير النفطية في عام 1979 أكثر من عامي 1970-1972."(101)
وقد طمأن صندوق النقد الدولي الناس في عام 1980 قائلا: "خلال سبعينيات القرن العشرين… تفادينا مشكلة معممة في إدارة الديون… والتوقعات بالنسبة للمستقبل القريب ليس بها ما يدعو على القلق."(102) وقد كتب الصندوق ذلك قبل شهور قليلة من ضرب الركود العالمي الثاني، في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، كل هذه الدول ضربة مفاجئة. فمع تقلص أسواق التصدير وبداية ارتفاع أسعار الفائدة العالمية، كبلت الديون التي حصلت عليها في سبعينيات القرن العشرين نموها الاقتصادي، ودفعت بها في الركود ودمرت اقتصادها طوال عقد الثمانينيات بكامله، الذي أصبح يعرف بـ "العقد الضائع" في أمريكا اللاتينية، مع انخفاض نصيب الفرد من إجمالي الناتج القومي في القارة كلها بنسبة 10 بالمئة.(103)
ورغم ذلك، فإن أثر الركود على الرأسماليين المحليين والقوى السياسية السائدة لم يدفعهم لأن يتشككوا في الانفتاح الجديد على السوق العالمية. بل كان الإصرار، كما في روسيا وأوروبا الشرقية، على أن الانفتاح لم يكن واسعا بما يكفي. وفي أواخر ثمانينيات القرن العشرين، تبنى العقيدة الجديدة بشكل أو بآخر سياسيون شعبويون بل حتى مقاتلون سابقون في العصابات الثورية في أمريكا اللاتينية، وكذلك المكتب السياسي للحزب الشيوعي في الصين، وقيادات حزب المؤتمر في الهند، وأولئك الذين أعلنوا ذات يوم التزامهم بـ"الاشتراكية" في إفريقيا وخلفاء عبد الناصر في مصر.
لم تكن هذه التحولات دائما بمحض إرادتهم. فقد تدخل كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي كلما استطاعا، بتقديم العروض، بأسلوب المافيا، إلى البلدان التي ترزح تحت عبء الديون، والتي نادرا ما يجد حكامها لديهم القدرة على رفضها، لأن ذلك الرفض كان ينفي أي استراتيجة للتراكم مهما كان نوعها. كانت برامج الديون على اختلافها معنية بحماية مصالح البنوك الغربية أكثر من تحسين الأوضاع في البلدان المدينة. لكن الأمر كان ينطوي على أكثر من مجرد خضوع للإمبريالية من جانب الحكومات التي قبلت هذه البرامج. فرؤوس الأموال، سواء التي تديرها الدولة أو القطاع الخاص، التي حققت نموا خلال حقبة "التنمية" الموجهة من الدولة، لم تجد سبيلا إلى الاستمرار في التوسع داخل حدود الأسواق الوطنية الضيقة. وكانت ترغب في فرصة الحصول على أسواق وابتكارات تكنولوجية خارج الحدود الوطنية. وقد تسمح رؤوس الأموال، بل وتشجع، الحكومات الوطنية على المساومة حول الشروط التي يضعها رأس المال في البلدان المركزية للسماح بذلك، ولكنها لا ترفضها بالكلية. وفي سياق ذلك كان بعضها قادرا فعلا على تطوير أكثر من طابع قومي.
هكذا سيطرت شركة صناعة الصلب الأرجنتينية تكنت (Techint) على شركة صناعة أنابيب الصلب المكسيكية تامسا(Tamsa)  في عام 1993، واستحوذت على شركة صناعة أنابيب الصلب الإيطالية دالمين (Dalmine) في عام 1996، ثم واصلت التوسع في البرازيل وفينزويلا واليابان وكندا واتخذت لنفسها اسم تيناريس (Tinaris)(104). وهناك نمط مماثل عند بعض الشركات المكسيكية، ففي أواخر ثمانينيات القرن العشرين شرعت شركة ألفا (Alfa)، وهي أكبر مجموعة صناعية في المكسيك ولديها 109 أذرع تعمل في قطع غيار السيارات، والغذاء والبتروكيماويات والصلب، في عدد متزايد من المشروعات المشتركة مع شركات أجنبية. وأصبحت شركة فيترو (Vitro) لصناعة الزجاج، التي اشترت شركتين أمريكيتين، "رائدة صناعة الأواني الزجاجية في العالم، التي أصبحت سوقها منقسمة تقريبا بالتساوي بين الولايات المتحدة والمكسيك."(105) وكانت النتيجة المنطقية لذلك في المكسيك أن الطبقة الحاكمة نسيت وطنيتها القديمة وانضمت إلى منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية وأصبحت تعمل على نحو متزايد كعنصر تابع لرأسمالية الولايات المتحدة.
أحيانا كان لهذا التعاون نتائج إيجابية بالنسبة لقطاعات واسعة من رأس المال المحلي، ووفر بعض فرص العمل للطبقات الوسطى الطامحة (في إيرلندا، وكوريا الجنوبية، وماليزيا وسنغافورة وتايوان والمناطق الساحلية بالصين) بل وخلق أوضاعا استطاع العمال في ظلها زيادة مستوى معيشتهم من خلال الإضرابات. غير أنه في أغلب الأحوال نتج عنه مزيد من المديونية للبنوك الأجنبية التي كان على الدول القومية أن تجابهها. وفي هذه الحالات حظيت فئة ضيقة من الشعب بمذاق الرفاهية والرغد من رأس المال متعدد الجنسية بينما تدهورت أوضاع جمهرة الناس، أو استمرت دون تغيير في أفضل الأحوال. وعاشت طبقة من المترفين في مناطق مسورة تتمتع بالحماية كما لو كانت في أكثر مناطق العالم الصناعي ثراءا (وغالبا اتخذت خطوة أبعد وأصبحت تعيش هناك فترة من كل عام) بينما كان كثير من السكان يتعفنون في مدن الأكواخ والعشش التي تتكاثر باستمرار.  
كان افتراض الأيديولوجية الاقتصادية الجديدة – التي طرحت بقوة في المفاهيم "النيوليبرالية" في "إجماع واشنطن" لدى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي – هو لو أن بعض التراكم الرأسمالي في بعض البلدان استطاع أن يحصل على فرصة جديدة للحياة عبر إعادة إدماجها في النظام العالمي، فإنه يستطيع أن يحصل عليها في أي مكان إذا أزيلت فقط آخر القيود على التجارة وعلى حركة رأس المال. ولكن تبين أن الواقع كان مختلفا. فقد جذبت مناطق قليلة استثمارات انتاجية جديدة، ولكن مناطق قليلة فقط. وبحلول نهاية القرن كان الثلث فقط من الاستثمار الأجنبي المباشر عالميا يتجه إلى "الأسواق الناشئة" في الجنوب العالمي والبلدان الشيوعية السابقة، وأكثر من نصف هذه الكمية اتجه إلى أربعة بلدان فقط – الصين/هونج كونج وسنغافورة والمكسيك والبرازيل. وربعها كان يتجه إلى سبعة بلدان فقط (هي ماليزيا وتايلاند وكوريا الجنوبية، وبرمودة، وفنزويلا وتشيلي والأرجنتين) بينما تقاسم 176 بلدا نسبة الـ 25 بالمئة الباقية.(106) كما أن كثيرا من ذلك الاستثمار لم يكن استثمارا جديدا على الإطلاق، وإنما مجرد الاستحواذ على شركات تعمل بالفعل من قبل شركات متعددة الجنسية مقرها بلدان المركز.
وكان الشعور بهذه المشاكل أكثر وضوحا في المناطق الأفقر من العالم، وخاصة في إفريقيا. ورغم ما فعلته من تفكيك سياساتها الحمائية القديمة القائمة على إحلال الواردات، فما زالت غير جاذبة للشركات متعددة الجنسية التي أرادت إغرائها: "تواجه الدول الصغيرة الفقيرة عقبات متزايدة في الدخول إلى الصناعات التي تخضع أكثر من غيرها لقوى المنافسة العالمية."(107)
كثير من ذلك ينطبق أيضا على الصادرات. فالصين وعدد قليل من البلدان الأخرى واصلت فعلا اختراق الأسواق العالمية. غير أن التوجه للتصدير في هذه البلدان كان يعني أن أسواقها الداخلية للسلع الإستهلاكية المنتجة بالخارج لم تحقق نموا بسرعة مماثلة، وأن توسعها كان جزئيا على حساب بلدان أخرى في الجنوب العالمي. وهكذا وجدت بلدان أفريقية من التي بدأت تتمتع ببعض النمو في الصادرات من السلع الصناعية نفسها تفقد أسواقا لصالح الصين. إن "التطور المركب غير المتكافئ" الذي كان يميز حقبة الرخاء الطويل قد استمر في أعقابها، مع اختلاف أن كثيرا من الاقتصادات انكمشت فعليا حتى عندما كانت أخرى تحقق نموا سريعا. وكان الأمر كما لو أن "العالم الثالث" نفسه انقسم إلى عالمين، فيما عدا أن مستنقعات الفقر الهائلة استمرت حتى في المناطق التي كانت تحقق نموا.
من يديرون الدول المحلية يشعرون غالبا بعدم الأمان حتى عندما تكون الاستراتيجية التنموية ناجحة في شروطها الخاصة الرأسمالية أو رأسمالية الدولة. فنجاحهم يعتمد على مستوى عال من التراكم المحلي – والجانب الآخر منه وهو مستوى عال من الاستغلال الذي يمكن تحقيقه فقط عبر تخفيض مستوى معيشة العمال والفلاحين. ولكن حتى عندما ينجحون في تحقيق مستويات عالية من التراكم (والذي كان الاستثناء وليس القاعدة) يظلون ضعفاء في موقفهم التفاوضي مع الشركات متعددة الجنسية. فمع استحواذ الشركات متعددة الجنسية على الشركات المحلية، يمكن أن ترتفع حصتها في رأس المال المحلي إلى 40 أو حتى 50 بالمئة من الإجمالي، مما يزيد تأثيرها على صناعة القرار محليا. لكن الدول في المناطق الأفقر من العالم لا تملك شيئا يشبه نفس التأثير على الشركات متعددة الجنسية، ذلك أن صغر حجم اقتصادها المحلي يعني أنها قد لا تمثل أكثر من 1 بالمئة أو 2 بالمئة من استثمارات ومبيعات الشركات متعددة الجنسية على مستوى العالم.
وعادة ما تحدث فجوات هائلة بين ما وعد به أولئك الذين يديرون الدول جماهير الشعب وما يستطيعون تقديمه. وتصبح القاعدة استخدام درجات عالية من العنف مع الفساد بدلا من أن تكون استثناءا. وعندما تعاني الاستراتيجية التنموية من مشكلات، يصاحب القمع شيء آخر – تفريغ المنظمات الجماهيرية من محتواها، والتي كانت تربط بالدولة قطاعات من الطبقة المتوسطة ومن خلالها بعض أفراد الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء. وتصبح الدولة القمعية دولة ضعيفة تتطلع إلى الدعم الأجنبي لتعزيز سيطرتها.   
وقد حدث كل ذلك مع إجبار مشاكل الربحية في البلاد المتقدمة الرأسماليين بها إلى البحث عن أي فرصة، مهما كانت محدودة، للاستحواذ على فائض القيمة من مناطق أخرى. لم يكن هناك الكثير للاستحواذ عليه من أفقر الفقراء في أي مكان في العالم، لكن أينما وجد شيء منه كانوا مصممين على اقتناصه. إن الإمبريالية تعني أن القوى الرأسمالية المتصارعة في قمة النظام تتنازع فيما بينها بقسوة حول كيفية تلبية مصالحها المختلفة. وعند مستوى أدنى في النظام، تعني محاصرة الطبقات الحاكمة المحلية في العالم الثالث في إطار العمل كمحصلين لمدفوعات سداد الديون لصالح البنوك الغربية، والإتاوات لصالح الشركات المتعددة الجنسية، والأرباح للمستثمرين الغربيين وكذلك لصالح الرأسماليين المحليين من مواطنيهم. إن مدفوعات خدمة الديون وحدها تحول 300 مليار دولار سنويا من "البلدان النامية" لصالح الأثرياء في العالم المتقدم.(108) وقد تباهى موقع إلكتروني مخصص للدفاع عن استثمارات الولايات المتحدة الخارجية قائلا:
"إن معظم الاستثمارات الجديدة في الخارج يسدد قيمتها أرباح تحققت في الخارج. كان الاستثمار الأجنبي المباشر الذي قامت به شركات أمريكية يبلغ 86 مليار دولار فقط في عام 1996… وإذا طرحت من هذه القيمة أرباح العمليات الخارجية التي أعيد استثمارها، ستكون النتيجة 22 مليار دولار فقط…كما أن الفروع الخارجية للشركات الأمريكية تحقق دخلا يعود إلى داخل الولايات المتحدة…وفي عام 1995، بلغ تدفق هذا الدخل – الذي يعرف كدخل للاستثمار المباشر، والإتاوة ورسوم الترخيص، ورسوم وخدمات – إلى الولايات المتحدة 117 مليار دولار."(109)
لا نهاية يمكن بلوغها لهذا الاعتصار. فقد ارتفعت نسبة المستثمرين الأجانب من التداول في البورصة البرازيلية من 6.5 بالمئة في عام 1991 إلى 29.4 بالمئة في عام 1995،(110) كما ارتفعت نسبة الديون الجديدة للحكومة المكسيكية التي تستحق لغير مواطنيها من 8 بالمئة في نهاية عام 1990 إلى 55 بالمئة في نهاية عام 1993.(111)
في ظل هذه الأوضاع، وجد اضطراب الاقتصاد العالمي في أعقاب "العصر الذهبي" أقوى تعبير عنه في بلدان الجنوب العالمي. حتى تلك البلدان التي كانت تنمو نموا سريعا وتتلقى مديحا في وسائل الإعلام النيوليبرالية واجهتها فجأة مشاكل ديون مستعصية تقريبا، وأزمة آخذة في العمق، وتضخم يمكن أن يتسارع – كما حدث في المكسيك في أوائل تسعينيات القرن العشرين، وفي إندونيسيا في أواخر العقد نفسه، وفي الأرجنتين في بداية الألفية الجديدة. وكان مصير جمهرة الناس في بلاد تعتبر هامشية عند رأس المال العالمي، مثل معظم بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، هو تزايد الفقر، وتكرار المجاعات، وفي أغلب الأحوال تكرار معارك الصراعات الإثنية التي يتسع نطاقها إلى حروب أهلية يتم تمويلها غالبا من قبل الشركات الأجنبية المهتمة بالسيطرة على المواد الأولية. ربما لم تشهد هذه المناطق من العالم عصرا ذهبيا على الإطلاق، لكنها قطعا شهدت عصرا رصاصيا.
إعادة الهيكلة من خلال الأزمة
خلال الربع الأخير من القرن العشرين، كانت الرأسمالية العالمية تتسم مرة أخرى بكثير من الخصائص التي وصفها ماركس. فقد شهدت أزمات اقتصادية متكررة، وإعادة الهيكلة عبر أزمة رؤوس الأموال، الكبيرة والصغيرة، والمملوكة للقطاع الخاص والمملوكة للدولة.
النمو الاقتصادي الفعلي في البلدان الصناعية مقابل توقعات صندوق النقد الدولي(112)
   
وقد عانت جميع الاقتصادات الصناعية الكبرى على الأقل من ثلاث موجات من الركود الحقيقي، فيما عدا فرنسا وكندا اللتين عانتا من "ركود في معدلات النمو" واثنين من الركود الحقيقي، واليابان، التي أفلتت من الركود الحقيقي لما يقترب من 20 عاما بعد أزمة منتصف سبعينيات القرن العشرين فقط لتدخل في كساد تقريبا لمدة 13 عاما بعد عام 1992.
وفي بلدان الكتلة السوفييتية السابقة، تحولت الميول الركودية في أواخر ثمانينيات القرن العشرين إلى أزمات. ولكن سرعان ما ظهرت مسارات مختلفة. فقد عانى الاتحاد السوفييتي السابق (المشار إليه في الرسم التوضيحي التالي بكومونولث الدول المستقلةCIS ) انكماشا اقتصاديا هائلا، وبلغ ناتجه في عام 2000، حتى بعد عامين من الانتعاش، 70 بالمئة فقط من أرقام تسعينيات القرن العشرين. وكانت الصورة على نفس القدر من البؤس بالنسبة لرومانيا وبلغاريا وألبانيا ومعظم يوغسلافيا السابقة. وعلى النقيض، انكمشت اقتصادات وسط أوروبا (المشار إليها في الرسم بدول وسط وجنوب شرق أوروبا والبلطيق CSB) إلى ما يزيد قليلا عن 80 بالمئة من أرقام تسعينيات القرن العشرين ثم انتعشت لتبدأ في تجاوزها في عام 1998 – رغم أن هذا الرقم لم يكن أكبر من رقم عام 1980.(113)
 كل ذلك كان يعني معاناة مستمرة ومتكررة لأولئك الذين يعيشون في ظل النظام ويعملون لصالحه. غير أن القضية الكبرى بالنسبة للنظام نفسه هي ما إذا كانت إعادة الهيكلة التي تحدثها الأزمات سوف تفتتح فترة جديدة من التوسع أم لا. وهذه القضية هي ما يتناوله الجزء التالي من هذا الكتاب

الثلاثاء، 4 أبريل 2017

رأسمالية الزومبي، كريس هارمان – الفصل السابع "الرخاء الطويل" – ترجمة رمضان متولي

الفصل السابع:
الرخاء الطويل
العصر الذهبي للرأسمالية الغربية
كثير من المحللين الاقتصاديين توقعوا أن ينزلق الاقتصاد العالمي إلى الأزمة مرة أخرى بعد الحرب، وبعد فترة قصيرة من الرخاء كما حدث في 1919. لكن ذلك لم يحدث. وما أعقب الحرب كان أطول رخاء عرفته الرأسمالية في تاريخها – أي ما يطلق عليه الآن غالبا "العصر الذهبي للرأسمالية"، أو يطلق عليه في فرنسا "الأعوام الثلاثون المجيدة". وبحلول سبعينيات القرن العشرين، كان ناتج الاقتصاد الأمريكي ثلاثة أضعاف مستوى عام 1940؛ وكان ناتج الاقتصاد الألماني خمسة أضعاف مستوى عام 1947 (الكاسد)؛ والفرنسي أعلى أربعة أضعاف. وقد حولت زيادة الناتج الصناعي بمقدار ثلاثة عشر ضعفا اقتصاد اليابان، التي كانت تعتبر دولة فقيرة في الأربعينيات، إلى ثاني أكبر اقتصاد غربي (1) بعد الولايات المتحدة. وبالتوازي مع النمو الاقتصادي كان ارتفاع الأجور الحقيقية، وتحقيق التوظف الكامل تقريبا، وتقديم برامج الرعاية الاجتماعية على مستوى لم يكن للناس فيما سبق إلا أن يحلموا به.
كانت الأوضاع مختلفة تماما في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية – التي أصبح يطلق عليها "العالم الثالث" بعد مؤتمر باندونج في عام 1955. فقد استمر الفقر المدقع هناك من نصيب الجمهرة الواسعة من الناس. لكن القوى الأوروبية أجبرت على التخلي عن مستعمراتها، كما أن زيادة معدل النمو الاقتصادي للفرد(2) خلق توقعا بأن البلدان "الأقل تطورا" من الناحية الاقتصادية أخيرا سوف تبدأ اللحاق بالأكثر تقدما.
وأصبح بمثابة العقيدة لدى كل من اليمين وكثير من اليسار الإعلان عن أن تناقضات النظام التي أدركها ماركس قد جرى تجاوزها. وكان التغير الأساسي في نظرهم أن الحكومات قد تعلمت أن تتدخل في الاقتصاد حتى تواجه الميول نحو الأزمة وفق الخطوط التي حث عليها جون ماينارد كينز في ثلاثينيات القرن العشرين. وكل ما كان مطلوبا حتى ينجح النظام هو ألا تهتم الدولة الحالية بعقيدة السوق الحرة القديمة وأن تتدخل في الحياة الاقتصادية حتى ترفع مستوى الإنفاق على الاستثمار والاستهلاك. ويمكن تحقيق ذلك إما عبر تغيير أسعار الفائدة (إجراءات نقدية)(3) لتشجيع الاستثمار الخاص أو عبر زيادة إنفاق الحكومة بأعلى من إيراداتها الضريبية (إجراءات مالية). وسوف يؤدي "التمويل بالعجز" من النوع الأخير إلى زيادة الطلب على السلع وبالتالي زيادة مستوى التشغيل. كما أنه أيضا سيمول ذاته في النهاية من خلال "أثر مضاعف" (اكتشفه خان، زميل كينز في كامبريدج). فمن سيحصلون على وظائف من العمال الإضافيين بسبب إنفاق الحكومة سوف ينفقون أجورهم، وبالتالي يوفرون سوقا لإنتاج عمال آخرين، الذين ينفقون أجورهم بدورهم ويوفرون أسواقا أكبر. ومع نمو الاقتصاد إلى ما يقترب من مستوى التوظف الكامل، سوف ترتفع إيرادات الحكومة من الضرائب على الدخول والإنفاق حتى تبلغ درجة كافية لسداد تكلفة الزيادة السابقة في الإنفاق.
وسرعان ما أصبح ينظر إلى هذين الإجرائين على أنهما أداتان نموذجيتان أصيلتان "للكينزية" لتحقيق التوظف الكامل، وجرى اعتمادهما كأداتين جوهريتين في الإدارة الاقتصادية من قبل كل من السياسيين المحافظين والاشتراكيين الديمقراطيين في عقود الأربعينيات والخمسينيات والستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين. وكما رأينا في الفصل السابق أن كينز صرح بأفكار أكثر راديكالية في نقاط معينة، خاصة حجته بأن عملية توسع استثمار رأس المال ذاتها تؤدي إلى تدهور في العائد عليه – أي "الكفاية الحدية لرأس المال".(4) بل إنه ذهب بعيدا حتى أنه حث على "القتل الرحيم" تدريجيا "للريعي" الذي يعيش على انتزاع الكوبونات(5) وجادل بأن "نوعا من التشريك الشامل للاستثمار سوف يثبت أنه الوسيلة الوحيدة لتحقيق الاقتراب من التوظف الكامل."(6) غير أن كينز نفسه تجنب التعامل مع هذه الأفكار الأكثر راديكالية – وكما كتب سكيدلسكي، مؤلف سيرته شديد الاعتدال، أنه "في الممارسة كان شديد الحذر حقا"، وأفرغت نسخة الكينزية(8) التي هيمنت على علم الاقتصاد السائد على مدى ثلاثين عاما بعد الحرب العالمية الثانية نظرية كينز من عناصرها الراديكالية. ولهذا السبب، نددت بها الكينزية الراديكالية جوان روبنسون واعتبرتها "كينزية زائفة"(9).
اعتقد علم الاقتصاد السائد في تلك الأعوام أن لديه القدرة على تمكين الحكومات من التخلص من الأزمات التي كانت تضرب الرأسمالية منذ أوائل القرن التاسع عشر. وبشرت هذه العقيدة بأن النظام الرأسمالي حاليا يستطيع تحقيق ازدهار أبدي ورفع مستوى المعيشة وتخفيض مستوى الصراع الطبقي – شرط أن تتقبل الحكومات إملاءاتها وأن تتجنب "أخطاء" سنوات 1929-1932.
كان جون ستراتشي أشهر الكتاب الاقتصاديين الماركسيين في بريطانيا على الإطلاق في عقد الثلاثينيات من القرن العشرين. وساهمت كتبه، مثل "طبيعة الأزمة الرأسمالية"، و"الصراع القادم على السلطة" و "الاشتراكية النظرية والممارسة"، في تعليم النظرية الاقتصادية الماركسية لجيل كامل من العمال المناضلين وشباب المثقفين بفحوى أن الرأسمالية لا يمكنها تجنب تكرار الأزمات وزيادتها عمقا باضطراد. لكن بحلول عام 1956، كان يجادل في كتابه "الرأسمالية المعاصرة" بأن كينز كان على حق وأن ماركس مخطئ بشأن مسألة حاسمة تتعلق بإمكانية التخلص من الأزمة الرأسمالية عبر الإصلاح.(10) ورأى ستراتشي أن الخطأ الوحيد عند كينز هو أنه عجز عن إدراك ضرورة الضغط على الرأسماليين حتى يقبلوا إجراءاته العلاجية: "إن إجراءات الكينزية العلاجية … سوف تواجه معارضة من الرأسماليين قطعا: لكن التجربة كشفت أن هيئة الناخبين يمكن أن تفرضها."(11)
ولازال الاعتقاد بأن أفكار كينز كانت وراء مرحلة الرخاء الطويل مستمرا حتى اليوم، مع رأي واسع الانتشار بين اليسار بأن التخلي عن تلك الأفكار هو المسئول عن أزمات السنوات الأخيرة. هذا من حيث جوهره هو الموقف الذي طرحه الصحفيان دان أتكينسون ولاري إليوت في سلسلة من الكتب،(12) وكاتب الأوبزرفر ويل هوتون(13) وكذلك المحلل الاقتصادي الراديكالي جراهام ترنر.(14) وبعض الماركسيين يقبلون نسخة من هذا الاعتقاد. فيرجع كل من جيرارد دومينيل و دومينيك ليفي النمو الاقتصادي في أعقاب الحرب إلى تبني رأس المال الصناعي نهجا "كينزيا"، يعتمد فيه التراكم على "صفقة" مع منظمات الطبقة العاملة على أرضية دولة الرفاه.(15) ويعرض ديفيد هارفي صورة لرأسمالية تتوسع على أساس "مصالحة طبقية بين رأس المال والعمل"، فيها "تستطيع الدولة أن تركز على التوظف الكامل، والنمو الاقتصادي ورفاهية مواطنيها"، بينما "كانت السياسات المالية أو النقدية، والتي تختصر عادة كسياسات (كينزية) تستخدم على نطاق واسع لتخفيف حدة الدورات الاقتصادية ولضمان التوظف الكامل عند مستوى معقول."(16)
ومع ذلك، فإن أكثر الحقائق إثارة للدهشة في الفترة التي سادت فيها الكينزية تماما كأيديولوجيا اقتصادية رسمية أن الاجراءات التي تقترحها لتجنب وقوع الأزمات لم تستخدم خلالها. واستمر الاقتصاد في توسعه رغم غياب هذه الإجراءات حتى عقد الستينيات من القرن العشرين في الولايات المتحدة وعقد السبعينيات في أوروبا الغربية واليابان.
إن التوسع الاقتصادي في سنوات ما بعد الحرب في بريطانيا، كما أوضح آر سي أو ماثيو منذ زمن طويل، لم يعتمد تحديدا على الإجراءات الكينزية "العلاجية" للأزمات المتعاقبة في عجز الموازنة أو زيادة مستوى الاستثمار الحكومي عن مستوى سنوات ما قبل الحرب.(17) ويلاحظ ماغناد ديزاي أن "الولايات المتحدة تباطأت في تبني السياسات الكينزية رسميا… وقد انتصرت أخيرا مع تخفيض الضرائب في ظل ولايتي كيندي وجونسون في عام 1964."(18) وكان ذلك بعد أن كان الرخاء الطويل قد بدأ واستمر فعلا لمدة 15 عاما (أو 25 عاما إذا استبعدنا ركودا قصيرا في أواخر الأربعينيات). ونفس الفكرة أثيرت بشأن ألمانيا من قبل تون نوترمانز: "إن سياسات إدارة الطلب لمواجهة الدورة الاقتصادية لم تتبع في ألمانيا… إلا في سبعينيات القرن العشرين."(19) وفي كل مناسبة استخدم فيها التدخل الحكومي لتحديد سرعة الاقتصاد، كان ذلك بهدف إبطاء وتيرة الرخاء، لا تجنب الركود، مثلما حدث مع سياسات "stop-go" (الانكماشية) للحكومات البريطانية في مواجهة مشاكل ميزان المدفوعات في الخسمينيات والستينيات. وينتهي بليني، بعد إعادة تحليل الأرقام التي استخدمها ماتيو وآخرون، إلى أن الكينزية لعبت دورا لا يذكر في الرخاء الطويل في غرب أوروبا، ولم تلعب إلا دورا محدودا في الولايات المتحدة. كما يلاحظ أن الزيادة الكبيرة في حجم الإنفاق العسكري للولايات المتحدة مقارنة بمستوى سنوات ما قبل الحرب هي التي وفرت معظم "التحفيز المالي": "إن إجمالي إنفاق الحكومة على السلع والخدمات ارتفع بحوالي 9 بالمئة من إجمالي الناتج القومي المحتمل بسبب الزيادة الكبيرة في الإنفاق العسكري إلى حد كبير."(20)
إن تفسير الرخاء على أنه ناتج عن السياسات الكينزية غالبا ما يواكبه إشارات إلى حقبة "فوردية" قبلت فيها الشركات الرأسمالية الكبرى صفقة مع العمال تقوم على زيادة الأجور بما يكفي لشراء كمية من الناتج تتزايد باستمرار. فمثلا، قال الاقتصادي الفرنسي أجلييتا إن "الفوردية" نظمت "الاستهلاك الخاص للطبقة العاملة" عبر "تعميم علاقات الأجر" حتى تضمن "دورة صيانة قوة العمل."(21) وهكذا يعتبر كينز نبي الفوردية عنده وعند نسخة "مدرسة التنظيم" الماركسية التي يتبناها، والتي تعتبر نقد كينز لعلم الاقتصاد النيوكلاسيكي ومفهومه حول "الطلب الفعال" اعترافا جزئيا بضرورة تكامل الإنتاج والاستهلاك في مرحلة معينة من التطور الرأسمالي.
ومن المؤكد أن أحد عناصر أيديولوجيا الدولة التدخلية التي سادت خلال عقود ما بعد الحرب كانت حجة أن توفير الرعاية الاجتماعية يمكن أن يوازن حركة الارتفاع والهبوط في الطلب على السلع الاستهلاكية. فإن احتياج "جانب العرض" لأن يضمن رأس المال إعادة إنتاج قوة العمل ليستغلها (الذي تعرضنا له في الفصل الخامس) بدا أنه يواكب مخاوف "جانب الطلب" بشأن استمرار توسع السوق. كما أن وعود الزيادة في توفير الرعاية الاجتماعية كانت تناسب الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والديمقراطيين المسيحيين في أوروبا كوسيلة لكسب الأصوات الانتخابية وجذب العمال بعيدا عن الأحزاب الشيوعية التي على يسارها. غير أنه لا يكفي هذا ولا ذاك في تفسير أسباب ازدهار الاقتصاد العالمي في سنوات ما بعد الحرب بعد كساده قبلها.
أكثر من ذلك أنه لم يكن من سياسة واعية لدى مدراء صناعات الإنتاج الكبير "الفورديين" في انتقاء هذه السياسة "الكينزية" المفترضة لزيادة الأجور الحقيقية ومخصصات الرعاية الاجتماعية. بل كما يقول روبرت برنر ومارك جليك إن رأس المال الأمريكي:
 "لم يستسلم أبدا لقبول مبدأ الحفاظ على نصيب العمال، ولم يتخلف عن خوض صراع بالأسنان والأظافر حتى يحد من مستوى ارتفاع الأجور مع ارتفاع تكاليف المعيشة أو زيادة الانتاجية. ولم يكن من شيء مطلقا يشبه "عقدا اجتماعيا" معمما بشأن كيفية تقسيم الإيرادات بين الاستثمار والاستهلاك أو بين الأرباح والأجور.(22)"
وواقع الأمر أن الرأسمالية بينما كانت تتوسع خلال عقود ما بعد الحرب، أجبر التوظف الكامل الناتج عن ذلك أصحاب العمل والدولة على توجيه اهتمام أكبر كثيرا من ذي قبل لمسألة إعادة إنتاج قوة العمل وحرف مسار غضب الطبقة العاملة. إن كلا من النظرية الكينزية التقليدية ونظرية "التنظيم" تخلطان الأسباب بالنتائج. وفي سياق ذلك تفشلان في تفسير الملمح الأكثر أهمية في عقود ما بعد الحرب: هو أن معدل الربح في الولايات المتحدة كان يزيد بما يتراوح بين 50 بالمئة و 100 بالمئة عن معدل الربح خلال العقود الأربعة السابقة على الحرب العالمية الثانية. وقد استطاع أن يحافظ على هذا المستوى المرتفع بهذا القدر أو ذاك حتى أواخر الستينيات.(23) وكان ذلك ما يفسر لماذا واصل الرأسماليون الاستثمار بما يكفي لاستمرار الرخاء الاقتصادي دون أن تحتاج معظم الدول حتى إلى محاولة استخدام "إجراءات مواجهة الدورة الاقتصادية" التي اقترحها كينز. ولكن كيف تحققت تلك المعدلات المرتفعة للأرباح واستمرت بالتوازي مع الزيادة السريعة في الأجور الحقيقية؟
جزء من الإجابة يكمن في تأثير الأزمة والحرب، فبعض الشركات أفلست في هذه الأزمة، وأعدم الكثير من رأس المال كخسائر، وبدأت إعادة الهيكلة من خلال الأزمة في تحقيق جانب من دورها القديم في أن تتيح لرأس المال فرصة التراكم من جديد بمعدل أقل من الربح. وقدم الدمار الذي أحدثته الحرب مساعدة إضافية، فقد استخدمت كمية هائلة من الاستثمار في الأغراض العسكرية، والتي لولا ذلك كانت ستؤدي إلى زيادة معدل الاستثمار إلى العمل (وبالتالي إلى الأرباح). فمثلا، قدر شين ميج الأثر المركب لأزمة الثلاثينيات والحرب العالمية الثانية على اقتصاد الولايات المتحدة، قائلا: "ما بين عامي 1930 و 1945، انخفض مخزون رأس المال في الولايات المتحدة من 145 مليار دولار إلى 120 مليار دولار، أي تناقص في الاستثمار بنسبة 20 بالمئة."(24) فبلغت كمية ما أعدم من رأس المال ما يعادل خمس فائض القيمة المتراكم من قبل بالإضافة إلى فائض القيمة الذي أنتج على مدى تلك الأعوام الخمسة عشر. وفي أثناء ذلك، خرج الرأسماليون في الدولتين المهزومتين، ألمانيا واليابان، من تلك الحرب وقد دمرت كمية كبيرة من رؤوس أموالهم. ولم يكن أمامهم من خيار إلا إعدام الكثير من قيمة استثماراتهم القديمة كخسائر وهم يبدأون التراكم من جديد، بقوة عمل ماهرة اضطرت إلى قبول أجور منخفضة بسبب البطالة الواسعة التي نتجت عن الدمار العسكري.  
غير أن هذه العوامل في حد ذاتها ليست كافية لتفسير طول أمد الرخاء واستمراره. وهي لا توضح سبب عدم استئناف معدلات الربح تدهورها بمجرد تفعيل استثمارات إنتاجية جديدة. فلو كانت الرأسمالية استمرت في مسارها السابق على الحرب، كانت الأزمات ستحدث على الأقل كل عشرة أعوام أو نحوها. لكن، رغم حدوث زلات دورية في معدلات النمو، التي وصفت أحيانا بـفترات "ركود النمو"، لم تشهد الولايات المتحدة انخفاضا في الإنتاج إلا مرة واحدة عابرة (في عام 1949) بينما لم تشهد واحدة من كبرى البلدان الصناعية الأخرى انخفاضا في إنتاجها على مدى أكثر من ربع القرن.
لقد بذلت جهود تسعى إلى تفسير الرخاء كنتيجة للابتكارات التكنولوجية السريعة، أو لموجات الهجرة من عمال يافعين في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، أو لرخص أسعار المواد الأولية القادمة من بلاد غير صناعية. لكن هذه الأمور لم تكن قادرة على منع الأزمات الدورية فيما سبق. فربما أدت الابتكارات التكنولوجية إلى تخفيض كلفة كل وحدة من وحدات الاستثمار الجديدة، ولكنها كذلك تخفض من عمر الاستثمارات القديمة، بما يرفع قيمة الخصم من الأرباح بسبب تكاليف الإهلاكات؛ والهجرة الواسعة إلى بريطانيا من أيرلندا وإلى الولايات المتحدة من أوروبا كانت تميز القرن التاسع عشر دون أن توقف الضغوط على معدلات الربح؛ كما أن انخفاض أسعار المواد الأولية تسبب فيه جزئيا الكيفية التي دفع الرخاء نفسه بها الرأسماليين إلى إنتاج بدائل صناعية داخل الاقتصادات الصناعية (مثل الألياف الصناعية والبلاستيك الخ).
غير أن عاملا واحدا جديدا ظهر يمكنه تفسير ما كان يحدث، فقد بلغ الإنفاق على السلاح في أوقات السلم مستوى غير مسبوق. قبل الحرب، كان الإنفاق على السلاح يزيد قليلا على واحد بالمئة من إجمالي الناتج القومي في الولايات المتحدة، لكن عملية "نزع السلاح" بعد الحرب خلفت الإنفاق على السلاح عند مستوى 4 بالمئة من إجمالي الناتج القومي في 1948، ثم ارتفع ذلك الإنفاق ارتفاعا صاروخيا مع بداية الحرب الباردة إلى ما يزيد على 13 بالمئة في الأعوام من 1950 إلى 1953، وظل يعادل ما بين خمسة إلى سبعة أضعاف مستوى الإنفاق على السلاح في سنوات ما بين الحربين على مدار عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.  
استهلك القطاع العسكري كمية هائلة من فائض القيمة القابل للاستثمار التي لولا ذلك كانت ستتجه إلى الاقتصاد الإنتاجي – وبلغت كميتها وفقا لحسابات مايكل كيدرون ما يعادل 60 بالمئة من إجمالي تكوين رأس المال الثابت في الولايات المتحدة. وكان الأثر الفوري لهذا الإنفاق أن وفر سوقا لمنتجات الصناعات الكبرى:
"إن أكثر من تسعة أعشار الطلب النهائي على الطائرات وأجزائها كان لحساب الحكومة، وغالبيتها لصالح القطاع العسكري؛ وكذلك تقريبا بالنسبة لثلاثة أخماس الطلب على المعادن غير الحديدية؛ وما يزيد على نصف الطلب على السلع الكيميائية والإلكترونية؛ وأكثر من ثلث الطلب على أجهزة الاتصال والأدوات العلمية؛ وهكذا بالنسبة لقائمة من ثمانية عشر صناعة رئيسية، يأتي عشر الطلب أو أكثر على منتجاتها من العقود الحكومية."(25)
دور الإنفاق العسكري في الرخاء الاقتصادي الذي أعقب الحرب تتجاهله معظم الروايات الكينزية من التيار السائد وكثير من الماركسيين. فلدى كلا الجانبين ميل إلى تعريف الرأسمالية بنموذج "السوق الحرة" الخالصة الذي اتخذته لفترة قصيرة في بريطانيا في القرن التاسع عشر وإلى اعتبار الدولة والجيش مؤسسات خارجها. ويغيب عنهما أي إدراك للتغيرات التي كان هيلفردينج وبوخارين ولينين قد بدأوا فعلا في تحليلها، ناهيك عن التحولات اللاحقة التي حدثت خلال الأزمة والحرب والحرب الباردة.
لكن بعض الماركسيين وقليلا من الكينزيين أدركوا أحد الآثار الهامة للإنفاق العسكري. أنه وفر سوقا لبقية الاقتصاد لا تتأثر بموجات الصعود والهبوط في الاقتصاد عموما – أي حائلا يحد من الحركة الهبوطية في الدورة الاقتصادية. وهكذا استطاع الماركسيان الأمريكيان بول باران وبول سويزي أن يعتبرا الإنفاق العسكري آلية هامة لامتصاص "الفائض" الذي ينمو باضطراد وللتغلب على أزمة فائض الإنتاج.(26) لكنهما لم يستطيعا أن يوضحا لماذا لم يكن للضرائب التي يجري تحصيلها لتمويل هذا الإنفاق أثر في تخفيض الطلب في أجزاء أخرى من الاقتصاد. كما أن المشتريات العسكرية للحكومة الأمريكية، كما أوضح بليني، ما كانت تستطيع أن تلعب دورا رئيسيا مباشرا في تنشيط الاقتصادات الأوروبية.(27)
وكانت الرؤية حول تأثير الإنفاق التبديدي (أنظر الفصل الخامس) على دينامية الاقتصاد ككل التي طرحها كيدرون هي القادرة على معالجة هذه المسألة، لأن نقطة انطلاقها لم تكن "نظرية نقص الاستهلاك" وإنما مسألة معدل الربح. فقد يكون الإنفاق العسكري مثل الإنفاق "غير الإنتاجي" خصما من الأرباح في المدى القصير، ولكن تأثيره في المدى الطويل هو تخفيض الأموال المتاحة للتراكم الجديد وبالتالي يؤدي إلى تعطيل زيادة معدل الاستثمار إلى قوة العمل المستخدمة (أي "التركيب العضوي لرأس المال").  
وقد وجد منطق كيدرون تأكيدا إمبيريقيا له فيما حدث فعلا في التركيب العضوي لرأس المال. فكان ارتفاعه خلال عقود ما بعد الحرب في الولايات المتحدة أبطأ كثيرا منه في عقود ما قبل الأزمة.(28) كذلك كان أقل كثيرا مما حدث في أوروبا بعد الحرب، حيث كانت نسبة ما يوجه إلى الإنفاق العسكري من الناتج القومي أقل كثيرا منها في الولايات المتحدة.(29)  
السلاح، التراكم والتخطيط
اقتصاد السلاح لم يكن نتيجة استراتيجية واعية تهدف إلى درء الأزمات. وإنما خرج من منطق المنافسة الإمبريالية في حقبة الحرب الباردة. لكن قطاعات من رأس المال بالتأكيد قدرت تأثيره في الحفاظ على استمرار الرخاء. وظهرت "المجمعات الصناعية-العسكرية" لتجمع بين العسكريين وأولئك المسئولين عن الصناعات العسكرية، التي كان لها مصلحة مباشرة في إثارة النزاعات الإمبريالية. وكانت قادرة على توحيد الطبقة الحاكمة ككل وراء سياساتها ليس بسبب الخوف من قوة منافسة فحسب، وإنما كذلك بسبب تأثير موازنات السلاح في دعم التراكم.
وقد وصف جون كينيث جالبريث في عقد الستينيات العلاقة المتداخلة بين الإنفاق الحكومي وما أطلق عليه "نظام التخطيط" الذي كانت كل شركة كبيرة تخطط استثماراتها من خلاله لعدة سنوات قادمة:
"إن هذه الزيادة (في إنفاق الدولة)… تحظى بتأييد قوي من رجال أعمال نظام التخطيط رغم وجود افتراض واسع الانتشار بعكس ذلك. إن التنفيذيين في الشركات الكبرى يعارضون السفه في الإنفاق الحكومي بصورة منتظمة. لكن نفقات الدفاع على وجه الدقة يجري استثناؤها من التماساتهم بشأن الاقتصاد العام."(30)
من آثار هذا الإنفاق أن سمح للشركات الكبرى بأن تقوم بتخطيط استثماراتها الخاصة في المدى الطويل مع ضمان أنها سوف تكون قادرة على تحقيق ربح عليها وتحويله إلى نقود عبر بيع سلعها ("أي تحقيق فائض القيمة منها" باستخدام مصطلحات ماركس)، وقد غير ذلك نظم عملها الداخلية على نحو بدا أنه يناقض الافتراض المعتاد حول أن السلوك الرأسمالي يدفعه المطالبة بالربح في الأمد القصير والمنافسة السعرية على الأسواق.
وقد رسم جالبريث صورة للكيفية التي ظهر عليها الموقف:  
"إن اندماجا رأسيا يبطل عمل السوق. تقوم وحدة التخطيط بالاستيلاء على مصدر الإمداد أو المنفذ؛ وهكذا تستبدل العملية التي تخضع للمساومة حول الأسعار والكميات بعملية تحويل داخل وحدة التخطيط… وفي نظر الشركة، يغير القضاء على السوق عملية التفاوض الخارجية، ومن ثم القرار الذي يخرج عن السيطرة سواء جزئيا أو كليا، إلى مسألة تخضع لقرار داخلي خالص. وكما سنرى، لا شيء يقدم تفسيرا للسياسة الصناعية الحديثة أفضل من الرغبة في إخضاع عناصر التكلفة ذات الأهمية الاستراتيجية الكبرى إلى قرارات داخلية بالكامل – إمداد رأس المال هو الحالة القصوى. كما يمكن السيطرة كذلك على الأسواق. ويتمثل ذلك في تقليل أو إلغاء إستقلال أفعال أولئك الذين تبيع لهم وحدة التخطيط أو تشتري منهم… وفي نفس الوقت يستمر سليما من الناحية الصورية الشكل الخارجي للسوق، بما في ذلك عملية البيع والشراء."(31)
وعندما تكون "أكبر مائتي شركة صناعية تملك ثلثي إجمالي الأصول المستخدمة في الصناعة وأكثر من ثلاثة أخماس إجمالي المبيعات، والتوظيف وصافي الدخل"(32) فقد كان ذلك يمثل قطاعا ضخما من اقتصاد الولايات المتحدة لا تخضع فيه معظم العمليات الاقتصادية لتقلبات السوق المباشرة. كانت المنافسة قائمة بين العمالقة، ولكنها إلى حد كبير كانت تجري بوسائل مختلفة عن المنافسة القديمة التي اعتمدت على بيع السلع بأسعار أرخص من بعضها الآخر. تعلمت الشركات العملاقة أنها تستطيع ردع المنافسين المحتملين عبر اللجوء إلى وسائل غير إنتاجية – أي استخدام ثروتها في إحكام القبضة على منافذ التوزيع؛ أو استخدام الإعلانات في ترويج منتجاتها، بصرف النظر عن مزاياها الخاصة؛ أو زرع علاقات يدفع لها جيدا بصورة منظمة مع مشترين من الهيئات الحكومية. 
اعتقد جالبريث أن ذلك يمثل تغيرا جوهريا في طبيعة الرأسمالية ذاتها. كما أن الماركسيين الذين عرفوا الرأسمالية ببساطة في إطار المنافسة في "السوق الحرة" بين رأسماليين متنافسين استطاعوا أن يصلوا ببساطة إلى نفس الاستنتاج، لأن مجال الإنتاج الداخلي الضخم بالنسبة للشركات الكبرى لم يكن خاضعا مباشرة لقانون القيمة. وكشفت التباينات الشاسعة في درجة الكفاءة الداخلية للشركات إلى أي مدى اختلف الكثير منها عن النموذج الرأسمالي المثالي. كما أن رأس المال لم ينتقل تلقائيا تحت تأثير قوى السوق خارج قطاعات تتسم باستثمارات ثابتة كبيرة، أي ارتفاع التركيب العضوي لرأس المال وانخفاض معدل الربح، كما قد تقترح القراءة التبسيطية لكتاب رأس المال. وإنما اعتمد انتقاله أو عدم انتقاله ذلك على قرارات المدراء الذين قد يتخذون قرارا بالتضحية بالربحية في المدى القريب مقابل تحقيق نمو على المدى الطويل في أسواق يهيمنون عليها بالفعل. وإذا كان قانون القيمة قد استمر في عمله فقد كان ذلك في المدى الطويل، حيث أن الشركات في النهاية لن تكون قادرة على النمو وإبعاد المنافسين والداخلين الجدد إلى الصناعة إلا إذا استمرت في الحصول على ما يكفي من فائض القيمة للقيام باستثمارات جديدة ضخمة. ولكن غالبا أنها لن تكتشف ما إذا كانت فعلت ذلك أم لا إلا عند بلوغ الرخاء الطويل نفسه نهاية مباغتة.
الرأسماليات المتقدمة الأخرى
تتعلق هذه الصورة حتى الآن باقتصاد الولايات المتحدة خلال الرخاء الذي أعقب الحرب. وقد كانت مسئولة عن اقترابها من نصف إجمالي الناتج العالمي عند نهاية الحرب، كما أن ديناميتها كانت تحدد إلى درحة كبيرة ما كان يحدث في أماكن أخرى. لكن الاقتصادات الأوروبية الكبيرة، التي كان لديها مستوى كبير من الإنفاق العسكري ولكنه أقل من الولايات المتحدة، كشفت عن الكثير من نفس الخصائص. ففي بريطانيا، وفي فرنسا بدرجة أقل، كان للاستثمارات الكبيرة في صناعة السلاح أثر دفع بقية الاقتصاد إلى الأمام، معوضة تأثير بعض الضغوط نحو زيادة التركيب العضوي وانخفاض معدل الربح، وبما يسمح باستمرار التوسع الاقتصادي – وكل ذلك دون اللجوء إلى إجراءات كينزية.
في ألمانيا كان للتسليح أهمية أقل من ذلك. ولكن دور الحكومة ظل مهما. وتخبرنا إحدى الروايات الماركسية كيف:
"أن البرجوازية في الجمهورية الفيدرالية استخدمت أجهزة الدولة والنظام المالي والنقدي أكثر كثيرا منها في أي بلد رأسمالي آخر في دفع تراكم رأس المال بوسائل منها الائتمان بأسعار فائدة ميسرة لعمليات إعادة الإعمار وتمويل الاستثمار وأسعار ميسرة للإهلاك. وجرى كل ذلك في تناقض مع النظرية الاقتصادية النيوليبرالية الرسمية…"(33)
في اليابان، تقدمت رأسمالية الدولة أكثر في هيمنتها على الصناعة المدنية من معظم ما جرى في أماكن أخرى من العالم الغربي – وذلك رغم انخفاض حجم الملكية المباشرة للدولة. وقد تعاونت الدولة وكبرى الشركات الخاصة معا في ضمان توجيه الجزء الذي كان يوجه لإنتاج السلاح من الدخل القومي قبل عام 1945 إلى الاستثمار الإنتاجي:
"كان الاستثمار الثابت في المصانع والمعدات هو القوة الدافعة للنمو السريع. فارتفع معدل نمو الاستثمار الثابت الخاص من 7.8 بالمئة من إجمالي الناتج القومي في عام 1946 إلى 21.9 بالمئة في عام 1961."(34)
وعندما انخفض المعروض من المواد الأولية المستوردة في أواخر الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، تولت الحكومة مسئولية تخصيصها للصناعات التي كانت تعتقد أنها سوف تساهم أفضل في نمو الاقتصاد، وفي إقامة الصناعات الرئيسية مثل استخراج الفحم وصناعة الحديد والصلب وزيادة الصادرات.  
وأصدرت وزارة الصناعة والتجارة الدولية "دليلا إرشاديا" للصناعة، الذي تحملت وزر تجاهلها له. أما الشركات العملاقة التي قبلت إملاءات اقتصاد الحرب قبل أغسطس 1945 كأمر ضروري للتوسع العسكري، فقد قبلت إملاءات وزارة الصناعة والتجارة الدولية كأمر ضروري للتوسع الاقتصادي السلمي:
"رواد الأعمال اليابانيون نشيطون في الاستثمار. وعلى خلاف حالة رواد الأعمال في البلدان المتقدمة الأخرى، فإنهم لن يحصروا استثمارهم الثابت داخل حدود إجمالي الأرباح أو التراكم الداخلي. وسوف تضطلع المؤسسة بالاستثمار طالما توافر التمويل المصرفي حتى إذا ارتفع الاستثمار الثابت أعلى من مجمل أرباحهم."(35)
بكلمات أخرى، تعاون رؤساء الشركات الكبرى والدولة معا في ضمان نمو الرأسمالية الوطنية اليابانية عبر تعبئة مجمل فائض القيمة وتوجيهه نحو القطاعات "الاستراتيجية"، بصرف النظر عن اعتبارات الربحية في الأجل القصير. إن ما فعلته رأسماليات الدولة الأخرى عبر إعلاء الاعتبارات العسكرية، فعلته رأسمالية الدولة اليابانية في مصلحة المنافسة في الأسواق الخارجية. ولعبت الصادرات دورا بالغ الأهمية في دفع الاقتصاد إلى الأمام. وكان ذلك يعني أن الاقتصاد الياباني كان يعتمد في النهاية على اقتصاد السلاح في الولايات المتحدة. وكما يكشف روبرت برنر في دراسة إمبريقية:
"استمد الصناعيون الألمان واليابانيون كثيرا من ديناميتهم عبر الاستحواذ على أجزاء واسعة من سوق عالمية سريعة النمو من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بينما كانوا يبدأون في غزو السوق المحلية للولايات المتحدة. إن إعادة توزيع الحصص السوقية – قيام الصناعيين اليابانيين والألمان بتلبية الطلب الذي كان المنتجون الأمريكيون يغطونه من قبل – أعطت دفعة قوية لاستثماراتهم ولإنتاجهم."(36)
لم تكن "دولة الرفاه" ولا "الصفقة الاجتماعية" هي ما أنتج الرخاء الطويل و"العصر الذهبي"، وإنما كانت جميعها نتائج لرأسمالية الدولة المعسكرة. فقد استند الرخاء والازدهار على الرأس المدببة للقنبلة الهيدروجينية.(37)
قوة العمل خلال الرخاء الطويل
على مدى العقود الأولى اللاحقة للحرب كانت البطالة عند مستويات لم تكن تشهدها من قبل إلا خلال فترات الرخاء القصيرة. ففي الولايات المتحدة كانت البطالة أقل من 3 بالمئة في أوائل الخمسينيات؛ وترواحت في بريطانيا ما بين 1.5 بالمئة و 2 بالمئة؛ أما في ألمانيا الغربية فقد انخفض معدل البطالة المرتفع بسبب التفكيك الاقتصادي خلال السنوات الأولى بعد الحرب إلى 5 بالمئة في عام 1957 ثم إلى 1 بالمئة فقط في عام 1960.
وهكذا لم تكن مشكلة الدول الرأسمالية الصناعية التعامل مع البطالة، وإنما العكس – أي ضمان نمو التوظيف بسرعة كافية لتغذية شهية رأس المال التي بدا أنها لا تشبع إلى قوة العمل. ارتفعت قوة العمل المستخدمة في الولايات المتحدة بنسبة 60 بالمئة بين عامي 1940 و 1970. وتطلب هذا التوسع إمدادا جديدا بالكامل من قوة العمل. لم تستطع الدولة أن تترك توفير المادة الخام الأهم في المنافسة الاقتصادية أو العسكرية، وهي العمل، لأهواء سوق العمل "الحرة"، سواء أعجب ذلك السياسيين ومن يديرون الحكومة أم لم يعجبهم. وكان على الدولة أن تستكمل – أو حتى أن تستبدل جزئيا – نظام الأجور بالخدمات والدعم الذي تقدمه هي نفسها بمستوى أكبر كثيرا من السابق.
وتمثل أحد الحلول لمشكلة نقص قوة العمل في تخفيض أكبر لقوة العمل الزراعية، عبر رعاية الدولة لاندماج المزارع الصغيرة – وهي طريقة اتبعت في أجزاء كبيرة من أوروبا الغربية. وتمثل حل آخر في تشجيع الهجرة الواسعة للبشر من بلدان أقل تطورا إلى مدن البلدان الصناعية (من تركيا وشرق وجنوب أوروبا إلى ألمانيا، ومن يوغسلافيا والبرتغال وإسبانيا والجزائر إلى فرنسا، ومن جزر الهند الغربية وشبه القارة الهندية إلى بريطانيا، ومن بورتوريكو إلى الولايات المتحدة). والحل الثالث – وقد طبق هو الآخر في كل مكان تقريبا – كان جذب النساء المتزوجات إلى العمل الأجير. غير أن جميع أساليب توسيع قوة العمل خلفت وراءها مشاكل جديدة لرأس المال وللدولة.
لا ينجح الضغط للحصول على العمال من قطاع الزراعة إلا إذا ضخت موارد في الزراعة من أجل زيادة إنتاجيتها. وقد تكون تكلفة ذلك عالية جدا. ولكن كان البديل لها هو تعذر توفير الغذاء لسكان الحضر الآخذين في النمو وتوفير المواد الأولية للصناعة، ما يستثير غضب الطبقة العاملة وينشأ عنه اختناقات في عملية التراكم. ففي النهاية، لم يعد هناك من فائض في قوة العمل المتبقية في الريف لتلبية حاجات الصناعة مع تقلص عدد صغار الفلاحين. فكانت الهجرة من العالم الثالث مصدرا رخيصا جدا للحصول على قوة العمل. ولم يكن على البلد المتقدم أن يتحمل شيئا من أعباء تربية وتعليم هذا الجزء من قوة العمل – بل من الناحية الفعلية كان البلد المتقدم يحصل على دعم من البلد الأصلي للعمال المهاجرين.(38) وكانت قوة العمل الجديدة عادة أصغر سنا من قوة العمل "الوطنية"، وقليلة المطالب من حيث الرعاية الصحية، ومعاش التقاعد وما إلى ذلك. وكان أعضاؤها عادة أكثر استعدادا لتحمل انخفاض الأجور، وظروف العمل القاسية، وقسوة اللوائح النظامية وغيرها – باختصار أن تتحمل استغلالا فائقا. وكان المصدر الذي يأتي منه هذا العمل الجديد غير محدود من حيث الإمكانية.
غير أن حدودا عملية كانت قائمة. فمع اعتياد العمال المهاجرين على الحياة والعمل في موطنهم الجديد، طالبوا بشروط عمل تقترب من شروط عمل العمال المستقرين؛ وأرادوا الحصول على إقامة لائقة ومزايا الرعاية الاجتماعية. وكان على الدولة إما زيادة إنفاقها على هذه الأمور، أو أن تشهد توترات اجتماعية قد تؤدي إلى صراعات طبقية حادة (وكان تمرد فرنسا في عام 1968 إلى حد كبير تمردا لهؤلاء العمال الجدد) أو تؤدي إلى صدام "عنصري" بين العمال المستقرين والعمال الجدد. ومع عجزها عن تحمل تكاليف الإنفاق الاجتماعي المطلوب لقطع الطريق على مصادر عدم الاستقرار الاجتماعي – ورغبتها في حرف مسار الغضب عن التوجه إليها – كان رد فعل الدولة عادة أن فرضت قيودا على الهجرة الجديدة.
كما أن انضمام النساء المتزوجات بالجملة إلى قوة العمل تطلب مستوى معينا من الاستثمار تقوم به الدولة. فكان يلزم إيجاد الوسائل التي تضمن أن ذلك لن يؤدي إلى إهمال رعاية الأطفال – أي التهيئة الاجتماعية للجيل القادم من العمال – أو انهيار عملية توفير الغذاء والمأوى والملبس لقوة العمل من الذكور. وكثير من هذا الوسائل أمكن توافرها بتكلفة منخفضة نسبيا مع تطبيق تكنولوجيا جديدة. فالثلاجة والغسالة والمكنسة الكهربائية وإحلال المواقد التي تعمل بالغاز أو الزيت أو الكهرباء محل المواقد التي تعمل بالفحم، والترويج الشعبي للأغذية المجمدة، وشيوع منافذ الوجبات السريعة، وحتى جهاز التلفزيون، كل ذلك كان له أثر في تخفيض كمية الجهد المطلوب لضمان إعادة إنتاج قوة العمل الحالية والمستقبلية. وهي أشياء عادة لا تكلف الدولة ولا رأس المال شيئا، فالأسرة تدفع ثمنها من الدخل الأكبر الذي تحصل عليه مع حصول الزوجة على وظيفة بأجر. رعاية الأطفال الصغار لأبوين يعملان نشأت عنها صعوبات أكبر، لأن توفير دور للحضانة يمكن أن يكون مكلفا بالنسبة للدولة – حتى وإن كانت هذه التكلفة أيضا يمكن تعويضها من أجر الزوجة العاملة.
وهكذا نجحت جميع طرائق توسيع قوة العمل حتى نقطة معينة – ولكن وراء ذلك اتجهت هذه الوسائل إلى تضمن تكاليف زائدة كبيرة بدرجة ما. فتكاليف الرعاية الاجتماعية كانت محتملة أثناء التوسع السريع للنظام. فكما رأينا في الفصل الخامس، كان مبدأ "التأمين" يضمن أن بعض قطاعات الطبقة العاملة يغطي تكلفة توفير الرعاية الاجتماعية لقطاعات أخرى. وبلغت التكلفة الإضافية 2 أو 3 بالمئة فقط من إجمالي الناتج القومي في أوروبا الغربية، بينما حققت الدولة في الولايات المتحدة فائضا صغيرا منه.(39) ولكن التكلفة أصبحت عبئا بمجرد انهيار مرحلة الرخاء الطويل.
كان هناك حل آخر متاحا لمشكلة نقص العمالة. لكنه كان أكثر تكلفة بكثير. وهو زيادة إنفاق الدولة على إعادة إنتاج قوة العمل بما يؤدي إلى رفع متوسط مستوى المهارة. وفي كل البلدان المتقدمة كانت هناك زيادة كبيرة في الإنفاق على التعليم خلال فترة الرخاء الطويل – خاصة في المستويات العليا من التعليم الثانوي وفي التعليم العالي.(40)
وأخيرا، مجال ثالث من التوسع في إنفاق الدولة كان مصمما لزيادة الإنتاجية – وهي النفقات التي صممت لتوفير شعور بالأمان لدى العمال المستخدمين. ويندرج تحت هذا البند معاشات التقاعد لكبار السن وإعانات البطالة. وقد لاحظ جيمس أوكونر أن "الغرض الأساسي هو تنمية شعور بالأمان الاقتصادي بين صفوف العمال المستخدمين وبالتالي رفع روحهم المعنوية وتعزيز الانضباط."(41) ومن هنا أدخلت في كثير من البلدان في أواخر الستينيات إعانات البطالة المرتبطة بالأجر وتعويضات عند الاستغناء عن العمال. وكانت هذه الإجراءات الجانب الآخر من عملية "تسريح العمال" بهدف خفض التكاليف من الصناعات القديمة.
هذا "التحويل الاجتماعي" لتكاليف العمل كان له بعض النتائج الهامة بالنسبة للنظام ككل. في ظل ظروف النقص الشديد في العمال، كان على الدولة الرأسمالية الوطنية أن ترعى وتهتم بقوة العمل وكذلك استغلالها إذا كان مستوى الإنتاجية يكافئ المستوى العالمي. ولكن ترتب على ذلك أن كان لدى العمال بعض الفرص في أن يكونوا قادرين على مساندة أنفسهم دون بيع قوة عملهم. أي أن هناك نفيا جزئيا لطابع العمل الحر – ولكنه يظل نفيا جزئيا فقط لأن الدولة مارست كل أنواع الضغوط للإبقاء على الناس في سوق العمل.
ولكن حتى هذا "النفي" المحدود لحرية سوق العمل كان عبئا رفع المصاريف الإضافية على كل رأس مال وطني. وفي حد ذاتها، مارست هذه المصاريف ضغوطا هبوطية على معدل العائد على إجمالي الاستثمار الوطني. ولفترة طويلة بدا أن ذلك لا يهم. فعوامل أخرى كانت تعمل على حماية معدل الربح. ولكن ما أن بدأت تضعف القوة الدافعة للرخاء حتى أصبحت تكاليف الرعاية الاجتماعية مشكلة بالغة الأهمية. ولم تعد تتكامل الوظيفتان اللتان تتعلقان بزيادة الإنتاجية وشراء القبول. فكان على رأس المال أن يسعى إلى زيادة الإنتاجية وتخفيض تكلفة الحفاظ عليها، حتى وإن كان ذلك يبطل عمل آلياته القديمة في السيطرة على الطبقة العاملة. وسوف يصبح ذلك عاملا هاما في تشكيل الصراع الطبقي ما أن يضعف عنفوان الرخاء الطويل.
الكتلة الشرقية
لم تكن الاقتصادات الغربية واليابان وحدها هي من حققت معدلات نمو سريعة خلال عقود ما بعد الحرب. وإنما كذلك فعل الاتحاد السوفييتي والبلدان التي هيمن عليها في أوروبا الشرقية. وقد حقق الإنتاج السوفييتي من الكهرباء نموا بلغ 500 بالمئة مابين عامي 1950 و1966، وبلغ نمو إنتاجه من الصلب ما يقل قليلا عن 250 بالمئة، وإنتاج النفط حقق 600 بالمئة، وارتفع إنتاج الجرارات بنسبة 200 بالمئة، والألياف بنسبة 100 بالمئة، ونما إنتاج الأحذية بنسبة 100 بالمئة، كما ارتفع مخزون المساكن بنسبة 100 بالمئة.(42) وبحلول منتصف سبعينيات القرن الماضي، كانت نفس السلع الاستهلاكية التي غيرت حياة الناس في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية – أي أجهزة التلفزيون والثلاجة والغسالة الكهربائية – تبدأ في الظهور في منازل السوفييت وأوروبا الشرقية، حتى وإن كان بوتيرة أبطأ.(43) منذ انهيار الكتلة الشرقية في عامي 1989-1991، كان عادة ما ينسى أن في عقود الخمسينيات والستينيات حتى الكثير من الغربيين المعارضين للاتحاد السوفييتي اعتبروا بديهيا أن معدلات النمو لديه كانت أعلى مما حققته أنظمة أخرى في العالم. وقد استطاع أليك نوف، وهو من أشد ناقدي النظام حدة، أن يكتب "إن نجاح الاتحاد السوفييتي … في أن يجعل من نفسه القوة الثانية في العالم من الناحية العسكرية والصناعية أمر لا تعتريه الشكوك."(44)  
لكن مجرد النمو السريع لم يتغلب على الضغوط الخارجية من أجل مزيد من النمو، لأنه حتى بعد عقود من التصنيع كان حجم الاقتصاد السوفييتي مازال يقل عن نصف حجم منافسه العسكري الرئيسي آنذاك، أي الولايات المتحدة. بل من بعض النواحي تزايدت الضغوط أكثر. ففي بداية التصنيع، كانت هناك احتياطات هائلة من العمل التي يمكن تحريرها من الزراعة لصالح الصناعة. معنى ذلك أن من يعتلون قمة البيروقراطية لم يساورهم القلق كثيرا إذا استخدم كثير من هذا العمل بطريقة فيها تبديد. وبدأ الأمر يحظى بالأهمية عندما بدأ الريف يفرغ من الشباب – تاركا الكثير من الإنتاج الزراعي المطلوب لإطعام المدن ليقوم به عدد من كبار السن الآخذين في التناقص. وكانت معسكرات العمل العبودي تذوي بسرعة بعد موت ستالين في عام 1953، جزئيا لأسباب سياسية ولكن أيضا من أجل تحرير العمل العبودي غير الكفء بهدف استغلاله بكفاءة كعمل مأجور. وكان ذلك علامة على أن مرحلة "التراكم البدائي" قد بلغت نهايتها. وقد تكرر الحديث في الدوائر الرسمية منذ ذلك الوقت فصاعدا حول "الإصلاح" الاقتصادي. وخلال واحدة من هذه المراحل، في عام 1970، شرح الزعيم بريجينيف الأساس المنطقي لذلك:
"لقد عكف الرفيق بريجينيف على مسألة المنافسة الاقتصادية بين النظامين العالميين. وقال إن هذه المنافسة تأخذ أشكالا مختلفة. وفي كثير من الحالات نتعامل بنجاح مع مهمة اللحاق بالبلدان الرأسمالية وتجاوزها في إنتاج أنواع معينة من المنتجات… لكن المسألة الجوهرية لا تتعلق فقط بكمية ما ننتجه وإنما أيضا بالتكلفة، وبأي قدر من العمل المبذول… وفي هذا المجال يقع مركز الثقل بين النظامين في عصرنا."(45)
كان هذا هو نفس منطق التراكم التنافسي الذي كان يدور في قطاع الدولة الضخم أحيانا في الرأسماليات الصناعية الغربية – أو، بالنسبة لهذه المسألة، في الشركات العملاقة التي وصفها جالبريث. إن تنظيم الانتاج داخل الاتحاد السوفييتي قد يتضمن الجمع بين مختلف القيم الاستعمالية (هذه الكمية من العمل، وتلك الكمية من المواد الأولية المتمايزة فيزيائيا، وهذا النوع أو ذاك من الآلة المعنية) من أجل إنتاج مزيد من القيم الاستعمالية. ولكن ما كان يهم البيروقراطية الحاكمة هو كيف تقارن هذه القيم الاستعمالية قياسا على أرتال القيم الاستعمالية التي تنتج داخل الشركات الكبرى في الغرب. ومعنى ذلك مقارنة كميات العمل المستخدمة في الاتحاد السوفييتي بكميات العمل المستخدمة في الشركات الغربية. أو، باستخدام مصطلحات ماركس، كان الانتاج في الاتحاد السوفييتي خاضعا لقانون القيمة الذي يعمل على المستوى العالمي.(46)
كان أحد الأوهام التي نتجت عن النمو السريع المتواصل في الاتحاد السوفييتي أن هذا النمو كان يتقدم بسلاسة وبشكل عقلاني وفقا لمختلف الخطط الخمسية، مقارنة بحركات الصعود والهبوط في الغرب. غير أن الاندفاع العنيد نحو التراكم كان من نتائجه الضرورية اختلال في التنظيم، وفوضى وفاقد في حقول كاملة من الإنتاج. ففي بداية كل "خطة" يبدأ بناء مشروعات صناعية هائلة. ولكن بعد فترة يتضح عدم إمكانية إتمامها كلها. وبعضها يجري "تجميده" (عادة ما يعتني منها بحاجات استهلاكية للشعب)، بينما يجري تحويل الموارد المخصصة لها لمشروعات أخرى (أي لإنتاج وسائل الإنتاج). يعنى ذلك تغييرا وتقليصا مستمرا للسلع التي كان ينتظر أن تنتجها الموارد؛ وضغوطا مفاجئة على الناس لإنتاج المزيد من منتج معين والقليل من منتج آخر؛ وقيام الناس بإخفاء الموارد التي تحت تصرفهم في كل مستوى في العملية الإنتاجية تحسبا لأن يتعرضوا لضغوط مفاجئة لإنتاج المزيد؛ وكميات هائلة من الفاقد عند إنتاج بعض المنتجات التي تتضمنها الخطط دون إنتاج منتجات أخرى ضرورية للاستفادة منها (كما حدث في ثمانينيات القرن العشرين عندما أهدرت كميات كبيرة من الأسمدة لأن أحد المشروعات التي جرى تجميدها كان بناء مصنع لإنتاج الأكياس اللازمة لتعبئة السماد).(47)
منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، أصبح معتادا وسط اليسار واليمين إلقاء اللوم في كل ذلك ببساطة على اللاعقلانية البيروقراطية، دون إقرار بتطابق ذلك مع لاعقلانية الاستبداد الإداري داخل المؤسسات الغربية – وجذورها المشتركة لديهما في إخضاع العمل الإنساني للتراكم التنافسي، أي للتوسع الذاتي لرأس المال. غير أن رصد كل شكل من أشكال اللاعقلانية داخل الاقتصاد السوفييتي وإرجاعه إلى الاستثمار الزائد كان ممكنا – تماما كما هو ممكن بشأن اللاعقلانية الإدارية داخل الشركات الغربية.
لم تشهد الاقتصادات من النمط السوفييتي تبديدا فقط. بل شهدت أيضا تفاوتا في النمو عبر الزمن، تماما كما في الغرب. وقد كشفت دراسات في ستينيات القرن العشرين أجراها بشكل رئيسي اقتصاديون من شرق أوروبا عن وجود دورات الصعود والهبوط في الاقتصادات من نموذج الاتحاد السوفييتي. ويروي التشيكيان جولدما وكوبرا في عام 1968 كيف أن:
"تحليل ديناميات الإنتاج الصناعي في تشيكوسلوفاكيا وجمهورية ألمانيا الديمقراطية والمجر يقدم صورة تثير الاهتمام. ويكشف معدل النمو عن تذبذبات منتظمة نسبيا… وتتضح هذه التذبذبات أكثر إذا اقتصر التحليل على السلع الإنتاجية."(48)
واستطاع اليوغسلافي برانكو هورفات إصدار كتاب بعنوان الدورات الاقتصادية في يوغسلافيا(49) الذي أوضح أن الاقتصاد اليوغسلافي حتى قبل إصلاحات السوق في عام 1968 كان "أكثر اضطرابا بكثير" من عشرة اقتصادات أخرى ذكرها "بما فيها الولايات المتحدة". وكشف أكاديمي غربي أن هذه التقلبات كانت واضحة فعلا في الاتحاد السوفييتي منذ وقت إطلاق الخطة الخمسية الأولى وما بعدها.(50)
نمط التقلبات كشف عن تشابه كبير مع الدول الرأسمالية الغربية خلال فترة الرخاء الطويل. وترجع أصولها إلى ديناميات التراكم التنافسي. فكما رأينا في الفصل الثالث أن الاندفاع التنافسي عند الرأسماليين للاستثمار يؤدي عند نقطة معينة في أي رخاء إلى استنزاف المعروض القائم من المواد الأولية، والعمل ورأس المال المطروح للإقراض (أي فائض القيمة غير المستثمر). وتبدأ تكلفة كل هذه العناصر – أسعار السلع الأولية، والأجور النقدية وأسعار الفائدة – في الارتفاع حتى تكتشف فجأة أقل الشركات ربحية أنها تحقق خسائر في عملها. بعضها يخرج من النشاط. وتنجو شركات أخرى، ولكن فقط بالتخلي عن استثمارات خططت لها وإغلاق بعض مصانعها. وتؤدي إجراءاتها بدورها إلى تدمير أسواق رؤوس أموال أخرى، وتضطرها إلى التخلي عن استثمارات وإغلاق المصانع. وينشأ عن "الطلب الزائد" خلال الرخاء مشكلة الإنتاج الزائد خلال الأزمة. ويكمن سر الرخاء الطويل في الغرب خلال عقود الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن العشرين في الطريقة التي استطاعت بها الدولة الوطنية تخفيض الضغوط التي تؤدي إلى التراكم الزائد (عبر توجيه جزء من رأس المال إلى قنوات عسكرية غير إنتاجية)؛ واتخاذ إجراءات مباشرة لمحاولة الحفاظ على معدل مرتفع للاستغلال (عبر السيطرة على الأجور)؛ والتدخل بهدف إبطاء الرخاء قبل أن يؤدي إلى تحول شركات هامة إلى شركات غير رابحة؛ والحفاظ على مستوى أدنى مضمون من الطلب عبر الطلب العسكري.
 إن اقتصاد السلاح لرأسمالية الدولة الاحتكارية لم يكن قادرا على التخلص من النمط الدوري للتراكم الرأسمالي. وتحديدا لم يتمكن من وقف الضغوط التنافسية التي تدفع الرأسماليين لأن يتجهوا إلى التوسع في الإنتاج خلال فترات صعود الاقتصاد بدرجة تتجاوز الموارد المتاحة. لكنه كان قادرا على منع هذه الفترات من "التراكم الزائد" التي تؤدي إلى أزمات كساد من نوع الأزمات التي سبقت الحرب العالمية الثانية.
كان شيء من نفس النمط قائما في الاقتصادات من النموذج السوفييتي. فقد ظهرت اختناقات في مختلف مجالات الاقتصاد تهدد بإغلاق قطاعات واسعة من الإنتاج بسبب نقص المدخلات. وتقريبا لم يرتفع الإنتاج أبدا بنفس الوتيرة المخطط لها. وتجاوزت الأرصدة النقدية التي صرفتها المؤسسات لشراء المواد الأولية والعمل ناتج الاقتصاد، ما نشأ عنه ضغوط تضخمية وجدت التعبير المباشر عنها في زيادة الأسعار أو التعبير "الخفي" في نقص شديد في السلع بالمتاجر.
إذا ترك تراكم فائق السرعة تقوم به شركات رئيسية بعينها دون تدخل فسرعان ما كان سيبتلع الموارد التي تعتمد عليها كثير من الشركات حتى تستمر في العمل عند المستويات الحالية، ما يؤدي إلى إغلاق بالجملة لمصانعها وتدمير أسواق لمنتجات شركات أخرى. وكان ذلك سيتحول إلى أزمة من الإنتاج الزائد من السلع. ولكن كما حدث في الغرب خلال الرخاء الطويل، تدخلت الدولة في محاولة لاستباق ذلك عبر "تبريد" الاقتصاد. وأمرت شركات "بتجميد" استثمارات معينة وتحويل الموارد إلى استثمارات أخرى. وتضمن ذلك تحول بعض المصانع فجأة من أحد فروع الإنتاج إلى آخر. وتركت أسطورة التخطيط المسبق للإنتاج الساحة لحقيقة التخصيص "اللاحق"، ما بعد الحدث، مع تكرار تغيير المدخلات والمخرجات. وكان مستهدف إنتاج السلع الاستهلاكية أحد أهداف الخطة الذي كان دائما يعاني في هذه العملية. وكانت النتيجة زيادة أكبر في الفارق بين الأموال التي ترصدها الشركات للأجور والسلع المتوفرة لهذه الأجور حتى تشتريها – أي زيادة في التضخم المعلن أو الخفي.  
وكشفت الأزمات السياسية والاجتماعية العميقة في عام 1953 (في ألمانيا الشرقية) وعام 1956 (في بولندا والمجر) وعام 1968 (تشيكوسلوفاكيا) وعام 1970-1971 (بولندا مرة أخرى) كيف أن التوترات الناتجة عن ذلك وجدت تعبيرا مفاجئا عن نفسها. غير أنه طالما أمكن استعادة معدلات النمو، كان ممكنا تخفيض هذه التوترات، وعادة من خلال الجمع بين القمع من ناحية والتنازلات بشأن مستويات المعيشة من ناحية أخرى. وقد أدت هذه الإجراءات العلاجية مؤقتا إلى التغطية على الضغوط الأساسية باتجاه وقوع الأزمة.
أولئك الذين عجزوا عن تحليل النظام من زاوية التراكم التنافسي عجزوا عن إدراك ذلك. ويصدق ذلك على المنظرين الغربيين من أنصار الرأسمالية الذين نظروا لفكرة "الشمولية". وقد يبحث المرء في كتاباتهم في الخمسينيات والستينيات عبثا عن بعض الإشارات على أن الأنظمة من النمط الروسي كانت تحتوي على تناقضات اقتصادية بنيوية. كما يصدق أيضا على معظم أولئك الذين رأوا في تلك الأنظمة نوعا من الدول الاشتراكية أو العمالية. وقد كانوا مغالين باستمرار في تفاؤلهم بشأن التوقعات الاقتصادية – ويعكسون بطريقتهم الخاصة أوهام الكينزيين الغربيين.
السلاح والأرباح والحرب الباردة
كانت موازنة السلاح عند القوى العظمى محورية في تطورها الاقتصادي. لكن جذورها لم تكن محدودة بالجانب الاقتصادي. بل كانت تنبع من صراع جديد على تقسيم وإعادة تقسيم العالم بين القوتين الرئيسيتين المنتصرتين في الحرب العالمية الثانية، بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي – أي الحرب الباردة. 
كان لدى الولايات المتحدة طموحا بأن تخترق صناعاتها، وهي الأكثر تقدما وإنتاجية في العالم، الاقتصاد العالمي بأكمله عبر "التجارة الحرة". ولم تكن قوى أوروبا الغربية التي أنهكتها الحرب في موقف يؤهلها لتحديها بصورة مباشرة (رغم أن السياسيين البريطانيين غالبا ما عبروا في أحاديث خاصة عن رغبتهم في ذلك). وكان حكام روسيا في موقف مختلف. فقد انتهت الحرب وهم يسيطرون فعليا على كامل أوراسيا الشمالية، من حدود أوروبا الغربية مباشرة وحتى المحيط الهادئ. ومع انخفاض مستوى الإنتاجية الصناعية إلى أقل من نصف مستوياتها في الولايات المتحدة، لم يكونوا في موقف يؤهلهم للحفاظ على أنفسهم في منافسة اقتصادية عبر التجارة الحرة. لكن كان بإمكانهم منازعة الولايات المتحدة في مساعيها للهيمنة العالمية عن طريق منع دخولها إلى اقتصاد بلدان تحت سيطرتهم – لا في أراضي الامبراطورية الروسية القديمة فحسب، وإنما أيضا في بلدان أوروبا الشرقية التي أخضعوها لأهدافهم العسكرية-الصناعية. ومن جانبها سارعت الولايات المتحدة إلى تدعيم سيطرتها على أوروبا الغربية من خلال تمويل الأحزاب السياسية المسيحية الديمقراطية والاشتراكية الديمقراطية المناصرة لأمريكا، وخطة مارشال لإنعاش الصناعة الأوروبية داخل أطر تلائم مصالح الولايات المتحدة، وتأسيس حلف الناتو العسكري، وإقامة قواعد أمريكية في أوروبا الغربية.  
وجرى تصميم النموذج لأربعين عاما قادمة حيث كل من القوتين العظمتين تتحرك حتى تجذب قدر ما تستطيع من العالم إلى منطقة نفوذها حتى تحقق ميزة استراتيجية على حساب الأخرى. وقد انخرطتا في حرب شرسة من أجل السيطرة على شبه الجزيرة الكورية، لا بسبب الثروة الضئيلة التي كانت لديها آنذاك، وإنما بسبب الأبعاد الاستراتيجية لكل منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ. وحاولت كل منهما على مدار العقود التالية أن تمد مجال نفوذها عبر منح المعونة والسلاح للدول التي تختلف مع خصمها.
كما هو مفهوم غالبا، إن صراع الحرب الباردة لا يمكن تفسيره بالاقتصاد من حيث حساب الربح والخسارة فقط. ففاتورة السلاح عند كل من القوتين العظمتين سرعان ما تجاوزت كل ما كان يأمله حكامهما من مكاسب من وراء زيادة استغلال القوى الأضعف الواقعة تحت سيطرتها. لم يبلغ إجمالي استثمارات الولايات المتحدة الخارجية (ناهيك عن العائد على هذه الاستثمارات وهو أقل كثيرا منها) في أي مرحلة خلال عقدي الأربعينيات والخمسينيات ما يتجاوز إنفاقها على السلاح. حتى في مرحلة "نزع السلاح" قبيل اندلاع الحرب الكورية "بلغ إجمالي الإنفاق العسكري ما يقارب 15 مليار دولار سنويا، وبذلك كان يعادل 25 ضعف إجمالي صادرات رأس المال الخاص."(51) وبحلول عام 1980، ارتفع إجمالي الإنفاق على "الدفاع" إلى حوالي 200 مليار دولار – وقد أصبح الآن أقل من إجمالي الاستثمارات الخارجية التي بلغت 500 مليار دولار، ولكنه مازال أكبر كثيرا من الأرباح التي يمكن جنيها من تلك الاستثمارات.
كان الموقف بالنسبة للاتحاد السوفييتي شبيها بذلك نوعا ما. ففي أعوام ما بين 1945 و 1950 عمد إلى نهب أوروبا الشرقية، بنقل مصانع ومعدات بالجملة من ألمانيا الشرقية ورومانيا، وأجبر المنطقة بالكامل على قبول أسعار أقل من أسعار السوق العالمية عن السلع التي توجه إلى الاتحاد السوفييتي.(52) ولكن حتى في تلك الفترة، لابد أن المكاسب الاقتصادية من وراء ذلك كانت أقل كثيرا من الزيادة في موازنة السلاح للاتحاد السوفييتي ما أن بدأت الحرب الباردة بحق. ومن عام 1955 فصاعدا، دفع الخوف من التمرد في أوروبا الشرقية الحكومة السوفييتية إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية المباشرة على دول الأطراف.
إن الامبريالية التي جعلت الإنفاق العسكري ضروريا لم تك إمبريالية الإمبراطورية الواحدة التي يجني فيها عدد قليل من "الرأسماليين الماليين" في المركز أرباحا فائقة عن طريق إخضاع بلايين البشر. وإنما كانت إمبريالية الامبراطوريتين المتصارعتين التي اضطر فيها مجموع الرأسماليين في كل طبقة حاكمة إلى تحويل الأموال من الاستثمارات الإنتاجية إلى الإنفاق العسكري من أجل ضمان إحكام قبضتهم على ما يملكون بالفعل.
في كل من واشنطن وموسكو، كانت المعادلة بسيطة. إن تخفيض مستوى الإنفاق العسكري كان يخاطر بفقدان التفوق الاستراتيجي لصالح الإمبريالية المنافسة، ما يمكنها من أن تمد مجال هيمنتها. هكذا كان الروس يعيشون في خوف من محاولة الولايات المتحدة "استرداد" أوروبا الشرقية، ما قد ينزع اقتصاد هذه البلدان من قبضة الاتحاد السوفييتي، ويؤدي بدوره إلى احتمال تفكيك الروابط التي تربط الأجزاء الأخرى المكونة للاتحاد السوفييتي بمركزه الروسي (الأمر الذي حدث فعلا في النهاية مع الأزمة السياسية والاقتصادية الكبيرة التي هزت الكتلة الشرقية بكاملها في أعوام 1989 وحتى 1991). وفي نفس الوقت كانت الولايات المتحدة تخاف على هيمنتها. فكما أوضح أحد المتحدثين باسم الولايات المتحدة أثناء الحرب الكورية: "إذا جرى اكتساح أيا من المنطقتين الهامتين الواقعتين على حدود العالم الشيوعي – أي أوروبا الغربية أو آسيا – فسوف ينتاب بقية العالم الحر ضعف كبير… في قوته الاقتصادية والعسكرية."(53)
بمعنى آخر أنه كان ضروريا تحويل كميات هائلة من القيمة إلى وسائل للدمار – لا من أجل الحصول على مزيد من القيمة بل من أجل الحفاظ على ما لديهم فعلا. وهكذا كان منطق المنافسة الرأسمالية في تطبيقه على العلاقات بين الدول. لذلك فإن الحرب الباردة بلغت حد نزاع امبريالي جديد من النوع الذي فصله بوخارين، سرعان مع غطى على الصراعات الامبريالية القديمة بين قوى أوروبا الغربية.
جلاء الاستعمار والتوجه التنموي في جنوب العالم
كان خمسة وثمانون بالمئة من البشر يعيشون خارج البلدان الصناعية المتقدمة. وكانت تجربتهم مع "العصر الذهبي" أبعد ما تكون عن صفة الذهبي. فالغالبية العظمى منهم ظلوا يعيشون في المناطق الريفية، ولم يطرأ تغيير يذكر على الحالة البائسة التي تجتاح حياتهم اليومية.
غير أن تغييرا سياسيا هاما قد حدث. فقد أجبرت قوى أوروبا الغربية تدريجيا على التخلي عن الحكم الاستعماري المباشر، وهي عملية بدأت مع إنهاء بريطانيا بعد ضعفها امبراطوريتها القديمة في الهند التي استمرت 190 عاما في عام 1947 وانتهت مع تسليم البرتغال السلطة لحركات التحرير في أفريقيا عام 1975. وحل نفوذ الولايات المتحدة محل نفوذ أوروبا الغربية في بعض المناطق. فقد سيطرت على جنوب فييتنام عندما انسحب الفرنسيون في عام 1954 – حتى اضطرت هي أيضا إلى الانسحاب بعد أشد الحروب عنفا في منتصف السبعينيات. وقد أصبحت القوة المهيمنة في معظم بلدان الشرق الأوسط وفي أجزاء من إفريقيا. ولكنها، مثل القوى الأوروبية، تراجعت عن الاستعمار الرسمي، مانحة الاستقلال للفلبين ولم تحتفظ بالسيطرة المباشرة إلا على بورتو ريكو.
وكان من النتائج الملازمة المباشرة لهذا التراجع عن الاستعمار المباشر نهاية الصدام القديم بين القوى الغربية حول اقتسام بقية العالم. وبدا أن الدافع نحو الحرب فيما بينها قد ذهب إلى غير رجعة. وصاحب ذلك أيضا، كما رأينا، أمر آخر لم تتوقعه نظريات الإمبريالية الكلاسيكية – هو أن فقدان المستعمرات لم يمنع اقتصاد القوى الغربية عن المشاركة في الرخاء الطويل وتقديم تنازلات برفع مستوى معيشة عمالها بانتظام. وكان لدى البلدان المتقدمة التي لا تملك أي مستعمرات – مثل ألمانيا الغربية واليابان وإيطاليا – اقتصاد توسع بمعدلات أسرع من الجميع. وفي نفس الوقت، وعلى مدى عقدين بعد الحرب، استمرت صادرات رأس المال منخفضة عند المستويات شديدة الضعف التي بلغتها خلال الكساد الكبير في عقد الثلاثينيات. وكما أوضح مايك كيدرون في عام 1962:
"حتى في بريطانيا… تراجعت أهمية صادرات رأس المال تراجعا هائلا: فقد بلغت مؤخرا حوالي 2 بالمئة من إجمالي الناتج القومي مقارنة مع 8 بالمئة خلال الفترة السابقة على الحرب العالمية الأولى؛ وهي تستهلك حاليا أقل من 10 بالمئة من المدخرات مقارنة مع حوالي 50 بالمئة في السابق؛ كما أن العائد على الاستثمار الخارجي أصبح يزيد قليلا على 2 بالمئة من الدخل القومي مقارنة مع … 10 بالمئة في عام 1914."(54) 
وكان الاستثمار الخارجي الذي يحدث فعلا يتقلص في توجهه نحو المناطق الأقل تصنيعا في العالم: "كان النشاط يتركز على نحو متزايد داخل العالم المتقدم، تاركا كل البلدان النامية، إلا قليلا، خارج نطاق الدينامية الجديدة."(55)
وحدث أيضا تحول في الطلب على منتجات العالم الثالث. فقد كانت المواد الأولية القادمة من البلدان الزراعية لاغنى عنها بالنسبة للإنتاج الصناعي في الغرب قبل الحرب العالمية الأولى، وكانت السيطرة الاستعمارية وسيلة هامة للبلدان الصناعية لضمان إمداداتها ومنع منافسيها من الوصول إليها. غير أن بدائل صناعية ظهرت الآن لمعظم المواد الأولية – مثل الأسمدة الصناعية، والمطاط الصناعي، والحرير، والنايلون والبلاستيك. وأدى تحول مواز للزراعة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية إلى تخفيض واردات الغذاء من بقية العالم. وبحلول أواخر الخمسينيات من القرن العشرين لم يعد للانسحاب من المستعمرات في إفريقيا وآسيا ذلك الخطر الذي كان يمثله بالنسبة للصناعيين في البلدان الأوروبية. وبدأت الشركات، التي صنعت ثرواتها من المزارع والمناجم في جنوب العالم، تنويع استثماراتها في مجالات جديدة من النشاط.
كان الاستثناء الوحيد العظيم في هذه الصورة هو النفط. فهو المادة الخام للمواد الأولية، المكون الأساسي في صناعة البلاستيك، والمطاط الصناعي والألياف الصناعية، وكذلك يغطي احتياجات الطاقة التي تتسع بشكل هائل، وهو القوة الدافعة في التكاثر الكبير والمستمر في السيارات والدبابات والطائرات. كما أن إمدادات النفط كانت تكتشف على نحو متزايد خارج أوروبا وأمريكا الشمالية. وبحلول منتصف السبعينيات كانت المملكة العربية السعودية والعراق وإيران والكويت والمشيخات الصغيرة التي تحيط بشبه الجزيرة العربية هي البلدان ذات الأهمية – كما اتضح من خلال الانقطاع المؤقت في الإمدادات خلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973. ولم يكن مصادفة أن النسخة الوحيدة من الاستعمار على النمط القديم التي استمرت في الحصول على دعم غير محدود من جميع الدول الغربية كانت دولة إسرائيل الاستيطانية – دعمتها الامبريالية البريطانية في سنواتها الأولى "كوطن لليهود"، وأمدتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بالسلاح للاستيلاء على 78 بالمئة من فلسطين في عام 1948، وتحالفت معها بريطانيا وفرنسا في هجومها على مصر في 1956، ومنحتها الولايات المتحدة دعما كاملا في العدوان الذي وهبها السيطرة على بقية فلسطين في يونيو 1967.(56)
الحكومات المحلية والتنمية الرأسمالية
كان تفكك الامبراطوريات الاستعمارية الأوروبية واقعا ذا أهمية بالغة بالنسبة لما يقرب من نصف سكان العالم الذين عاشوا تحت سلطاتها. كما أنه طرح بصورة أو بأخرى أسئلة شديدة الأهمية على أولئك الذين قاتلوا ضد سلطة تلك الامبراطوريات. فماذا حدث للإمبريالية – والنضال ضدها – إذا لم تعد الامبراطوريات قائمة؟
كان الرد عند كثير من الاشتراكيين الديمقراطيين والليبراليين في الغرب هو الزعم بأن الإمبريالية لم تعد موجودة. كانت هذه على سبيل المثال هي النتيجة التي توصل إليها جون ستراشي. وقد رأى في كتابه نهاية الامبراطورية (1959) أن ارتفاع مستويات المعيشة كان يعني أن الشركات لم تعد تحتاج إلى المستعمرات لاستيعاب الفائض ومنع أزمة الإنتاج الزائد. أي كان يقول، من الناحية العملية، أن بديل هوبسون للإمبريالية، أي تنشيط الاقتصاد المحلي، قد هيمن وحل مشكلات النظام.
رفض قطاع هام من اليسار هذا المنطق. فقد شاهدوا أن الدول التي كانت مستعمرة ما تزال موبوءة بالفقر والجوع – وأن الشركات الغربية التي استفادت من الامبراطورية استمرت راسخة بداخلها. وعلاوة على ذلك، لم تكن نهاية الامبراطوريات الأوروبية نهاية للعنف الذي يمارس على شعوب العالم الثالث، مع التقاط الولايات المتحدة الهراوة من الأوروبيين الراحلين.  
غير أن رفض الكلام السطحي حول نهاية الإمبريالية كان يصحبه غالبا اقتباس من تحليل لينين في عام 1916، يردد على طريقة الببغاوات، دون إدراك للتغيرات التي وقعت منذ كتابته. فإصرارهم على أن القوى الغربية العظمى كانت مدفوعة بتقسيم وإعادة تقسيم العالم فيما بينها عبر الحكم الاستعماري المباشر لم ينطبق على وضع حصلت فيه المستعمرات على استقلالها. وكان رد معظم اليساريين هو إعادة تعريف الإمبريالية حتى تعني مجرد استغلال العالم الثالث من قبل الطبقات الرأسمالية الغربية، والتخلي عن الاندفاع نحو الحرب بين القوى الإمبريالية رغم مركزيته في نظرية لينين لصالح ما كان في حقيقته رؤية كاوتسكي عن الامبريالية الفائقة (Ultra-Imperialism). وفي نفس الوقت، قاموا ببساطة باستبدال الحديث عن الاستعمار بحديث عن "المستعمرات الجديدة" أو "أشباه المستعمرات".
وقد كتب لينين عن "أشباه المستعمرات". وكان يقصد بها مناطق مثل الصين في زمن الحرب العالمية الأولى، عندما كان "الاستقلال" يخفي استمرار الخضوع السياسي للقوى المسلحة الأجنبية في احتلال جزئي للبلاد. في بعض المناطق كانت الأوضاع شبيهة بذلك بعد نهاية السيطرة الاستعمارية المباشرة في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. وفي حالات كثيرة، كانت الإدارات الاستعمارية الراحلة قادرة على ضمان أن يتسلم مواقعها صنائعها، مع استمرار كبير في أشخاص من يتولون مواقع في الدولة، خاصة عندما يتعلق الأمر بوظائف هامة في القوات المسلحة. هكذا، مثلا، منحت فرنسا "الاستقلال" لمناطق شاسعة في غرب ووسط أفريقيا عبر تسليم السلطة لأشخاص استمروا كما في السابق يعملون مع الشركات الفرنسية، ويستخدمون العملة الفرنسية – ويطلبون القوات الفرنسية بين حين وآخر من أجل الحفاظ على "النظام".
غير أن الاستقلال في بعض من أكثر الحالات أهمية كان يعني استقلالا فعلا. ولم تتقدم حكوماتها فحسب إلى الحصول على مقاعد في الأمم المتحدة وتأسيس سفارات لها في مختلف أنحاء العالم، وإنما أيضا تدخلت في الاقتصاد، لتؤمم الشركات الاستعمارية، وتنفذ إصلاحا زراعيا، وتطلق برامج للتصنيع تلهمها دعوات منظري التنمية الاقتصادية أو غالبا روسيا ستالين. وقد اتخذت هذه الإجراءات بدرجات متفاوتة من النجاح أو الفشل في الهند ومصر وسوريا والعراق والجزائر وإندونيسيا وغانا وغينيا الاستوائية وأنجولا وكوريا الجنوبية، وكذلك من جانب أنظمة أكثر راديكالية مثل الصين وكوبا وفييتنام. وبمرور الزمن، بدأت حتى بعض أنظمة مابعد الاستعمار الخاضعة في اتباع نفس الطريق. ويصدق ذلك، مثلا، على النظام الماليزي(57) وعلى نظام الشاه في إيران في عقد الستينيات وأوائل سبعينيات القرن الماضي، وكذلك على النظام التايواني. بل حتى الديكتاتور موبوتو، الذي تولى السلطة بمساعدة المخابرات المركزية الأمريكية في كونغو-زائير في عام 1965، المناجم الكبرى لشركة يونيون مينيير دو أوت كاتانجا للتعدين علاوة على 70 بالمئة من أرباح التصدير بعد ثلاث سنوات.
كان وصف أنظمة مثل مصر عبد الناصر وهند نهرو بأنها "استعمار جديد" أو "أشباه مستعمرات" تقليدا يثير السخرية – كما كان بالنسبة للأنظمة "الشعبوية" في أمريكا اللاتينية أو لحكومات حزب فيانا فيل في إيرلندا. ففي كل حالة من هذه الحالات بذلت جهود لا من أجل إقامة كيانات سياسية مستقلة فحسب، بل أيضا مراكز مستقلة لتراكم رأس المال. وهذه المراكز عملت داخل عالم تهيمن عليه رأسماليات البلدان المتقدمة الأكثر قوة بكثير، ولكنها لم تكن بأي معنى مجرد دمى تتلاعب بها.
وقد أشارت نظرية "تنموية" جديدة إلى الوسائل التي بواسطتها كانت تهدف هذه البلدان إلى إغلاق الفجوة بين اقتصادها واقتصاد البلدان الصناعية المتقدمة. ورأت هذه النظرية أن آليات السوق الرأسمالية لا يمكنها إنجاز هذا الهدف. وكما تذكر فريق عمل البنك الدولي فيما بعد عن "النموذج المهيمن في ذلك الوقت":
"كان يفترض أن الأسواق لا يمكن الاعتماد عليها في المراحل الأولى من التنمية، وأن الدولة سوف تكون قادرة على توجيه عملية التنمية… وقد تأثر صناع السياسة أيما تأثير بنجاح التخطيط الذي تقوم به الدولة في إنجاز التصنيع في الاتحاد السوفييتي (حيث كانوا يتصورون ذلك). وقد أيدت مؤسسات التنمية الكبرى (بما فيها البنك الدولي) هذه الآراء بدرجات متفاوتة من الحماس."(58)
وكما كانت النظرية الكينزية مسيطرة على علم الاقتصاد البرجوازي في البلدان المتقدمة في ذلك الوقت، كذلك كانت نظريات "إحلال محل الواردات" والدولنة سائدة فيما يتعلق بالعالم الثالث. وكانت المؤسسة الرئيسية التي تناصر هذه النظريات في الأربعينيات والخمسينيات هي مفوضية الأمم المتحدة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ذات التأثير البارز، والتي كان يديرها الاقتصادي الأرجنتيني راؤول بريبيش. وكانت ترى أن التنمية لا يمكن أن تتحقق إلا إذا تدخلت الدولة لمنع الاستيراد حتى تشجع نمو الصناعات المحلية(59)، لأنه بخلاف ذلك، سوف يمنع "الاعتماد" على الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة عملية التصنيع."(60)
وقد هيمنت طبعات أكثر راديكالية من "نظرية التبعية" هذه على قطاع كبير من اليسار في مختلف أنحاء العالم خلال ستينيات القرن العشرين. وسيطرت كتابات بول باران (خاصة كتابه الاقتصاد السياسي للتنمية) وأندريه جوندر فرانك (الذي تحدث عن "تنمية التخلف")(61) على كثير من الفكر الماركسي في هذا المجال (رغم أن جوندر فرانك لم يعتبر نفسه ماركسيا.(62)
كتب باران:
"إن النظام الرأسمالي في هذه البلدان يمثل إطارا للركود الاقتصادي، والتكنولوجيا المتخلفة والتخلف الاجتماعي، بدلا من أن يعمل كقاطرة للتوسع الاقتصادي والتقدم التكنولوجي والتغيير الاجتماعي.(63)"
وأضاف:
"إن إقامة اقتصاد اشتراكي مخطط شرط جوهري لا غنى عنه لتحقيق تقدم اقتصادي واجتماعي في البلدان المتخلفة.(64)"
كان جوندر فرانك على نفس الدرجة من الإصرار، فكتب:
"لم يحقق بلد من البلدان التي ارتبطت بالمركز في أطرافه عبر الاندماج في النظام الرأسمالي العالمي مكانة البلد المتقدم اقتصاديا إلا عندما تخلى أخيرا عن النظام الرأسمالي.(65)"
كان معنى الاشتراكية عند باران والقطع مع الرأسمالية عند جوندر فرانك هو اتباع نموذج روسيا الستالينية.(66)
كانت حجة نظرية "التبعية"، سواء في شكلها السائد أو الراديكالي، حجة ضعيفة. فقد افترضت أن الرأسماليين من البلدان المتقدمة الذين يستثمرون في العالم الثالث سوف يتعمدون عدم إقامة صناعة حتى عندما تكون رابحة. لكن ذلك كان منافيا للحقائق. فقبل الحرب العالمية الأولى، كان هناك تمويل أجنبي كبير للتنمية الصناعية في روسيا القيصرية، والأرجنتين والمستعمرات البريطانية. كما أن الدول الغربية لم تستخدم في جميع الأوقات قوتها لمنع عملية التصنيع. بل إنها أحيانا فعلت وأحيانا أخرى لم تفعل. وأخيرا، لا تفقد أي طبقة حاكمة في بلد من البلدان التي تعتمد على بلدان رأسمالية أكبر في كثير من تجارتها واستثماراتها كامل قدرتها على أن تشق طريقا مستقلا لتراكم رأس المال. فمثلا كانت الاقتصادات الأوروبية لفترة طويلة معتمدة بدرجة كبيرة على ما يحدث في اقتصاد الولايات المتحدة دون أن تتحول الطبقات الحاكمة الأوروبية إلى مجرد دمى أمريكية.
كان الرأي القائل بأن "الرأسمالية تعني التخلف" من الانتشار حتى أن أناسا أعادوا قراءته في بعض الكلاسيكيات الماركسية. واقتبس باران من لينين حتى يدعم حجته، بينما استطاع شخص في ذكاء نايجل هاريس أن يرجع هذه الآراء إلى "البلاشفة في عام 1917."(67)
حقيقة الأمر أن كتابات لينين عن الإمبريالية قدمت رأيا مختلفا تماما، كما فعلت كتابات تروتسكي في أواخر عشرينيات القرن العشرين. فقد كتب لينين أن تصدير رأس المال "يسرع وتيرة نمو الرأسمالية في البلاد التي يصدر إليها،"(68) بينما كتب تروتسكي أن الرأسمالية "تلغي التفاوت في التطور الاقتصادي والثقافي بين معظم البلدان المتقدمة ومعظم البلدان المتخلفة،"(69) حتى وإن فعلت ذلك وهي "تطور بعض أجزاء الاقتصاد العالمي بينما تعرقل تنمية أجزاء أخرى وتدفعها للخلف."(70)
إن ما فعلته نظرية التبعية من التيار السائد لفترة من الزمن هو أن وفرت التبرير الأيديولوجي للوسائل التي مكنت حكام بعض الدول المستقلة سياسيا من تحقيق مستويات مذهلة من التراكم، حتى وإن كان لفترة فقط. فكان معدل النمو الاقتصادي في الأرجنتين خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي يقارن بمعدل النمو الاقتصادي في إيطاليا،(71) وبحلول أوائل السبعينيات كان ثلث قواها العاملة يعملون بالصناعة، مع 13 بالمئة فقط يعملون بالزراعة. وكان معدل النمو في البرازيل البالغ 9 بالمئة واحدا من أعلى المعدلات في العالم، وبحلول منتصف الثمانينيات استطاعت مجلة الإيكونومست أن تشير إلى مدينة ساوباولو باعتبارها "ديترويت في طور التكوين".(74) وشهدت كوريا الجنوبية نموا اقتصاديا سريعا بلغ 8 بالمئة سنويا بعد استيلاء جنرال بارك تشونج هي على السلطة في عام 1961 وإجباره الشركات الكبيرة (أو التشيبول) على العمل في إطار وضعته الدولة وأطلق عملية تصنيع على نمط رأسمالية الدولة.
وفي الصين، حيث اقتربت سيطرة الدولة على الاقتصاد أكثر من النموذج الروسي الذي تبناه منظرو التبعية الراديكاليون، لم يكن معدل النمو الاقتصادي أعلى من هذه الأرقام بمجرد أن أكملت المرحلة الأولى القصيرة من الانتعاش الاقتصادي بعد عشرين عاما من الحرب الأهلية والغزو الياباني. وقد أدى فرض الخطط التي حولت الموارد نحو الصناعات الثقيلة الجديدة – مثل الصلب والأسمنت والكهرباء – في بلد شديد الفقر ويغلب عليه الطابع الزراعي مثل الصين في أوائل خمسينيات القرن العشرين، إلى ضغوط شديدة على مستوى معيشة الأغلبية الساحقة من السكان. وعبر فرض ضرائب عنيفة على إنتاجهم، فقد صغار الفلاحين ما كانوا حصلوا عليه من مكاسب عبر الإصلاح الزراعي في العقد السابق. ثم جاءت في النهاية المحاولة الكارثية للتجميع عبر ما أطلق عليه كوميونات الشعب، في مساع لتحقيق "قفزة كبيرة للأمام" في التنمية الاقتصادية. وأدت هذه القفزة إلى تخفيض إجمالي الناتج الزراعي، وأحدثت مجاعة في مناطق شاسعة من الريف، وكان لزاما التخلي عنها. وكان جانب كبير من الصناعة الجديدة يغيب عنه الكفاءة. إن نمو الصناعة الثقيلة بما لا يتناسب إطلاقا مع ما كان يجري في باقي الاقتصاد نتج عنه نقص حاد في المدخلات المطلوبة حتى تستمر المصانع في الدوران، وإنتاج سلع أخرى ليس لها فائدة آنية. وكانت هناك تقلبات هائلة من فترات تتسم بالتوسع الصناعي السريع إلى فترات تتسم بالركود تقريبا، وكثير من المصانع العملاقة الجديدة الفخمة لم تتمكن من العمل إلا بجزء ضئيل من طاقتها الإنتاجية.  
عادة كان يحدث النمو حتى في البلدان التي لم تكن ناجحة بقدر نجاح البرازيل وكوريا الجنوبية. فقد حقق الإنتاج الصناعي في الهند نموا بنسبة 5.3 بالمئة سنويا من عام 1950 وحتى عام 1981، وحقق الإنتاج الزراعي نموا بنسبة 2.3 بالمئة، حتى برغم الإحباط المستمر إزاء عدم قدرة الاقتصاد تجاوز معدل النمو "الهندوسي" البالغ 4 بالمئة.  وكان لدى إفريقيا جنوب الصحراء معدلات نمو للفرد تدور حول 2 بالمئة في أوائل ستينيات القرن العشرين، والتي "ارتفعت إلى 5 بالمئة تقريبا بحلول نهاية ذلك العقد."(75) وحققت مصر، التي قام زعيمها عبد الناصر بتأميم كامل للصناعة تقريبا، نموا بحوالي 6 بالمئة سنويا خلال النصف الأول من عقد الستينيات. هذه النتائج من حيث مستويات النمو الاقتصادي كانت كافية لإقناع أحد الماركسيين من دعاة المراجعة هو بل وارين بأن يستنتج في بداية سبعينيات القرن العشرين أن معظم بقية اليسار كانوا على خطأ. وقد استطاعت بلاد من العالم الثالث أن تلحق بالغرب دون القطع مع الرأسمالية:
"إن فرص نجاح التنمية الاقتصادية الرأسمالية (ويتضمن ذلك التصنيع) لعدد كبير من البلدان المتخلفة الرئيسية فرص جيدة…وقد تحقق فعلا تقدم كبير في التصنيع الرأسمالي… وفي حال وجدت عقبات في سبيل هذه التنمية، فإن جذورها لا ترجع إلى العلاقات الحالية بين الإمبريالية والعالم الثالث، ولكن تعود بالكامل تقريبا إلى التناقضات الداخلية للعالم الثالث نفسه… إن سياسات البلدان الإمبريالية وتأثيرها الكلي على العالم الثالث تشجع عملية تصنيعه من الناحية الفعلية…"(76)
وقد عرض أرقاما تكشف النمو الاقتصادي الحقيقي بالنسبة للفرد الذي كان يحدث في الواقع. وكان يقف على أرضية قوية في تحدي افتراض الطبعة الراديكالية من نظرية التبعية. كذلك أيضا كان موقفه قويا عندما طرح فكرة أن اليسار أذا كان يرى أولويته الرئيسية في تأييد الأنظمة التي تتجه للتصنيع كأنظمة "ضد الإمبريالية" فإنه قد "يجد أنه يدعم مباشرة أنظمة برجوازية تستغل وتقمع العمال والفلاحين كما في بيرو وفي مصر بينما تستخدم خطابا معاديا للإمبريالية."(77)
لكن تحليله كان يفتقد إلى أي تفسير حقيقي للتفاوت الهائل بين بلدان العالم الثالث، رغم أن أرقامه نفسها كانت تكشف أن معدل النمو السنوي للفرد في اثنين من أكثر البلدان سكانا، هما الهند وإندونيسيا، لم تتجاوز 1.2 بالمئة و 1 بالمئة (وذلك مقارنة مع 6.8 بالمئة في كوريا الجنوبية، 4.9 بالمئة في تايلاند و 7.1 بالمئة في زامبيا). كما أنه عجز عن إدراك أن النمو الرأسمالي السريع لا يكون بالضرورة سلسا ومتصلا عبر الزمن:
"إن الاستثمار الخاص في العالم الثالث يخلق على نحو متزايد شروط اختفاء الإمبريالية كنظام لعدم المساواة الاقتصادية بين الأمم في النظام الرأسمالي العالمي، … ولا يوجد أي حدود من حيث المبدأ لهذه العملية."(78)
وقاده ذلك إلى نبوءة سرعان ما ستخضع للاختبار ويثبت خطؤها بطريقة درامية:
"فيما يتعلق بتوقعات المستقبل، رؤية البنك الدولي أن أغلبية البلدان في السبعينيات لن تواجه مشكلات خدمة الديون كما في الستينيات… وتقدم الأعوام الثلاثة الأولى من عقد السبعينيات إشارة قوية أن الحال سيكون كذلك."(79)
تناول وارين الرؤية الفجة لجوندر فرانك وباران التي كانت تتبنى استحالة التنمية وقلبها ببساطة رأسا على عقب. وكان يفتقد إلى أي إدراك لطابع النمو الاقتصادي الفوضوي الذي يستعصي على التوقع في المناطق الأضعف من النظام العالمي الذي أكد عليه تروتسكي عندما أقر بأن الرأسمالية لا تؤدي دائما إلى الركود:
"إن الرأسمالية، عبر التقريب بين البلدان وبعضها من الناحية الاقتصادية وتسوية الفوارق بينها في مراحل تطورها، تعمل بوسائلها الخاصة، أي بالوسائل الفوضوية التي تقوض بانتظام عملها نفسه، تضع بلدا في مواجهة الآخر، وفرعا من فروع الصناعة في مواجهة فرع آخر، تنمي بعض أجزاء الاقتصاد العالمي بينما تعرقل التنمية في أجزاء أخرى وتدفعها للوراء… وتحقق الإمبريالية… هذا "الهدف" بواسطة تلك الوسائل العدائية، وتلك الغارات ووثبات النمر على البلدان والمناطق المتخلفة حتى أن توحيد وتسوية الفوارق في الاقتصاد العالمي الذي تحققه يتداعى على يديها على نحو أكثر عنفا وتشنجا بكثير منه في العصر السابق."(80)
وقد كانت حقيقة سوف تضر بحياة مئات الملايين من البشر على مدى العقود الأربعة التالية.
في جنوب العالم، كما في الغرب واليابان والكتلة الشرقية، سمحت نماذج مختلفة مما أطلق عليه لينين وبوخارين "رأسمالية الدولة" بانطلاق مرحلة طويلة من النمو الاقتصادي. غير أن أولئك الذين استنبطوا من ذلك أن يشهد العالم مستقبلا سلسا خاليا من الأزمات سرعان ما ثبت أنهم على خطأ.