الخميس، 24 فبراير 2011

النظام‮ ‬يناور لضرب الحركة الجماهيرية

رمضان متولي

سقط الديكتاتور ولم يسقط نظامه.. فتحت انتفاضة 25 يناير أبوابا واسعة لتحقيق ثورة سياسية واجتماعية شاملة..  وكان طبيعيا في بداية الانتفاضة ان يتركز شعارها الرئيسي علي رحيل الديكتاتور، وكانت الميزة الرئيسية لهذا الشعار أنه استطاع ان يوحد مختلف الأطياف السياسية من الإخوان المسلمين وحتي اليسار الراديكالي، مرورا بالليبراليين والقوميين علي مختلف تشكيلاتهم تحت مظلة واحدة، كما استطاع ان يؤلف بين فئات وشرائح اجتماعية متباينة في مصالحها ومواقفها، من المهمشين والعاطلين في احياء المدن الفقيرة إلي العمال والموظفين في القطاعين الرسمي وغير الرسمي، وشرائح مختلفة من الطبقة الوسطي الحديثة.
لكن اسوأ ما يحدث في النظم الديكتاتورية هو الإمكانية الواسعة لاستفادة الطبقة الحاكمة من التضحية برمز النظام مع الحفاظ علي النظام نفسه في مواجهة حركة جماهيرية جارفة أي تحويل نقطة الضعف الرئيسية في النظام الحاكم -سيطرة الحاكم المستبد- إلي فرصة للمناورة والالتفاف علي مطالب الحركة الجماهيرية وتفتيت قواها.
ما يحدث في مصر منذ 25 يناير حتي الآن سلسلة من المناورات التي تدور حول هذه الاستراتيجية -اي احتواء حركة الجماهير وتفتيتها وتأليب قطاعات منها علي الاخري لاضعافها وتفريغها من مضمونها الثوري من اجل الحفاظ علي النظام الحاكم.
جاءت المناورة الاولي من الديكتاتور نفسه عندما قام بتعيين واحد من اخلص اعوانه -عمر سليمان- نائبا لرئيس الجمهورية وذلك بعد المعركة الدامية التي شنها جهازه القمعي بقيادة حبيب العادلي يوم جمعة الغضب في 28 يناير الماضي.
أكد الرئيس المخلوع ان اجهزة القمع كانت تتصرف مع الانتفاضة وفقا لتعليماته، وقدم بعض التنازلات الشكلية محاولا التشبث بما تبقي له من سلطة علي رقابنا، وقام بتعيين نائب لرئيس الجمهورية وتكليف لجنة لتعديل بعض مواد الدستور المهترئ.
فشلت المناورة بعد ان كشف عمر سليمان عن نفسه فرأت الجماهير الثائرة في حديثه المغرور وتضليله العمدي استمرارا لأسلوب استاذه وولي نعمته.
فكانت مناورة اخري بتغيير الحكومة والتضحية ببعض الوزراء الذين ارتبطوا بعصابة جمال مبارك وموجة استقالات من قيادات الحزب الوطني.
لكن الانتفاضة كانت تتسع وتتعاظم قوتها ويزداد زخمها في كل ثانية تمر دون تحقيق شعارها الجامع برحيل الديكتاتور الآن وفورا، وكانت كل مواجهة تنطوي علي مسحة من غرور أركان النظام تقابل بتصعيد المطالب والاصرار علي التحدي، خاصة بعد هزيمة خط الدفاع الاول عن النظام متمثلا في اجهزة القمع الداخلية من امن مركزي وشرطة امام بطولة الجماهير الثائرة.
وامام هذه البطولات الخارقة للعادة وذلك الاصرار والزخم الثوري الهائل اضطرت اركان النظام الي استخدام الورقة الاخيرة وهي التضحية بالديكتاتور والتخلي عن كل الادعاءات الفارغة حول اخلاق المصريين وعن محاولة التلاعب بعواطفهم والتي كان يتخللها بين الحين والاخر محاولة استعداء فئات اخري من السكان علي المتظاهرين ومحاولات عديدة للقمع بالتواطؤ مع فلول جهاز الشرطة والبلطجية وتغاضي قيادات الجيش عن مؤامراتهم.
وبمجرد رحيل الديكتاتور، عمت الفرحة الميادين في القاهرة والاسكندرية والسويس والمنصورة ومحافظات الصعيد، وكل شوارع مصر، وفي غمرة البهجة وزهو الانتصار بدأت تتردد شعارات من قبيل »الشعب خلاص أسقط النظام«.
وجاء بيان المجلس العسكري، الذي تولي السلطة بتفويض من الرئيس المخلوع نفسه، ليعترف للجماهير بحقها في الانتصار وبشرف الانتفاضة المجيدة ويقدم تحية واجبة لشهدائها، لكنه طالب بفض الاعتصام والعودة الي الحياة الطبيعية.
لم تكن تلك اخر الاوراق التي يقدمها النظام من اجل احتواء الحركة الجماهيرية، لكنها نجحت الي حد كبير في تقسيم الجبهة العريضة والفضفاضة التي خرجت تحت شعار »الشعب يريد اسقاط النظام«، خاصة بعد ان اتجه المجلس العسكري الي التعامل مع الفترة الراهنة باعتبارها فترة انتقالية وبدأ في استدعاء بعض القوي وعلي رأسهم جماعة الاخوان المسلمين للتفاوض حول ترتيبات الاوضاع الجديدة، وبعد ان بدأت الشرائح العليا من الطبقة المتوسطة تخشي من الابعاد الهائلة للحركة الجماهيرية التي لم تكن دوافعها مجرد تحقيق بعض الاصلاحات السياسية علي النظام القائم.
وجاء اتساع حركة الاضرابات العمالية واحتجاجات صغار الموظفين والعمالة المؤقتة وغيرها ليكشف عن الفرص الحقيقية للتغيير الجذري للنظام الحاكم بعيدا عن الاصلاحات الشكلية في بنية المؤسسة السياسية، فالجماهير تعني حقا وتريد فعلا اسقاط النظام.
هنا بدأت الحركة بالفعل تدخل معتركًا جديدًا، لأن الجيش لا يريد إسقاط النظام بل الحفاظ عليه، حتي وإن بدأ في التضحية ببعض رموز الفساد في هذا النظام من أجل احتواء الحركة الجماهيرية. وهنا أيضا بدأت القطاعات المختلفة التي شاركت في الحركة تنقسم وفق انحيازاتها الاجتماعية، ومصالحها القطاعية والطبقية، لكن تباطؤ المجلس العسكري في الاستجابة لمطالب الإصلاح السياسي والمؤسسي ما زال عاملا مهمًا في عدم وضوح هذه الانقسامات حتي الآن.
إن موجة الإدانة للمطالب الاجتماعية للعمال والموظفين التي بدأت تنتشر في مختلف وسائل الإعلام، والتي لا تخلو من التحريض المكشوف ضدها، تؤكد حدة هذا الانقسام كما تشير إلي المناورة الأخيرة التي تهدف إلي قمع الثورة واختزالها إلي انتفاضة سياسية لا تحقق إلا مصالح قطاع من النخبة التي عانت من العزلة والتهميش تحت حكم الديكتاتور المخلوع.
غير أن هذه الاحتجاجات والإضرابات العمالية تمثل الضمانة الحقيقية وربما الوحيدة لتحقيق تغيير جذري في النظام الذي ما زال حاكما، حتي وإن اهتزت الأرض تحت أقدامه بسبب الزلزال الذي أحدثته الانتفاضة الجماهيرية الباسلة.
إذا استطاعت هذه الإضرابات والاحتجاجات تنظيم صفوفها عبر انتخابات قاعدية بين العمال والموظفين وتكوين تشكيلات ديمقراطية ومجالس وهيئات نقابية علي مستوي المصنع والمؤسسة والقطاعات والأحياء والمدن، سوف تتطور قدراتها الفعلية علي إنشاء مؤسسات جديدة لنظام جديد يحقق الشعار الحقيقي الذي خرجت الجماهير في 25 يناير لتحقيقه »حرية، كرامة، عدالة اجتماعية«، وسوف تغير هذه المؤسسات موازين القوي علي الأرض وتتمكن من مواجهة بقايا النظام الحاكم والفاسدين في كل مؤسسة وفي كل مصنع وفي كل حي علي امتداد البلاد شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.
أما الاعتراف بمشروعية مطالب الجماهير مع الدعوة لتأجيلها إلي ما بعد المرحلة الانتقالية واستعادة النشاط الاقتصادي وخلافه، فهي دعوة منافقة في أقل تقدير لها، لأنها تتجاهل أن الجهاز الوحيد الذي حصل علي مطالب مالية، نتيجة مظاهرات من هذا النوع هو جهاز الشرطة الذي تمت زيادة حوافز ضباطه وأفراده بنسبة %100 فورا، مما يكشف عن طبيعة ما يعد للجماهير في هذه المرحلة الانتقالية من إعادة بناء أجهزة القمع.
أكثر الادعاءات تطرفا في مواجهة الإضرابات والاحتجاجات العمالية تمثل في الأكاذيب الفاشية التي تزعم أن محركها الآن هو الحزب الوطني وجهاز مباحث أمن الدولة لإحداث ثورة مضادة! ويتجاهل مروجو هذه الأكاذيب أن احتجاجات المواطنين وإضرابات العمال لم تتوقف منذ عدة أعوام قبل انتفاضة 25 يناير وكانت تواجه بشراسة من أجهزة القمع التي قتلت منهم عددا قبل ذلك كما قتلت العديد من شهداء 25 يناير، كما يتجاهلون أيضا أن هذه الإضرابات والاحتجاجات كانت تطالب بمواجهة الفساد ومقاومة الحزب الوطني ورموزه حتي إن إضراب المحلة في عام 2008 كان يطالب بإسقاط حسني مبارك.
وكل ما حدث في هذه الاحتجاجات والإضرابات أن ازدادات زخما وانتشارًا وثقة في القدرة علي تحقيق أهدافها بعد انتصار الانتفاضة ونجاحها في خلع الديكتاتور السابق، وهو أمر طبيعي جدا ويحدث في كل الثورات وليس استثناء. إن الثورة المضادة- إذا صحت التسمية- تجهز حاليا من خلال محاولة اختزال حركة الجماهير في بعض الإصلاحات السياسية الشكلية والتضحية ببعض رموز الفساد التي ارتبطت بعهد حسني مبارك دون المساس بجوهر النظام القائم علي الاستغلال والظلم الاجتماعي في مواجهة مطالب الحركة الجماهيرية بتحقيق العدالة الاجتماعية.

السبت، 12 فبراير 2011

الشعب يريد إسقاط النظام، لا تغيير المساحيق

رمضان متولي



ورحل الديكتاتور … انتفاضة شعبية هائلة لم تكن بلا طائل ولن تكون، دماء زكية طاهرة ألهبت ساحة الميادين التي دارت عليها معارك هادرة، وأججت حماس الملايين الذين قدموا أروع آيات البطولة في مواجهة الحديد والنار.

رحل الديكتاتور بعد مراوغة ومناورة لم تنطل على شباب في عمر الزهور، كشفوا صدورهم عارية أمام رصاصات جنوده، ورفعوا حناجرهم منددة برموزه وأفراد عصابته الإجرامية. حشود من اللحم والدماء الساخنة والأحلام الطائرة والأصوات الراعدة ألهمت خيالهم الغض فرسموا صورا للديكتاتور مرتديا قناع هتلر، وهتفوا بسقوط نيرون الذي أراد أن يحرق الأرض تحت أقدامة الثقيلة الغاشمة.

نيرون رحل دون أن يتمكن من إحراق الأرض، أبناء هذه الأرض تشبثوا بها حتى زلزلت من تحت أقدامه وأقدام اللصوص والمماليك من أنصاره، خرج من رحمها شعب وإرادة، عيون لامعة بالأمل وسواعد فتية ألقت رواسيها وأجرت في صخورها الروح فأزهرت أحلاما وقلوبا لا تعرف المستحيل.

كانت الانتفاضة عيدا حقيقيا للمقهورين في جهات الأرض، وحدت جميع الأطياف شبابا وشيوخا، رجالا ونساءا، مسلمين ومسيحيين، ليبراليين ويساريين وقوميين وإسلاميين في مواجهة رمز النظام البوليسي وحكم العصابات الذي لم يسانده إلا من استفادوا والتحقوا بمؤسسة الفساد والاستبداد التي عزز قواعدها طوال ثلاثين عاما من عهده البغيض.

راهن الديكتاتور عند رحيله على سيناريوهات مختلفة، كان يظن في نفسه القدرة على احتواء مالا يمكن احتواؤه، كان يظن في نفسه القدرة على ابتزاز مشاعر الجماهير الغاضبة التي أنهك حواسها بالقهر والظلم والإحباط والفقر والتمييز والفتن على مدى عقود حكمه السوداء، ورغم نجاحه جزئيا في ابتزاز مشاعر من سكنوا إلى بيوتهم بسبب ميراث اليأس والخوف، لم يستطع أن يستمر في إخفاء الصورة الحقيقية لنظامه البوليسي وعصاباته التي ما لبثت أن شنت حملة الأربعاء الدامي وأسقطت ما تبقى لنظامه من هيبة وكرامة زائفة.

سقط الديكتاتور فعليا عندما زال كابوس الوهم والغشاوة عن أنفس الأحياء، لكنه تشبث إلى اللحظة ما بعد الأخيرة عندما أسند السلطة لبعض من أذرعه الأخطبوطية، فجاء عمر سليمان بترسانة الأكاذيب والقهر والغرور القديمة، وكأن الأرض ما كانت تميد، وكأن بركان الغضب لم يلمس هواء التكييف البارد في صالونه الكلاسيكي. لم يعرف سليمان مع من يتكلم لأنه أصر ألا يحاور إلا نفسه، لم يعرف كيف يتصرف لأنه أصر ألا يرى غير هيلمان الغرور والعظمة الزائفة. سقط سليمان عندما نطق فعرفه الناس، وانهار البناء الصخري الجامد على رؤوس من أقاموه على جثث ملايين الشهداء والأحياء بلا حياة على مدى عقود.

الشعب يريد إسقاط النظام … كلمات واضحة صريحة مباشرة، تستمد قوتها وعنفوانها من ملايين الحناجر التي هزت بنايات شاهقة في ميادين مصر المختلفة، تستمد صلابتها من قوة وإصرار وعزم الجماهير التي تفتحت عيونها على فجر كانت تراه بازغا خلف دخان القنابل وسحب القهر السوداء.

الشعب يريد إسقاط النظام، والنظام يناور محاولا التلاعب بمشاعرهم التي اختلط فيها الخوف من ميراث القهر البغيض والأمل في مستقبل أفضل لهم ولأبنائهم، يحاول ابتزاز عواطفهم بعد أن كشفوا عن قلوب غضة كعناقيد الورد، وروح طيبة حانية ظن أنها تعفنت وأكلتها الضغائن. كان ذلك تصريحا بأنه لم يفهم بعد أن تلك الروح الجديدة تنتمي إلى عهد جديد، لم يفهم أن في بقائه وأدا لهذه الروح الجديدة الحرة، وأن العفن والضغائن مخلفات ما زرعه في نفوس تلك الجماهير التي رماها بالسرطان والذل والقهر طوال حكمة التعيس. الآن هم يكتشفون أنفسهم من جديد ويريدون إسقاط نظامه الذي حجب عنهم الرؤية وحرمهم من نعمة الضوء بعد أن لفهم في ظلام اليأس والقنوط.

رحل الديكتاتور وأصابعه السوداء اللزجة كأذرع العنكبوت. الآن ننفض غبار القهر والإحباط. انتصرت الجماهير في معركتها الأولى ضد نظام فاسد وطاغية مستبد، كان الثمن باهظا، دفعته الجماهير ولم يهن عليها، ضريبة من دماء مئات الشهداء وآلاف الجرحى، وضريبة أخرى من نزيف المشاعر بالأمل والإحباط والغضب والبهجة في كل تراوح للمعركة بين أشباح الهزيمة وفجر الانتصار.

كسبت الجماهير معركة أولى أسقطت فيها رمز النظام، تفتحت براعم الزهرة، لكنها مازالت تحتاج إلى أن تنمو حتى نستنشق عبير الحرية، وأن تثمر حتى نصنع مستقبلا جديدا لأروع أطفال العالم الذين لم يولدوا بعد.

رحل الديكتاتور وتحطمت أذرعه السوداء اللزجة، لكن السلطة سلمت إلى مجلس عسكري، وعد الضباط أنهم لن ينقضوا على شرعية انتفاضة الجماهير، وقدم المتحدث العسكري تحية مستحقة لشهداء انتفاضة الحرية عززت ثقة الجماهير الثائرة في قادة الجيش، فاحتفلت بانتصارها في ليلة عيد لم تشهد البلاد مثيلا لها منذ أزمان سحيقة…وأصرت الجماهير أن تلك اللحظة ليست لطرح الأسئلة، إنها لحظة المرح والبهجة والزغاريد والطبول الصاخبة. رفرفت الأعلام وانطلقت الألعاب النارية التي أضاءت سماء الميادين بعد أن كانت تضج بصوت القنابل وصرخات المعركة واستغاثة الجرحى وهدير أقدام الجنود والمدرعات المرعبة. عمت البهجة العارمة شوارع المدن وميادينها، ونادى أبطال الانتفاضة بتمجيد أسماء شهدائهم.

وبينما كانت الجماهير تحتفي، كانت قيادات الجيش تصارع مأزقا خطيرا. للجيش حسابات استراتيجية معقدة، وآمال الملايين الثائرة ليس لها سماء ولا حدود، جماهير مفعمة بالثورة وإرادة واثقة لسان حالها يقول مع شاعر فلسطين العظيم: "لا بر إلا ساعداك." والبر تحرسه الذئاب. فعلى حدودنا الشمالية الشرقية ذئاب متعطشة للدم مازالت آثار مخالبها في رقابنا تنزف، ومازالت أيدينا وأقدامنا ترسف في أغلال اتفاقيات ومعاهدات مجحفة. وما وراء البحر والمحيط دببة شرسة تعرف مقدارنا وتخشى ارتفاع صيحتنا بالعزة والحرية. وأمام روح الجماهير الثائرة والمغامرة والجديرة بالحرية لا تعرف الجيوش المغامرة.

أمام الجيش نظام مستبد فاسد، أسقط وانتهك الدستور والقانون، وأفسد الحياة السياسية بأحزاب مدجنة باهتة لا وجود لها ولا مبادئ، وأفسد النقابات والمؤسسات بالتزوير والرشوة والمؤامرات المباحثية، وأفسد حياة المجتمع ككل بسوء توزيع الثروة وإساءة استخدام السلطة.

أمام الجماهير الثائرة أسئلة كثيرة لم يجب عنها المجلس العسكري، فلم يكشف البيان الرابع عن شئ جديد غير ما تركه لنا الديكتاتور، وكأن الديكتاتور لم يرحل، لكننا في انتظار البيانات التالية، وأملنا الأكبر في روح الجماهير الثائرة ووعيها النابض الجديد.

السبت، 15 يناير 2011

انتفاضة تونس … دروس الحركة الجماهيرية

رمضان متولي

صفعه شرطي فأحرق نفسه، وأشعل انتفاضة شعبية هائلة في تونس… محمد بوعزيزي كان يشبه الملايين من شبابنا، تعلم واجتهد فأصبح عاطلا عن العمل. لم يكن بالتأكيد واحدا من أبناء القضاة، ولم يمت بأي صلة قرابة بواحد من النافذين في جهاز الدولة الفاسدة، ولم يكن أيضا من أبناء الطبقة التي احتكرت الثروة والنفوذ في نظام الفساد والاستبداد والنهب المنهجي. حمل إحباطه ويأسه على كتفيه مثل صليب البائسين والمهمشين في مختلف ربوع الأرض، وحمل قليلا من الخضر على عربة يدوية ليصبح بائعا جائلا في شوارع مدينة تلفظه مع الكلاب الضالة والقمامة في فنائها الخلفي.



صفعه الشرطي فأحرق نفسه، واشتعلت تونس بالانتفاضة والثورة. لم يفهم الشرطي لماذا يجب أن تشتعل الثورة بعد هذه الصفعة العادية. اعتاد الشرطي أن يصفع ويركل، بل ويقتل، هذه الحشرات التي لا مال لها ولا نفوذ، لا قوة لها ولا سند. محمد بوعزيزي يشبه تماما خالد سعيد أو سيد بلال، لا فرق بينه وبين الآلاف الذين يقتلون يوميا بلا ثمن. يصفعه الشرطي ويهينه، يركله في رأسه وبطنه، يقتاده إلى قسم الشرطة ويعذبه تعذيبا ساديا حتى يتلذذ بصراخه وعويله تحت صعق الكهرباء ولهيب السياط على جلده العاري. يعلقه من أطرافه في أوضاع مؤلمة، ويلهو بعصاة خشنة في مؤخرته حتى تسيل منها الدماء، وعندما يموت تحت تأثير التعذيب، يلقي به على قارعة الطريق، ويخرج تقرير الطبيب الشرعي مدعيا أن الوفاة بسبب جرعة زائدة من المخدر، وهبوط حاد في دورة الدم. يفلت الشرطي من العقاب، كيف يعاقب شرطي على قتل بعوض يؤذي عيون السادة والأثرياء في مدائنهم الأسطورية؟!

لكن بوعزيزي لم يكن وحيدا هذه المرة، ولم يعرف الشرطي والسياسي المخضرم لماذا اهتم به الأنذال والجبناء من بني جنسه. لماذا رأى ملايين الشباب صورتهم في ملامحه التي شوهتها وأهلكتها الحروق، في جفاف جلده من البؤس وانحناء ظهره الذي انكسر تحت صليب الفقر والقهر والتهميش. خرج ملايين الشباب حتى يستكملوا مسيرة "بوعزيزي" وطريقا أحرق نفسه كي يضيئها دون قصد أمام التائهين. خرجوا في مظاهرات "مطلبية" "فئوية" "اقتصادية" في مدينة وحيدة معزولة تدعى "سيدي بو زيد"، يطالبون فقط بحقهم في أن يعملوا، في أن يحصلوا على وظيفة استبعدوا منها لأن السادة الكبار يملكون الحق في تحديد من الذي "يليق اجتماعيا" للحصول عليها، ولا يليق لها إلا أبناؤهم وذووهم ومن يدفعون لها الرشاوى ويقتسمون معهم الدولة-الغنيمة.

مطالب ومظاهرات "اقتصادية" و"اجتماعية" و"فئوية" محدودة انطلقت من محلة "سيدي بوزيد" وانتشرت في مدن إخرى، ثم امتدت في مختلف أنحاء تونس حتى بلغت العاصمة وهي تحمل مطالب أخرى. كانت إحدى اللافتات التي حملها المتظاهرون تلخصها في "خبز وماء، وبن علي لاء".

مارست الشرطة أسلوبها المعتاد، قامت بمهمتها التي رسمت لها بدقة بالغة. ليس ضروريا أمن "المواطنين" على أنفسهم أو حياتهم، المهم حماية الرؤساء والطبقة الحاكمة تحت عنوان أمن "الوطن". اشتغلت آلة القمع لحماية المستبدين والفاسدين "ملاك الوطن". ودارت رحى الحرب غير الشريفة ضد الفقراء العزل إذ أفاقوا من سباتهم. أعملت الشرطة أسلحتها القمعية التي دفع هؤلاء الفقراء ثمنها من كدهم وعرقهم وحياة أبنائهم. أطلقت ونظمت عصابات المجرمين والمخربين لإحراق المدن وتخريبها حتى تعطي مبررا لتعميم القمع. وأمر "بن علي"، الذي اهتز به العرش وترنح على كرسيه الوثير، الجيش التونسي باحتلال المدن…وأعلن الجيش، كما ينبغي له أن يفعل حماية لشركاء قادته وسادته، حظرا للتجول والتظاهر، بل ومنع اجتماع أكثر من ثلاثة أشخاص وإلا تعرضوا للقتل رميا بالرصاص. وبدأ الإعلام الرسمي في عزف موسيقى النفاق ترحيبا بنزول الجيش، لأن "جيش الوطن يحظى باحترام الشعب"، ولأن "جيش الوطن تدخل لإنقاذ البلاد من الحرائق والدمار"، ولأن "جيش الوطن جاء تلبية لاستغاثة المواطنين الذين طلبوا حمايتهم بعد غياب الأمن عن الشوارع والمدن."

تلك هي المبررات التي صنعها النظام المستبد نفسه حتى يوفر الغطاء اللازم لتدخل الجيش، وخرج "بن علي" على شاشة التلفزيون ويداه مضرجتان بدماء العشرات الذين سقطوا صرعى في هذه الأحداث، والمئات الذين قتلهم عمدا بدماء باردة في سجونه، ودموع وآلام الملايين الذين شردهم وبدد حياتهم بسبب سياسات نظامه الظالمة على مدى 23 عاما من حكمه البغيض، خرج يعلن سلسلة من التراجعات التي فات أوانها، ويلقي مجموعة من الوعود التي لم يف بها في مناسبات عديدة سابقة. قال بن علي "لا رئاسة مدى الحياة" بعد أن أهدر آلاف الحيوات وهو يصر على الرئاسة مدى الحياة! وقام بتعديل الدستور حتى يسمح لنفسه بالترشح بعد أن تجاوز السن القانونية على رأس السلطة.

كان زين العابدين بن علي عاريا تماما وهو يرتدي قناع السلطة والرصانة الزائفة. كان يهذي ويخرف وهو يعلن تخفيض الأسعار وتوفير الوظائف وتشكيل لجنة تحقيق لتحديد المسئولية عن جرائم ارتكبت، وكان المجرم الأول فيها هو الرئيس نفسه، وإن لم يكن المجرم الوحيد في نظام العصابات الذي يحكم البلاد. في اليوم التالي غادر بن على "تونس وهي حمراء" هاربا إلى مطارات أولياء نعمته وأصدقائه الذين لفظوه وطردوه عاريا كما جاء حتى استقبلته ورحبت به واحدة من أعتى ديكتاتوريات بلاد العرب.

ومع ذلك فإن فرائص الديكتاتوريات العربية ترتعد أمام أحداث التضامن الجماهيري التي أعربت عن تأييدها للانتفاضة في تونس ودعمها للثائرين من أجل حقوقهم والعيش الكريم.

بدأت العصابات الحاكمة في تونس تبحث عن حيلة أخرى ووجه جديد للزعيم، من الوزير الأول محمد الغنوشي إلى رئيس مجلس النواب ووعد جديد بانتخابات خلال ستين يوما. لكن الحرائق التي اندلعت في قلوب شباب تونس مازالت تتوهج شوقا إلى التغيير. ومازالت العصابات التي تنظمها وتدعمها الشرطة تسعى في المدائن تخريبا وتدميرا، ومازالت الشرطة تضرب بوحشية وقوات الجيش رابضة تتأهب للانقضاض على فرائسها إذا خارت قوة الحركة الجماهيرية وفترت عزيمتها بسبب القتل والتدمير، غير أن حركة الجماهير مازالت في عنفوانها حتى الآن.

وبغض النظر عن المصير الذي ينتظر الانتفاضة الشعبية المجيدة في تونس، يكفي أنها أثبتت قدرة الحركة الجماهيرية على إسقاط واحدة من أعتى ديكتاتوريات بلاد العرب وأشدها قسوة حتى وإن طال بها الزمن في غيها وفسادها واستهتارها بكرامة الشعوب وطموحاتها.

تطورت الانتفاضة التونسية بسرعة إلى وضع ثوري، وإن كان ينقصها التنظيم الجماهيري واسع الانتشار، والمطالب والبرامج الجذرية الواضحة، والإدراك الواعي للخطوة التالية، مما قد يضع حدودا على فرص نجاح هذه الانتفاضة في تحقيق أهداف أبعد في المستقبل المنظور. فلم تعد جماهير تونس تقبل الحكم بنفس الطريقة السابقة، كما أن النظام الديكتاتوري الحاكم بدأ يرتبك ويعاني من التصدعات والشقوق حتى وإن لم تبلغ بعد حد الخطورة على استمراره بعد مرور العاصفة. لكن مستقبل الحركة لا يستطيع التنبؤ به إلا من يشاركون في صناعتها، ومازالت الصورة غير واضحة حتى الآن لمن يراقبون الوضع من خارجه.

انتفاضة تونس الجماهيرية قدمت ردا قويا ومفحما على من يزعمون في بلادنا أن الحركات الاحتجاجية الفئوية والمطلبية يسهل قمعها أو احتواؤها، ولا يمكن أن تتطور إلى انتفاضة شاملة ذات مطالب وأهداف سياسية وتستطيع تحقيقها في سبيل تغيير جذري شامل. فقد اندلعت هذه الانتفاضة على أرضية اقتصادية ومطالب فئوية بسيطة لكنها اتسعت وتطورت عبر مسيرتها من إقليم معزول إلى العاصمة لتصبح انتفاضة شاملة نسفت بعنفوانها وحيويتها سماء القمع وحدود القهر والاستبداد.

من دروسها أيضا أن موعد الانتفاضة وأسبابها المباشرة لا يمكن أن يتنبأ بها أحد، إنها أكثر الأحداث وضوحا غير أن أحدا لا يستطيع أن يتوقع تفاصيلها وتوقيتها. قد تندلع الانتفاضة بعد صدام بسيط بين بضعة طلاب تظاهروا وبين الشرطة كما حدث في إندونيسيا، وقد تنفجر بعد أن يشعل أحد الشباب اليائس المحبط النار في جسده احتجاجا على الأوضاع الظالمة، أو ربما بعد مسيرة سلمية احتجاجا على زيادة الأسعار أو الفصل التعسفي. لا أحد يستطيع أن يجزم أو يحدد متى وأين وكيف تندلع الانتفاضة. أما نجاحها في تحقيق أهدافها وفي إحداث تغيير شامل فمسئولية الجماهير والقيادة معا.

من دروس الانتفاضة أن التغيير له ثمن، لا يمنح من الديكتاتورية، وإنما تطلبه السواعد والدماء والعقول الحالمة، إنها تؤكد على قول شاعر تونس العظيم أبو القاسم الشابي: "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر." والإرادة والقوة صنوان في معادلة التغيير، والاستعداد للتضحية أوضح صورة لقوة الإرادة.

وأخيرا وليس آخرا، أثبتت انتفاضة تونس أن حماة الديكتاتورية في بلادنا العربية أو بلد آخر لا يستطيعون أن يضمنوا لها الاستمرار على أنفاس الشعوب ورغم أنوف الجماهير حتى وإن سلحوها حتى الأسنان والمخالب بتكنولوجيا القمع المتطورة، حتى وإن مجدوها وعدوها نموذجا يحتذى به مثلما كان الأمريكيون يكيلون المديح لنظام "بن علي" الفاسد، وسرعان ما يتركونه في العراء مهانا عندما تعصف به العواصف وتدور عليه الدوائر.

عاشت الانتفاضة في تونس المجيدة، والمجد للأحرار.